تعثر النهضة العربية.. حديث عن الترابي والبشير وجبهة الإنقاذ في السودان (10)

مما زاد الطين بلة في السودان صراع الترابي مع تلميذيه "عمر البشير وعلي عثمان طه فانتهى هذا التعثر وظهرت آثاره على السودان كله..
مما زاد الطين بلة في السودان صراع الترابي مع تلميذيه "عمر البشير وعلي عثمان طه فانتهى هذا التعثر وظهرت آثاره على السودان كله..
شارك الخبر
يعد حسن الترابي (1932 ـ 2016) من أبرز الكتاب والمفكرين الإسلاميين الذين عملوا في حقل الدعوة الإسلامية، وأثروا فيها توجيها وسياسة، لأنه استطاع أن يقود أكبر تجربة حكم قامت في العالم العربي وهي تجربة قيام الدولة الإسلامية في السودان، وسأحاول في هذه الدراسة أن أدرس الترابي كمفكر وقائد سياسي، ثم سأتعرض لتجربته في حكم السودان مع عمر البشير وأعطي بعض التقويمات والخلاصات عن المجالين اللذين خاضهما حسن الترابي، وهما: مجال الفكر والسياسة.

لقد نشأ الترابي في أسرة متدينة، فكان أبوه قاضياً شرعياً، درس القانون في جامعة الخرطوم، ثم أتم دراسته العليا في باريس ولندن، وبدأ نشاطه الحزبي مع دعوة "الإخوان المسلمين"، لكنه خرج منها، وأنشأ عملاً خاصاً به، ثم جاءت مرحلة تعاون فيها مع جعفر النميري عام 1977، وقد حدث جدل كبير حول هذه الخطوة من الترابي، واعتبر بعضهم مشاركة الترابي في سلطة النميري تنازلاً، في حين اعتبرها بعض أنصاره واقعية سياسية.

لم يلعب حسن الترابي دوراً سياسياً فحسب، ولكنه قدم نفسه للعمل الإسلامي على أنه مفكر إسلامي يريد أن يجدد الدين الإسلامي وخرج باجتهادات في مختلف المجالات، ومما يؤكد الحقيقة السابقة طرحه لكتاب "تجديد أصول الفقه" ودعا إلى تجديد فهم السنة والتعامل معها، كما طرح محاضرة بعنوان "تجديد الفكر الديني" بتاريخ 22-4-2006 م، وقد رافق ذلك اجتهادات متعددة في مختلف المجالات الشرعية
ولم يلعب حسن الترابي دوراً سياسياً فحسب، ولكنه قدم نفسه للعمل الإسلامي على أنه مفكر إسلامي يريد أن يجدد الدين الإسلامي وخرج باجتهادات في مختلف المجالات، ومما يؤكد الحقيقة السابقة طرحه لكتاب "تجديد أصول الفقه" ودعا إلى تجديد فهم السنة والتعامل معها، كما طرح محاضرة بعنوان "تجديد الفكر الديني" بتاريخ 22-4-2006 م، وقد رافق ذلك اجتهادات متعددة في مختلف المجالات الشرعية، سنتعرف على بعضها في السطور القادمة.

وانتقد الترابي في كتاب "تجديد أصول الفقه الإسلامي" الجمود التقليدي الذي ارتبط بالتقليد المذهبي، وأعطى الترابي أهمية كبيرة لمقاصد الشريعة معتبراً أن فهم الغايات الكبرى للإسلام أهم من التوقف عند ظواهر النصوص الجزئية، ودعا إلى مراعاة المصلحة العامة، ودعا إلى إعادة قراءة بعض الأدلة الأصولية مثل: الإجماع، القياس، الاستحسان، العرف، المصلحة المرسلة، وركز الترابي في هذا الكتاب على بناء خلفية سياسية واضحة، لأنه كان يريد بناء فقه سياسي يسمح بقيام "الدولة الإسلامية الحديثة" وأمتاز الكتاب بالنزعة المقاصدية الواضحة.

