حضرت
مجلسا اجتماعيا جميلا جمع أكاديميين ومهتمين باللغة والثقافة، وكان الحديث يدور
بحماس كبير حول التعريب وقضايا
اللغة العربية ومستقبلها في
التعليم والحياة
العامة. وطال النقاش حتى انتقل إلى مثال بدا بسيطا في ظاهره، لكنه ظل عالقا في
ذهني طويلا. كان الحديث عن الـ"Thermos"،
ذلك الوعاء المعروف الذي يحفظ الحرارة أو البرودة للمشروبات. وتساءل بعض الحاضرين:
ما الاسم العربي الصحيح لهذا الاختراع؟ وبدأت رحلة طويلة من الاجتهاد اللغوي
والاشتقاقات والبحث في الجذور العربية القديمة، حتى تفتق ذهن أحد اللغويين عن
اقتراح اسم: "كِظامة"، مستلهما الكلمة من معنى الكظم والحفظ والإمساك،
من قول الله تعالي في سورة آل عمران "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".
تأملت
المشهد يومها بابتسامة ممزوجة بشيء من الحيرة، لم يكن الأمر متعلقا بجمال العربية
أو ثرائها، فالعربية قادرة بلا شك على الاشتقاق والتوليد، لكن الذي استوقفني أننا
نبذل جهدا كبيرا في البحث عن أسماء لأشياء لم نصنعها أصلا، ولم نبتكرها، ولم نساهم
في تطويرها، ثم نشعر بالرضا لأننا نجحنا في إيجاد تسمية عربية لها، وكأن التسمية
نفسها إنجاز حضاري.
بعدها
بفترة حضرت مؤتمرا حول العلوم في الحضارة الإسلامية، ووجدت النقاشات تتكرر بصورة
مختلفة: دعوات حماسية إلى تعريب التعليم فورا، والعودة الكاملة إلى العربية. وهنا
بدأت تتشكل لديّ قناعة أعمق: مشكلتنا ليست في اللغة وحدها، بل في تصورنا لطبيعة
النهضة نفسها، وفي الحقيقة، يمكن تفهّم هذا الحماس؛ فالعربية ليست مجرد وسيلة
تواصل، بل وعاء حضاري وروحي وثقافي عظيم، كما أن الشعور بالقلق على الهوية أمام
موجات العولمة شعور مشروع. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول القضية من مشروع حضاري إلى
مجرد قرار لغوي معزول عن شروط النهضة الحقيقية؛ فاللغة وحدها لا تصنع تقدما، كما
أن استبدال لغة التدريس دون بناء منظومة علمية متكاملة قد يؤدي أحيانا إلى نتائج
عكسية.
في
السودان مثلا، اتجهت الدولة في فترة حكم الإسلاميين إلى تعريب التعليم الجامعي،
بما في ذلك بعض كليات الطب والتخصصات العلمية. ورغم النيات الوطنية والثقافية التي
صاحبت هذا التوجه، فإن كثيرا من السودانيين والأكاديميين يتحدثون اليوم عن أن
التجربة لم تُدعَم بما يكفي من منظومات ترجمة حديثة، ولا بمراجع علمية عربية
محدثة، ولا ببيئة بحثية قادرة على مواكبة الانفجار المعرفي العالمي. وكانت النتيجة
-بحسب شهادات واسعة- حدوث فجوة معرفية وتراجع نسبي في قدرة الخريجين على التواصل
مع المصادر العلمية الحديثة المنشورة أساسا بالإنجليزية. القضية هنا ليست في
العربية ذاتها، بل في غياب المشروع العلمي الموازي.
وينطبق
الأمر بصورة أخرى على النموذج الموريتاني؛ فموريتانيا تُعرف بكونها من أكثر
البلدان العربية محافظة على الفصحى، حتى لُقبت بـ"بلد المليون شاعر"،
كما تنتشر فيها المحاضر وحفظ القرآن والتمكن اللغوي المبكر لدى الأطفال. ومع ذلك،
فإن هذا التميز اللغوي والأدبي لم يتحول وحده إلى اختراق كبير في مجالات الصناعة،
أو البحث العلمي، أو التنمية، أو المنافسة العالمية. والسبب أن النهضة لا تقوم على
اللغة وحدها، بل على منظومة كاملة تشمل الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي،
والإدارة، والتقنية، والإنتاج. إن امتلاك لغة قوية لا يعني تلقائيا امتلاك مشروع
حضاري ناجح.
وفي
المقابل، حين ننظر إلى تجارب مثل اليابان أو الصين، سنجد أن استخدام اللغة الوطنية
في التعليم لم يكن قرارا عاطفيا، بل جزءا من مشروع قومي متكامل. اليابان لم تنهض
لأنها تدرس باليابانية فقط، وإنما لأنها بنت دولة عِلم، وربطت الجامعات بالصناعة،
وأقامت منظومات ترجمة ضخمة تنقل أحدث ما ينتجه العالم بصورة سريعة، وشجعت البحث
والابتكار، وأرسلت البعثات العلمية، ثم أعادت توطين المعرفة داخل بيئتها الوطنية.
