الرباط تحتفي بالكتاب في سياق إقليمي مضطرب وتحولات سياسية متسارعة

تواصل الرباط تعزيز موقعها كعاصمة ثقافية وإعلامية، من خلال تزامن المعرض مع إطلاق برنامج "الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026".. فيسبوك
تواصل الرباط تعزيز موقعها كعاصمة ثقافية وإعلامية، من خلال تزامن المعرض مع إطلاق برنامج "الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026".. فيسبوك
شارك الخبر
تتواصل بالعاصمة المغربية الرباط فعاليات الدورة الواحدة والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي يرسّخ مع مرور دوراته موقعه كأحد أبرز التظاهرات الثقافية في العالم العربي والمتوسطي، ليس فقط باعتباره فضاء لعرض الإصدارات وترويج الكتاب، بل أيضًا كمنصة سنوية تتقاطع فيها أسئلة الثقافة والمعرفة مع تحولات السياق السياسي والاجتماعي في المنطقة.

وتنعقد دورة هذه السنة في سياق مغربي وإقليمي خاص، حيث يتزامن الحدث الثقافي مع سنة تسبق محطة انتخابية وطنية، تعرف عادة حركية سياسية وإعلامية متزايدة، وإن كان المزاج العام يبدو أقرب إلى إعادة إنتاج التوازنات القائمة منه إلى رهانات تغيير جذري. هذا التباين بين ارتفاع منسوب الخطاب السياسي ومحدودية سقف التوقعات الشعبية ينعكس بشكل غير مباشر على الفضاء العام، بما في ذلك الفضاء الثقافي الذي يمثله المعرض، حيث تُطرح أسئلة الفكر والكتابة والمعرفة داخل مناخ اجتماعي يتسم بالترقب أكثر من التحول.

وفي هذا الإطار، تواصل الرباط تعزيز موقعها كعاصمة ثقافية وإعلامية، من خلال تزامن المعرض مع إطلاق برنامج "الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026"، في مبادرة تعكس تداخل البعدين الثقافي والإعلامي داخل المدينة. فقد تم، يوم الاثنين 4 ماي، الإعلان رسميًا عن هذا البرنامج داخل فضاء المعرض، في ندوة دولية حول الإعلام والأدب في العصر الرقمي، بمشاركة إعلاميين وكتاب من عدد من الدول العربية، وبتنظيم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل.

وقد ركزت هذه الندوة على التحولات العميقة التي يعرفها الفعل الإعلامي في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وعلى أدوار الإعلام في تعزيز التبادل الثقافي العربي، إلى جانب نقاشات حول الإعلام الرياضي والتربية الإعلامية في الفضاء الرقمي. كما يشمل برنامج "الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026" سلسلة من الفعاليات تمتد على مدار السنة، تتضمن ندوات فكرية وزيارات ميدانية لوفود إعلامية عربية، إضافة إلى تكريم عدد من الأسماء الإعلامية، في إطار إبراز التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي في المنطقة.

ويأتي هذا التتويج استنادًا إلى قرار مجلس وزراء الإعلام العرب، التابع لجامعة الدول العربية، باختيار الرباط عاصمة للإعلام العربي لسنة 2026، إلى جانب كونها عاصمة عالمية للكتاب في السنة نفسها وفق تصنيف اليونسكو، وهو ما يمنح المدينة موقعًا رمزيًا مضاعفًا داخل الفضاءين الثقافي والإعلامي العربي والدولي.



غير أن هذه الحركية الثقافية والإعلامية تتقاطع مع سياق إقليمي ودولي مضطرب، يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، خصوصًا في ظل استمرار حالة الاستقطاب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يرافق ذلك من إعادة تشكيل تدريجي لخرائط النفوذ الإقليمي. هذا المشهد يجعل من الفعل الثقافي والإعلامي يتحرك داخل فضاء موازٍ، حيث تتقدم وقائع القوة والسياسة على حساب الإيقاع البطيء للفكر والثقافة، دون أن يعني ذلك تراجع دورهما، بل إعادة تعريف موقعهما داخل هذا المشهد المتحول.

وفي خضم هذه التحولات، يظل المعرض الدولي للنشر والكتاب محافظًا على طابعه كفضاء للكتاب والنقاش الفكري، لكنه يتحول في الوقت ذاته إلى مرآة غير مباشرة لتحولات أعمق في بنية المجال العمومي، حيث تتجاور أسئلة الأدب والفكر مع أسئلة السياسة والهوية والتحول الاجتماعي.

