يواصل الكاتب والباحث التونسي عبد العزيز
التميمي في الجزء الثاني من هذه الورقة الموسعة التي أعدها خصيصا لـ
"عربي21"، استعراض مشروع الشيخ راشد الغنوشي الفكري والإصلاحي، من خلال
التوقف عند أبرز أطروحاته النظرية ومسارات تطوره الفكري، ومحاولة فهم التحولات
التي رافقت تجربته داخل الفكر الإسلامي المعاصر.
تولد المشاريع الفكرية الكبرى عادة عند نقطة
التقاء التجربة بالفكرة، وحين يتحول مسار الإنسان الشخصي إلى مختبر حي للأسئلة
الكبرى التي تشغل عصره. فلا المفكر ابن الكتب وحدها، ولا السياسي ابن الوقائع
وحدها، بل هو حصيلة جدل دائم بين المعاناة والوعي، وبين ما يعيشه وما يحاول تفسيره
أو تغييره.
ضمن هذا السياق يمكن قراءة مشروع راشد
الغنوشي باعتباره محاولة متواصلة للإجابة عن أسئلة شغلت العالم العربي والإسلامي
لعقود طويلة: كيف يمكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية؟ وبين الهوية والحداثة؟
وبين الحرية السياسية والانتماء الحضاري؟ وهي الأسئلة التي سعى إلى مقاربتها من
خلال مراجعات فكرية وتجارب سياسية متراكمة امتدت من السجن والمنفى إلى العمل العام
وإدارة الشأن السياسي.
"المرأة بين
القرآن وواقع المسلمين"
لا شك أن كتاب "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين" للمفكر والزعيم
السياسي راشد الغنوشي من أبرز الكتب التي تناولت قضية المرأة داخل الفكر الإسلامي
المعاصر من زاوية إصلاحية مقاصدية، حيث حاول فيه الغنوشي إعادة قراءة وضع المرأة
في الإسلام انطلاقًا من النص القرآني لا من التقاليد التاريخية التي تراكمت عبر
العصور. ويرى الغنوشي أن الأزمة الحقيقية ليست في الإسلام ذاته، بل في الفجوة بين
القيم القرآنية التحررية وبين الممارسة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية
التي أعادت إنتاج أنماط من التهميش والإقصاء للمرأة تحت غطاء ديني أو فقهي.
ومن أهم الأفكار المركزية في الكتاب تأكيد
الغنوشي على أن القرآن أحدث ثورة تاريخية في وضع المرأة مقارنة بالمجتمعات
الجاهلية القديمة، إذ نقلها من وضعية التبعية المطلقة إلى مرتبة الإنسان الكامل
المكلّف والمسؤول. فالمرأة في الرؤية القرآنية شريك للرجل في الاستخلاف والعمران
والتكليف الأخلاقي، وليست كائنًا ثانويًا أو تابعًا له. ولذلك يرفض الغنوشي
التصورات التي تجعل المرأة مجرد أداة للمتعة أو الإنجاب، ويرى أن هذه التصورات
نتجت عن الثقافة الذكورية أكثر مما نتجت عن روح الإسلام.
كما يناقش الكتاب قضية المساواة بين الرجل
والمرأة، ويعتبر أن الأصل في العلاقة بينهما هو التكامل القائم على العدالة لا
الصراع أو الهيمنة. ويؤكد الغنوشي أن كثيرًا من الأحكام التي تبدو تمييزية يجب
فهمها ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي وعوامل تجاوزها المقاصدي، لا باعتبارها
أحكامًا أبدية جامدة. ولذلك فهو يدعو إلى قراءة فقهية متجددة تراعي تغير الواقع
وتطور المجتمعات، مع الحفاظ على الثوابت الأخلاقية الكبرى للإسلام.
