من جلجامش إلى ترامب.. لماذا يعود العالم إلى الرواية حين تتصدّع الأزمنة؟

تعيش المجتمعات الحديثة تحت ضغط ما يمكن تسميته "اقتصاد الانتباه"، حيث تتحول كل ثانية إلى مساحة تنافس عليها المنصات الرقمية والإعلانات والتدفقات الإعلامية المتلاحقة.
تعيش المجتمعات الحديثة تحت ضغط ما يمكن تسميته "اقتصاد الانتباه"، حيث تتحول كل ثانية إلى مساحة تنافس عليها المنصات الرقمية والإعلانات والتدفقات الإعلامية المتلاحقة.
شارك الخبر
في لحظة عالمية تتسارع فيها الأخبار والصور والرسائل القصيرة بوتيرة غير مسبوقة، تبدو المفارقة لافتة: كلما ضاق زمن الانتباه، اتسعت الحاجة إلى الرواية. وبينما تُشخّص تقارير ثقافية متعددة ما يُسمى بـ"أزمة القراءة"، تظهر مؤشرات ثقافية موازية تقول إن الرواية، وبخاصة الكلاسيكية منها، لا تزال قادرة على فرض حضورها بوصفها أداة لفهم العالم لا مجرد وسيلة للتسلية.

هذا ما كشفته النقاشات التي رافقت قائمة "الغارديان" لأفضل مئة رواية كُتبت باللغة الإنجليزية، حيث تجاوز الحديث حدود التقييم الأدبي إلى أسئلة أعمق: لماذا يعود الشباب إلى أدب القرن التاسع عشر؟ وما الذي تستطيع الرواية تقديمه في زمن الاستقطاب السياسي والاضطراب العالمي؟ وهل لا تزال الكتب قادرة على تغيير السياسيين أنفسهم؟

الرواية بوصفها مقاومة للسرعة


تعيش المجتمعات الحديثة تحت ضغط ما يمكن تسميته "اقتصاد الانتباه"، حيث تتحول كل ثانية إلى مساحة تنافس عليها المنصات الرقمية والإعلانات والتدفقات الإعلامية المتلاحقة. غير أن الكاتبة التركية إليف شافاق قدّمت ملاحظة ذات دلالة: كلما ازداد العالم سرعة، ازدادت حاجة الإنسان إلى التباطؤ.

الخطاب السياسي المعاصر يقوم غالباً على ثنائيات حادة: نحن وهم، يمين ويسار، وطني وأجنبي، منتصر وخاسر. أما الرواية فتعمل بطريقة معاكسة؛ إنها تُدخل القارئ إلى داخل الشخصيات، وتجبره على رؤية العالم من زوايا متعددة.
هذه الفكرة لا تتعلق بمجرد الحنين إلى القراءة التقليدية، بل تشير إلى وظيفة معرفية أعمق للرواية. فالرواية ليست وعاءً للمعلومات، بل فضاء للتأمل البطيء، يسمح للقارئ بالدخول إلى عوالم بشرية معقدة، وفهم التناقضات والظلال الرمادية التي غالباً ما تمحوها الخطابات السياسية والإعلامية السريعة.

في عالم تُختزل فيه الأفكار في عناوين قصيرة وشعارات، تصبح الرواية شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية ضد التبسيط المفرط.

لماذا يعود الشباب إلى القرن التاسع عشر؟


قد يبدو غريباً أن جيلاً وُلد في عصر الهواتف الذكية يجد نفسه منجذباً إلى روايات كُتبت قبل قرنين تقريباً. لكن الأمر يصبح أقل غرابة حين ندرك أن القرن التاسع عشر يشبه عصرنا أكثر مما نتصور.

لقد كان ذلك القرن زمن تحولات جذرية: الثورة الصناعية، صعود المدن الحديثة، تغيّر أنماط العمل، التوترات الاجتماعية، وتبدلات عميقة في البنية السياسية والاقتصادية. وهي قضايا لا تختلف كثيراً عن أسئلة القرن الحادي والعشرين: الذكاء الاصطناعي، تغير طبيعة العمل، القلق الوجودي، وتبدل الهويات.

ربما لهذا تبدو روايات مثل Middlemarch (ميدل مارش: بلدة خيالية في رواية جورج إليوت الشهيرة، تحولت في النقد الأدبي إلى رمز لمجتمع صغير يعكس تحولات عصر كامل وصراعاته الفكرية والاجتماعية)، أقرب إلى مرآة للحاضر أكثر من كونها وثيقة عن الماضي. فالإنسان، رغم تغير الأدوات والتقنيات، ما زال يصارع الأسئلة نفسها: كيف يعيش؟ كيف يحب؟ وكيف يجد معنى وسط الفوضى؟

إن الشباب لا يهربون إلى الماضي بقدر ما يبحثون فيه عن خرائط لفهم الحاضر.

الأدب يهدم الصناديق المغلقة


في زمن تتكاثر فيه الهويات الصلبة والانقسامات الحادة، يبرز دور الأدب بوصفه أداة لتفكيك التصنيفات الجاهزة.

الخطاب السياسي المعاصر يقوم غالباً على ثنائيات حادة: نحن وهم، يمين ويسار، وطني وأجنبي، منتصر وخاسر. أما الرواية فتعمل بطريقة معاكسة؛ إنها تُدخل القارئ إلى داخل الشخصيات، وتجبره على رؤية العالم من زوايا متعددة.

لهذا يبدو الأدب فعلاً مضاداً للاستقطاب. إنه لا يطلب من القارئ أن يوافق الشخصية أو يحبها، بل أن يفهمها.

وفي عالم يزداد ميلاً إلى تصنيف البشر داخل هويات نهائية، تصبح الرواية مساحة نادرة تسمح للإنسان بأن يكون أكثر تعقيداً من أي تصنيف جاهز.

