من قمع الأسرة إلى استلاب السوق.. الرواية الحديثة وأسئلة المرأة والهوية

تتجاوز رواية "وداعا يا حبيبي" حدود حكاية الطلاق أو تحرير المرأة من علاقة سلطوية، لتتحول إلى مرآة أكثر اتساعًا لقلق الإنسان الحديث..
تتجاوز رواية "وداعا يا حبيبي" حدود حكاية الطلاق أو تحرير المرأة من علاقة سلطوية، لتتحول إلى مرآة أكثر اتساعًا لقلق الإنسان الحديث..
شارك الخبر
لم تعد الرواية المعاصرة مجرد جنس أدبي يُعنى بالحكاية وتوصيف العلاقات الإنسانية في بعدها العاطفي والاجتماعي، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى مختبر فكري وفلسفي بالغ الحساسية، قادر على التقاط التحولات العميقة في وعي الإنسان الحديث، وعلى تفكيك أكثر الأسئلة ارتباطًا بالهوية والحرية والجسد والسلطة والمعنى.

ولعل ما يمنح الرواية الحديثة هذا الحضور المتعاظم أنها باتت الشكل التعبيري الأكثر قدرة ليس فقط على ترجمة مشاعر الإنسان المعاصر، بل وعلى إعادة تركيب القلق الوجودي والفكري الذي يحيط به، وصولًا إلى ملامسة المناطق الرمادية التي تقترب من أسئلة الغيب والمصير.

غير أن هذا الاتساع في وظيفة الرواية رافقته أزمة واضحة في الرؤية والمنطلقات الفكرية؛ إذ أصبحت قطاعات واسعة من السرد العالمي أسيرة منظومات أيديولوجية متشابهة تعيد إنتاج التصورات ذاتها عن الإنسان والعلاقة بين الرجل والمرأة والأسرة والدين والسلطة. ومن أبرز هذه القضايا ما يُعرف بعقدة "الذكورية" أو "البطريركية"، التي تحولت في كثير من الأعمال إلى تفسير شبه مطلق لتاريخ العلاقات الإنسانية، حتى بدا وكأن الثقافات البشرية جميعًا ليست سوى سردية طويلة من القمع الذكوري المتواصل.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز الكاتبة الأسترالية ذات الأصول اللبنانية  يمنى قصاب، بوصفها واحدة من الأصوات الأدبية التي تنتمي إلى تيار الرواية التجريبية المعاصرة. تتميز قصاب بنزعتها إلى تفكيك الهوية الفردية والهجرة والانتماء، وباشتغالها على القلق الوجودي للإنسان في العالم الحديث، من خلال أسلوب سردي مكثف ومجزأ يقوم على الشذرات والمقاطع القصيرة بدل البناء الروائي التقليدي، ما يمنح نصوصها طابعًا تأمليًا أقرب إلى الكتابة الفلسفية منه إلى الحكاية الخطية.

إن ما تقدمه يمنى قصاب في روايتها "وداعا يا حبيبي" من إبراز لاختلالات العلاقة بين الرجل والمرأة، يظل مشروطًا بطبيعة التجربة السردية نفسها، التي قد تميل أحيانًا إلى تكثيف الألم وتضخيم الانكسار بوصفه مادة فنية.
وتندرج روايتها "وداعا يا حبيبي" ضمن هذا السياق التجريبي، حيث تتناول قصة امرأة تغادر زواجًا خانقًا مع رجل متسلط، لكنها تكتشف أن فعل المغادرة لا يعني بالضرورة التحرر. فالبطلة “أمينة” تبدو محاصرة ليس فقط بعلاقتها الزوجية السابقة، بل ببنية نفسية واجتماعية أعمق، تجعل من الحرية نفسها تجربة مربكة ومخيفة.

وتكشف الرواية، كما أوضحت مراجعة نقدية في صحيفة الغارديان، عن شخصية تعيش حالة من التمزق الداخلي، حيث لا تنفصل عن الماضي رغم محاولتها مغادرته، بل تظل أسيرة له في الذاكرة واللغة وحتى الاسم. وهنا يتحول السرد إلى دراسة دقيقة في كيفية تشكل الذات تحت ضغط التوقعات الاجتماعية، وكيف يمكن للإنسان أن يمتلك “حرية الاختيار” دون أن يمتلك بالضرورة "حرية الإرادة".