ويولي الغنوشي أهمية كبيرة لمسألة التعليم
والثقافة في تحرير المرأة، معتبرًا أن الجهل والأمية والاستبداد السياسي
والاجتماعي هي من أبرز أسباب تراجع وضع المرأة في العالم الإسلامي. فالمرأة، في
نظره، لا يمكن أن تنهض بدورها الحضاري إلا إذا حصلت على حقها الكامل في التعليم
والمعرفة والمشاركة الفكرية. ولهذا ينتقد النظم التقليدية التي حصرت المرأة داخل
أدوار ضيقة ومنعتها من المساهمة في المجال العام.
ويتناول الكتاب أيضًا قضية العمل والمشاركة
الاقتصادية للمرأة، حيث يرفض الغنوشي اختزال دورها في البيت فقط، ويرى أن الإسلام
لم يمنع المرأة من العمل أو الإنتاج أو التملك، بل منحها استقلالًا اقتصاديًا
مبكرًا مقارنة بكثير من الحضارات الأخرى. لكنه في المقابل يؤكد ضرورة تحقيق
التوازن بين الوظيفة الأسرية للرجل والمرأة والدور الاجتماعي، بحيث لا يتحول
النموذج النمطي الحداثوي الغربي إلى شكل جديد من الاستغلال الاقتصادي والجسدي
للمرأة تحت شعار التحرر الزائف.
الغنوشي يربط بين تحرر المرأة وبين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية الفكر، ويرى أن الأنظمة الاستبدادية غالبًا ما تستعمل الدين أو التقاليد لتكريس التبعية والسيطرة. لذلك فإن نهضة المرأة لا يمكن فصلها عن مشروع حضاري أوسع يقوم على الحرية والشورى واحترام الإنسان.
ومن المحاور المهمة في الكتاب نقد الغنوشي
للنموذج الغربي في تعامله مع المرأة. فهو يرى أن الغرب، رغم نجاحه في تحرير المرأة
قانونيًا وسياسيًا، وقع أحيانًا في تحويلها إلى سلعة استهلاكية داخل السوق
والإعلام والثقافة الجماهيرية. ولذلك يحاول الغنوشي تقديم تصور إسلامي بديل يجمع
بين الحرية الأخلاقية والكرامة الإنسانية، دون الوقوع في التطرف المحافظ أو
الانفلات الاستهلاكي.
كما يناقش الغنوشي قضية الحجاب باعتبارها
جزءًا من منظومة أخلاقية وثقافية أشمل، في هندسة الجمال لا مجرد قطعة لباس. ويرى
أن الحجاب في الإسلام مرتبط بمفهوم الحياء والهوية الحضارية، لكنه يرفض تحويله إلى
أداة قسر وإكراه سياسي أو اجتماعي. لذلك يؤكد أن التدين الحقيقي لا يُفرض بالقوة،
وأن قيمة الحجاب تنبع من حرية الاختيار والاقتناع الداخلي لا من الضغوط السلطوية
أو العائلية.
ويتوقف الكتاب عند دور المرأة السياسي
والاجتماعي، حيث يدافع الغنوشي عن حقها في المشاركة السياسية والعمل العام، ويرى
أن التاريخ الإسلامي نفسه عرف نماذج نسائية فاعلة في التعاقد، والعلم، والسياسة
والجهاد. ولذلك يعتبر أن إقصاء المرأة من المجال السياسي لا يستند إلى أساس قرآني
صريح، بل إلى تراكمات تاريخية ارتبطت ببنية المجتمعات التقليدية وهيمنة السلطة
الذكورية.
ومن الأفكار الأساسية كذلك أن إصلاح وضع
المرأة مرتبط بإصلاح شامل للمجتمع والدولة. فالغنوشي يربط بين تحرر المرأة وبين
الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية الفكر، ويرى أن الأنظمة الاستبدادية غالبًا
ما تستعمل الدين أو التقاليد لتكريس التبعية والسيطرة. لذلك فإن نهضة المرأة لا
يمكن فصلها عن مشروع حضاري أوسع يقوم على الحرية والشورى واحترام الإنسان.