هل تستطيع الكتب تغيير السياسيين؟


من أكثر العبارات إثارة خلال النقاش الإشارة إلى أن حياة السياسي البريطاني أندي بورنهام تغيّرت بسبب قراءته للشاعر توني هاريسون.

قد تبدو الحكاية استثناءً، لكنها تطرح سؤالاً بالغ الأهمية: هل ما زالت الثقافة قادرة على التأثير في المجال السياسي؟

في زمن تتكاثر فيه الهويات الصلبة والانقسامات الحادة، يبرز دور الأدب بوصفه أداة لتفكيك التصنيفات الجاهزة.
في التاريخ الحديث، كان كثير من السياسيين أبناء قراءات فلسفية وأدبية واسعة. أما اليوم، فيبدو المشهد السياسي أكثر خضوعاً لمنطق الاستطلاعات، والصور الإعلامية، والرسائل المختصرة.

لكن الإشارة إلى تأثير شاعر على مسار سياسي تحمل دلالة أوسع: الأفكار لا تغيّر العالم دفعة واحدة، بل تبدأ غالباً من تحولات شخصية صغيرة، من كتاب أو قصيدة أو رواية تعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم.

جلجامش وترامب.. السؤال الذي يكشف أزمة العصر


ربما كان أكثر الأسئلة طرافة وعمقاً في آن واحد هو: ماذا لو قرأ ترامب ملحمة جلجامش؟

ورغم الطابع الساخر للسؤال، فإنه يلامس جوهر وظيفة الأدب. فـملحمة جلجامش ليست مجرد نص قديم، بل تأمل إنساني في السلطة والخوف والموت والبحث عن الخلود.

الأدب العظيم لا يمنح أجوبة جاهزة، بل يضع الإنسان أمام هشاشته وحدوده. والسياسة المعاصرة ربما تعاني، في جزء منها، من غياب هذا البعد التأملي؛ إذ تتحول القيادة إلى استعراض للقوة، بينما تذكّر النصوص الكبرى الإنسان بأن السلطة ليست بديلاً عن الحكمة.

الرواية ليست ترفاً ثقافياً


ربما تكمن الفكرة الأساسية التي خرجت من هذه النقاشات في أن الرواية لم تعد ترفاً للنخب أو هواية ثقافية هامشية، بل تبدو أكثر ضرورة في عصر الفوضى.

حين يصبح العالم أكثر ارتباكاً، لا يبحث الناس فقط عن معلومات إضافية، بل عن معنى إضافي.

وهنا تحديداً تستعيد الرواية مكانتها: لا لأنها تقدم حقائق أكثر، بل لأنها تساعد البشر على رؤية أنفسهم والعالم بعيون أوسع وأقل يقيناً وأكثر إنسانية. ففي أزمنة التشظي الكبرى، قد لا يكون السؤال: لماذا ما زلنا نقرأ الروايات؟ بل: كيف يمكننا فهم العالم من دونها؟

من لندن إلى العالم العربي.. هل انتصرت الرواية على الشعر؟


لكن السؤال الذي يفرض نفسه عربياً هو: هل الجدل الذي أثارته "الغارديان" حول الرواية يعكس أيضاً المشهد الأدبي العربي؟

إلى حد بعيد، تبدو الإجابة: نعم، ولكن مع اختلافات جوهرية. فالمشهد الروائي العربي خلال العقود الثلاثة الأخيرة شهد تحولاً لافتاً؛ إذ انتقلت الرواية من موقع أدبي مهم إلى ما يشبه "المركز الثقافي" الذي تدور حوله الجوائز الكبرى، ودور النشر، وحركة الترجمة، والنقاشات النقدية.

لم يعد من قبيل المصادفة أن تصبح الرواية الواجهة الأكثر حضوراً في الجوائز العربية، وأن يتحول كثير من الشعراء والكتاب إلى كتابة السرد الروائي. فالتحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي عاشتها المنطقة ـ من الحروب والاحتجاجات والهجرة واللجوء إلى أسئلة الهوية والانكسارات الجماعية ـ وجدت في الرواية مساحة أوسع لاحتواء التعقيد والتشظي الإنساني.

لكن هل يعني ذلك أن الرواية أطاحت بالشعر من مكانته التاريخية في الثقافة العربية؟

ربما يكون هذا الحكم متسرعاً. فالثقافة العربية كانت تُوصف تاريخياً بأنها "ثقافة شعر"؛ إذ لم يكن الشعر مجرد فن أدبي، بل كان ديوان العرب وذاكرتهم ولسانهم السياسي والاجتماعي. غير أن الرواية تبدو اليوم وقد أصبحت "ديوان التحولات العربية"؛ فهي الأقدر على التقاط المدن المتغيرة، والهويات المتصدعة، والتجارب الفردية المعقدة التي يصعب أحياناً احتواؤها داخل اللغة الشعرية المكثفة.

ومع ذلك، لا يبدو المشهد صراعاً صفرياً بين الشعر والرواية بقدر ما هو انتقال في مركز الثقل الأدبي. فالشعر لم يغادر المشهد، لكنه فقد احتكاره القديم للمخيلة العربية، بينما اكتسبت الرواية سلطة جديدة بوصفها الشكل الأدبي الأكثر قدرة على تفسير زمن عربي مرتبك ومفتوح على الأسئلة.

وربما لهذا يصبح السؤال العربي اليوم قريباً من السؤال الذي طرحته النقاشات الغربية: إذا كان العالم يعود إلى الرواية كلما تصدّعت الأزمنة، فهل تحولت الرواية العربية بدورها إلى محاولة جماعية لفهم ما جرى لنا، وما الذي لا يزال يجري؟
التعليقات (0)