يشكل "أدب الرحلة" أحد المحاور المركزية في البرمجة الثقافية للدورة الحالية من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، حيث يُعاد استحضاره ليس فقط بوصفه جنسًا أدبيًا تقليديًا، بل باعتباره مدخلًا لفهم تاريخ التفاعل بين الشعوب وتقاطعات الجغرافيا والثقافة عبر الزمن. ويأتي هذا التركيز في سياق استلهام تجربة الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي ظل رمزًا عالميًا للعبور بين الحضارات وتوثيق التنوع الإنساني، بما يجعل من أدب الرحلة اليوم مجالًا لإعادة التفكير في مفاهيم الهوية والانفتاح والآخر، داخل عالم تتسارع فيه التحولات وتتعقد فيه حدود التفاعل الثقافي. ويمنح المعرض لهذا الجنس الأدبي موقعًا خاصًا من خلال ندوات ولقاءات فكرية تستعيد نصوص الرحلة القديمة وتعيد قراءتها في ضوء الأسئلة المعاصرة المتعلقة بالهجرة والعولمة وإعادة تشكيل الفضاءات الثقافية.



أما على مستوى ضيف الشرف، فتحلّ فرنسا كضيف بارز في هذه الدورة، في إطار تقليد المعرض القائم على الانفتاح على تجارب ثقافية دولية مختلفة. ويعكس هذا الحضور استمرارًا لحضور فرنسي ثقافي قوي داخل الفضاء المغربي، من خلال مشاركة دور نشر وكتاب وباحثين في سلسلة من اللقاءات والندوات التي تتناول قضايا الأدب والترجمة وتاريخ التفاعل الثقافي بين الضفتين.

ويكتسي هذا الاختيار بعدًا رمزيًا مرتبطًا بعمق العلاقات الثقافية بين الرباط وباريس، كما يفتح المجال لنقاشات حول موقع اللغة والكتابة والترجمة في بناء الجسور الثقافية، في سياق عالمي تتزايد فيه أهمية الدبلوماسية الثقافية كأداة للتقارب والحوار بين المجتمعات.

وقد برزت خلال هذه الدورة أيضًا وقائع لافتة أعادت طرح أسئلة حول حدود الفضاء الثقافي العمومي، من بينها منع المؤرخ والحقوقي المغربي المعطي منجب من دخول المعرض، وهو حدث أثار نقاشًا حول العلاقة بين التنظيم الثقافي وحرية الحضور الفكري داخل الفضاءات العامة، وأعاد إلى الواجهة سؤال التعدد داخل المؤسسات الثقافية.

وفي السياق ذاته، أثار الحضور العربي والدولي داخل المعرض نقاشًا حول طبيعة "التمثيل الثقافي" في المنطقة، من بينها الحضور الإماراتي الذي برز بشكل لافت داخل التظاهرة، في إطار دينامية أوسع للاستثمار الثقافي العربي في معارض الكتاب. هذا الحضور، الذي يعتمد على أدوات مؤسساتية ودعم واسع لقطاع النشر، يعكس تحولات في مفهوم الفعل الثقافي داخل المنطقة، حيث لم يعد الإنتاج الفكري وحده هو المحدد للحضور، بل أصبحت سياسات الثقافة والنشر عنصرًا أساسيًا في بناء المكانة الرمزية داخل الفضاء العربي والدولي.

وبين هذه العناصر المتداخلة، يتضح أن المعرض لم يعد مجرد تظاهرة ثقافية معزولة، بل أصبح نقطة التقاء بين مسارات متعددة: مسار ثقافي يحتفي بالكتاب، ومسار سياسي يتشكل على إيقاع الانتخابات والتوازنات الداخلية، ومسار إقليمي ودولي تعاد فيه صياغة خرائط القوة والنفوذ. وفي قلب هذا التقاطع، يظل السؤال الأعمق مطروحًا حول موقع الثقافة نفسها: هل ما تزال قادرة على إنتاج المعنى في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والتكنولوجية، أم أنها تتحرك داخل هامش واسع من التفاعلات التي تحددها قوى أخرى أكثر صلابة وتأثيرًا؟

ومع هذا الجدل يواصل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط أداء دوره كفضاء مفتوح للنقاش والتعدد، حتى وإن بدا أحيانًا أنه يتحرك داخل عالم تتجاور فيه الأسئلة الفكرية مع ثقل الواقع السياسي، في لحظة تتداخل فيها الثقافة مع التحول، والكتاب مع إعادة تشكيل العالم.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)