وكذلك
فيتنام التي تعتمد لغتها الوطنية في التعليم العالي، لكنها في الوقت نفسه تستثمر
بكثافة في الترجمة والبحث العلمي، وتسعى إلى إنتاج المعرفة محليا، مع الحفاظ على
تواصل واسع مع العالم العلمي الخارجي. فالمسألة ليست مجرد لغة، بل قدرة على إنتاج
المعرفة وملاحقتها والمشاركة فيها.
أما
في أجزاء واسعة من العالم العربي، فما زالت الجامعات في كثير من الأحيان تعتمد على
استيراد المعرفة أكثر من إنتاجها، وتعاني من ضعف البحث العلمي، وقلة الإنفاق على
الابتكار، وغياب الترجمة المؤسسية السريعة، وضعف الربط بين الجامعة وسوق الإنتاج
والتقنية. وفي ظل هذا الواقع، فإن إغلاق أبواب التعلم باللغات الأجنبية قد لا يحمي
الهوية كما يتصور البعض، بل ربما يعزل الأجيال الجديدة عن حركة العلم العالمية
المتسارعة.
إن
الدفاع الحقيقي عن العربية لا يكون بمنع اللغات الأخرى، وإنما بتحويل العربية
نفسها إلى لغة قادرة على استيعاب المعرفة الحديثة وإنتاجها. وهذا يحتاج إلى مشروع
حضاري شامل، يبدأ من إصلاح التعليم، ويمر عبر دعم الباحثين والمترجمين والمبتكرين،
وينتهي ببناء بيئة علمية تنافس العالم لا تنغلق عنه.
فاللغة
ليست مجرد شعار نرفعه، بل أداة ضمن منظومة حضارية كاملة. وعندما تغيب المنظومة،
تصبح المعركة حول اللغة أحيانا معركة رمزية أكثر منها مشروعا حقيقيا للنهضة.
إن
الأمم القوية لا تخاف من تعلم لغات العالم، لأنها تمتلك الثقة بقدرتها على التفاعل
والتأثير والإنتاج. أما الأمم الضعيفة فتظن أحيانا أن العزلة اللغوية يمكن أن تعوض
غياب المشروع العلمي، بينما الحقيقة أن النهضة لا تُبنى بالانغلاق، بل بالمعرفة،
والانفتاح، والعمل، والإبداع.
وبناء
على ما سبق، فإن تحويل العربية إلى لغة تعليم وبحث علمي ناجحة ليس مستحيلا، لكنه
يحتاج إلى رؤية واسعة، لا إلى قرارات متعجلة. ويمكن تلخيص أهم الخطوات العملية اللازمة
لنجاح هذا التحول في النقاط التالية:
1.
بناء مشروع وطني للعلم والمعرفة؛ فنجاح التعليم بالعربية لا يبدأ من تغيير لغة
المحاضرة، بل من وجود رؤية وطنية تجعل البحث العلمي والابتكار والإنتاج المعرفي
أولوية استراتيجية للدولة والمجتمع.
2.
إنشاء مؤسسات ترجمة احترافية وسريعة؛ بحيث يتم نقل أحدث الكتب والأبحاث والدوريات
العلمية العالمية إلى العربية بصورة مستمرة ومنهجية، حتى لا ينفصل الطالب والباحث
العربي عن حركة المعرفة العالمية المتسارعة.
3.
دعم الباحثين والمبدعين والجامعات؛ عبر تمويل البحث العلمي، وتحفيز الابتكار، وربط
الجامعات بالصناعة والتقنية وسوق العمل، لأن اللغة وحدها لا تنتج معرفة ما لم توجد
بيئة علمية حقيقية.
4.
الانفتاح على اللغات الأجنبية لا محاربتها؛ فتعلم الإنجليزية أو غيرها يجب أن
يُنظر إليه كأداة للتواصل مع العالم واكتساب المعرفة، لا كتهديد للهوية. والأمم
القوية تجمع بين الاعتزاز بلغتها والقدرة على فهم لغات الآخرين.
5.
التدرج الذكي في التعريب؛ فبعض التخصصات الإنسانية قد يكون تعريبها أسهل وأسرع،
بينما تحتاج العلوم الطبية والهندسية والتقنية إلى مراحل انتقالية مدروسة، حتى لا
تتضرر جودة التعليم أو فرص الخريجين العلمية والمهنية.
6.
صناعة بيئة ثقافية تحترم العربية وتنتج بها؛ وذلك عبر تشجيع النشر العلمي
بالعربية، وإطلاق المجلات المحكمة، ودعم المحتوى الرقمي والمعرفي العربي، حتى
تتحول العربية من مجرد لغة تراث وهوية إلى لغة إنتاج معرفي حي ومتجدد.
إن
النهضة اللغوية الحقيقية لا تتحقق بإغلاق النوافذ على العالم، بل ببناء القدرة على
استيعاب المعرفة العالمية ثم إعادة إنتاجها بلغتنا وثقافتنا وروحنا الحضارية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.