ومن الواضح أن الترابي في هذا الكتاب طرح شعارات عامة حول التجديد دون تقديم بديل أصولي متكامل ومفصل، وهو في هذا يقلل من قيمة البناء الأصولي الذي بناه علماء كبار مثل الشافعي والجويني والغزالي والشاطبي، وهو يمنح المصلحة دوراً واسعاً أدى إلى تجاوز ظاهر النصوص الشرعية.

ويمكن أن نعتبر أن كتاب "تجديد أصول الفقه الإسلامي" للترابي لم يقدم تطوراً حقيقياً في أصول الفقه بل أثار تساؤلات أكثر مما أعطى أجوبة.

وقد كان موقف الترابي من الحديث النبوي والسنة المشرفة جزءاً من مشروعه التجديدي، لذلك دعا إلى أن يكون فهم السنة مقاصدياً وتاريخياً مرتبطاً بواقع النص وسياقه، وكان يأخذ على علم الحديث أنه ركز على سند الحديث، ولم يركز على المضمون، وفرق الترابي بين السنة التشريعية والسنة غير التشريعية، وتوسع في اعتبار كثير من أفعال الرسول ﷺ بأنها غير تشريعية، وأخرجها بذلك من سنن الرسول ﷺ المتعارف عليها، وقد تحفظ نحو "حديث الآحاد" ولم يأخذ به في مجال العقائد، وكان يؤوله إذا تعارض مع العقل، أو المقاصد الكلية، وبخاصة فيما يتعلق بالمرأة فأول أحاديث القوامة والطاعة، وناقش قضية شهادة المرأة، وأباح إمامة المرأة في الصلاة، لذلك فإن الترابي غلّب المقاصد والعقل عند النظر إلى النصوص الحديثية، وتأثر بالاتجاهات الحديثة في قراءة أحاديث الرسول ﷺ، وبهذا فتح الباب لتأويلات غير منضبطة في التعامل مع أحاديث الرسول ﷺ.

وقد انتهى الحال به إلى أن يعلن: "أنه ليس سنياً ولا شيعياُ بل مسلماً" وكان هذا الموقف منه في منتهى التطرف وهو بهذا الكلام يشطب كل التراث الحديثي الذي قام به العلماء على مدار التاريخ، لأنك لا تستطيع ان تفهم كثيراً من أمور الدين التي طرحها القرآن الكريم، ولا تستطيع أن تطبق كثيراً من الأحكام التي جاء بها الإسلام دون ان ترجع إلى أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته كما جمعها علماء الحديث والسنة.

والآن بعد أن عرضنا جانباً من اجتهاداته الفكرية والشرعية في مجالي علم الأصول والسنة ننتقل إلى تجربته السياسية مع عمر البشير لأنها أطول وأغنى تجربة عاشها الترابي.

قاد عمر البشير انقلاباً في السودان عام 1989م، لكن القائد الحقيقي لهذا الانقلاب هو حسن الترابي، وهو الذي كان يقود الانقلاب -منذ البداية- من وراء ستار، لكن ظهرت قيادته للانقلاب إلى العلن بعد فترة بسيطة.

ثم أصبح عمر البشير رئيساً للدولة في السودان وأصبح حسن الترابي رئيساً للبرلمان، لكن في عام 1998 قدم عدد من قيادات الحركة الإسلامية وكان عددهم عشرة مذكرة سميت بـ"مذكرة العشرة" منتقدين هيمنة الترابي على القرار السياسي والتنظيمي وطالبوا بتقليص نفوذه، ثم جاء عام بعد ذلك سمّوه "عام المفاصلة" واستمر الصراع، واتهم كل طرف الطرف الآخر بالرغبة في السيطرة وانتهى الصراع بانقسام الإسلاميين إلى قسمين:

1 ـ حزب المؤتمر الوطني بقيادة عمر البشير.

2 ـ حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي.