غير أن القراءة الفكرية الأوسع لهذا العمل تضعه أيضًا داخل سياق أوسع من النقاشات الأدبية المعاصرة حول العلاقة بين الرجل والمرأة، حيث يميل كثير من الخطاب الروائي الحديث إلى تحميل البنى الدينية أو المحافظة المسؤولية شبه الكاملة عن اختلال هذه العلاقة. غير أن هذا التبسيط، رغم حضوره الكثيف، لا يعكس تعقيد الواقع التاريخي والاجتماعي.

ففي كثير من الأعمال الروائية المعاصرة، يجري تضخيم تجارب فردية شاذة وتحويلها إلى نماذج تفسيرية عامة، يتم من خلالها قراءة وضع المرأة أو المجتمع أو الأسرة بوصفه نتيجة مباشرة لقمع ديني أو ثقافي تقليدي، في حين أن المعطيات التاريخية والمادية تشير إلى أن الإنسان المعاصر، رجلًا كان أو امرأة، بات على نحو متزايد ضحية لمنظومة عالمية أوسع، تتجلى في جشع رأس المال، وهيمنة السوق، والثقافة الليبرالية المنفلتة من المرجعيات القيمية.

اختزال أزمة المرأة أو اختلال العلاقات الإنسانية في بعد واحد ـ سواء كان ثقافيًا أو دينيًا أو ذكوريًا ـ يتجاهل الطبيعة المركبة للتاريخ الاجتماعي نفسه، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والثقافية والدينية في إنتاج البنى الاجتماعية وتطورها عبر الزمن.
وهكذا تتجاوز رواية "وداعا يا حبيبي" حدود حكاية الطلاق أو تحرير المرأة من علاقة سلطوية، لتتحول إلى مرآة أكثر اتساعًا لقلق الإنسان الحديث، حيث لا يعود الصراع بين رجل وامرأة فقط، بل بين الإنسان ومعنى وجوده في عالم يعيد تشكيله الاقتصاد والاستهلاك والاغتراب، أكثر مما تعيد تشكيله العقائد أو التقاليد.

وفي المستوى الجمالي، لا يمكن إغفال أن قوة هذا النوع من السرد الروائي تنبع أيضًا من مسحة الحزن والسوداوية التي تظلل العالم الروائي، والتي تمنحه في الآن ذاته تأثيره العاطفي وفرادته الفنية. فالأدب، في جوهره، ليس تقريرًا عن الواقع بقدر ما هو تجربة إنسانية معيشة، تُصاغ عبر اللغة والانفعال والاختزال، وتُقدَّم للقارئ باعتبارها رؤية محتملة للعالم لا الحقيقة الوحيدة عنه. ومن هنا، فإن ما تقدمه يمنى قصاب في روايتها "وداعا يا حبيبي" من إبراز لاختلالات العلاقة بين الرجل والمرأة، يظل مشروطًا بطبيعة التجربة السردية نفسها، التي قد تميل أحيانًا إلى تكثيف الألم وتضخيم الانكسار بوصفه مادة فنية.

غير أن هذا التمثيل، حين يُؤخذ على إطلاقه خارج سياقه الأدبي، قد يتحول إلى خطاب تفسيري نمطي لا يعكس بالضرورة تعقيد الواقع الاجتماعي. فاختزال أزمة المرأة أو اختلال العلاقات الإنسانية في بعد واحد ـ سواء كان ثقافيًا أو دينيًا أو ذكوريًا ـ يتجاهل الطبيعة المركبة للتاريخ الاجتماعي نفسه، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والثقافية والدينية في إنتاج البنى الاجتماعية وتطورها عبر الزمن.

وعليه، فإن القراءة المتوازنة لمثل هذه الأعمال تقتضي التمييز بين قوة التعبير الفني من جهة، وبين حدود التفسير الأيديولوجي من جهة أخرى، إدراكًا بأن الواقع الاجتماعي ليس نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تفاعل طويل ومعقد بين بنى الاقتصاد، وتحولات الثقافة، وتطورات الوعي الديني والفكري داخل المجتمعات الإنسانية.
التعليقات (0)