وتحدث حسن الترابي في إحدى تصريحاته الصحفية، إلى أن أسباب الاختلاف مع الرئيس عمر البشير ومع نائبه علي عثمان طه "يعود إلى ظمأ السلطة عندهما، فكلما منحا صلاحيات تطلعا إلى المزيد منها"، وفي هذا تزكية لنفسه واتهام لغيره، وهذا الوضع يدفعنا إلى التساؤل: لماذا لا يكون ظمأ السلطة عند الترابي هو الذي أفسد العلاقة معهما؟ وبخاصة إن إشارات وردت من المتتبعين للشأن السوداني ومن أبرزهم محمد أبو القاسم الحاج حمد والذي قال: "إن الترابي كان يحلم بأن يكون رئيساً لجمهورية السودان وأن يكون صادق المهدي شقيق زوجته رئيساً للوزراء"، والآن: لنضع الأمور في صورة أخرى، ولنفترض أن كلام الترابي صحيح وأن لدى تلميذيه: البشير وعلي عثمان طه ظمأ للسلطة، فلماذا لا يعطيهما ذلك طالما أنهما ليس لديهما انحرافات عقدية وشرعية ومنهجية ودينية؟؟ وليدفع المفسدة الأكبر وهي ضياع السودان بمفسدة أصغر وهي تحقيق شهوة السلطة لهما.

أصبح عمر البشير رئيساً للدولة في السودان وأصبح حسن الترابي رئيساً للبرلمان، لكن في عام 1998 قدم عدد من قيادات الحركة الإسلامية وكان عددهم عشرة مذكرة سميت بـ"مذكرة العشرة" منتقدين هيمنة الترابي على القرار السياسي والتنظيمي وطالبوا بتقليص نفوذه، ثم جاء عام بعد ذلك سمّوه "عام المفاصلة" واستمر الصراع، واتهم كل طرف الطرف الآخر بالرغبة في السيطرة وانتهى الصراع بانقسام الإسلاميين إلى قسمين
وهناك خطأ كبير وقع فيه الترابي فهو في إحدى مراحل قيادته للسودان أعطى الجنوبيين حق تقرير الانفصال عن الشمال إن رغبوا في ذلك، وساعد الصراع بين الترابي والبشير متمردي الجنوب على الانفصال عن الشمال، وبهذا خسر السودان أغنى وأخصب قطعة من أرضه وقامت دولة عام 2011 في الجنوب يقودها المتمردون، ونالت استقلالها باعتراف الشمال، وهو ما شكّل خنجراً في الوجود العربي بعد خنجر إسرائيل عام 1948.

الخلاصة:

لقد تعثرت تجربة الترابي فكرياً وسياسياً، أما فكرياً لأنه طرح دعاوي واسعة من مثل تجديد الفكر الديني والأصولي والحديثي دون أن يردف ذلك بعمل علمي رصين ومعمق، لذلك كانت دعاويه في التجديد غامضة ومضطربة واعتمد في بناء الدولة الإسلامية على مقاصد الشريعة بشكل كبير لكي تتماشى مع الدولة الحديثة ذات القيم الغربية، لكنه أفرط في ذلك وحول مقاصد الشريعة من أداة أصولية للمساعدة في استنباط الأحكام إلى أداة لبناء الدين المستحدث وما فاقم الموضوع موقعه المضطرب من الحديث النبوي الشريف حتى انتهى الموقف به إلى أن يعلن أنه "ليس شيعياً ولا سنياً بل مسلماً".

ومما زاد الطين بلة صراعه مع تلميذيه "عمر البشير وعلي عثمان طه فانتهى هذا التعثر وظهرت آثاره على السودان كله، اقتصادياً ودينياً وإسلامياً وسياسياً، وأصبح الحال أسوأ مما كان في كل المجالات قبل أن يصل الترابي إلى الحكم عام 1989م، ثم وقع الانقلاب على عمر البشير عام 2019، وبعد أن أصبح السودان دولتين في عام 2011، ها هو الآن مرشح إلى مزيد من الانقسام، وإلى أن يصبح ثلاث دول وذلك بسبب الصراع القائم بين عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع.
التعليقات (0)