وفي المجمل، يعكس كتاب «المرأة بين القرآن
وواقع المسلمين» محاولة راشد الغنوشي لبناء رؤية إسلامية إصلاحية معاصرة لقضية
المرأة، تنطلق من المقاصد القرآنية الكبرى مثل العدالة والكرامة والمساواة
الإنسانية، مع نقد مزدوج لكل من الجمود الفقهي التقليدي والتغريب الحداثوي المنفصل
عن الخصوصية الوطنية والثقافية للمجتمعات الإسلامية. ولذلك يُنظر إلى الكتاب
باعتباره جزءًا من مشروع أوسع عند الغنوشي يسعى إلى التوفيق بين الإسلام
والديمقراطية والحداثة ضمن أفق حضاري متوازن.
"الحريات
العامة في الدولة الإسلامية"
ويجمع المتابعون لمشروع راشد الغنوشي
ومؤلفاته أن كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" من أبرز
المحاولات الفكرية الإسلامية المعاصرة لإعادة بناء العلاقة بين الإسلام
والديمقراطية والحرية السياسية على أسس اجتهادية حديثة. وقد سعى الغنوشي من خلال
هذا الكتاب إلى تفكيك الصورة التقليدية للدولة الإسلامية بوصفها دولة وصاية أو
قهر، مؤكّدًا أنّ الأصل في الإسلام هو الحرية، وأنّ الاستبداد انحراف تاريخي أكثر
منه تعبيرًا عن جوهر الإسلام. وفي هذا السياق طرح جملة من المحاور الفكرية
والسياسية التي أصبحت لاحقًا من ركائز مشروعه الفكري والسياسي داخل حركة النهضة
وخارجها
.
أولى الأفكار المركزية في الكتاب تتمثل في
اعتبار الحرية أصلًا من أصول العقيدة الإسلامية، لا مجرد قيمة سياسية مستوردة من
الغرب. فالغنوشي يرى أنّ الإنسان في التصور القرآني كائن مكرّم ومسؤول، وأنّ
التكليف الديني نفسه يفترض حرية الاختيار والإرادة. لذلك فإنّ الإيمان القائم على
الإكراه يفقد معناه الأخلاقي والروحي. ومن هنا يربط بين التوحيد والتحرر، معتبرًا
أنّ تحرير الإنسان من العبودية لغير الله هو المدخل الحقيقي لتحريره سياسيًا
واجتماعيًا وفكريًا.
كما يركّز الغنوشي على نقد الاستبداد
السياسي الذي عرفه التاريخ الإسلامي، مميزًا بين الإسلام كنصّ وقيم، وبين التجارب
السلطانية التي حكمت باسمه. فهو يعتبر أنّ الكثير من الدول الإسلامية التاريخية
تحولت إلى أنظمة ملكية أو استبدادية عطلت مبدأ الشورى وصادرت حقوق الأمة. ولذلك
يدعو إلى إعادة قراءة التراث السياسي الإسلامي قراءة نقدية، تفصل بين المقدس
والاجتهاد البشري، وتعيد الاعتبار لقيم المشاركة والرقابة الشعبية.
يجمع المتابعون لمشروع راشد الغنوشي ومؤلفاته أن كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" من أبرز المحاولات الفكرية الإسلامية المعاصرة لإعادة بناء العلاقة بين الإسلام والديمقراطية والحرية السياسية على أسس اجتهادية حديثة.
ومن أهم المحاور التي تناولها الكتاب دفاعه
عن مبدأ الشورى بوصفه أساسًا للحكم الديمقراطي الحديث. فالغنوشي لا يتعامل مع
الديمقراطية باعتبارها نقيضًا للإسلام، بل يرى فيها آلية معاصرة لتحقيق مقاصد
الشورى ومنع الاستبداد. لذلك يؤكد أنّ الأمة هي مصدر الشرعية السياسية، وأنّ
الحاكم يستمد سلطته من التعاقد الحر والاختيار الشعبي، لا من التفويض الإلهي أو
العصبية العنصرية أو قوة الاكراه العسكرية.
ويتناول الكتاب أيضًا قضية التعددية
السياسية والفكرية، حيث يدافع الغنوشي عن حق الأحزاب والتيارات المختلفة في العمل
السياسي العلني، بما في ذلك التيارات غير الإسلامية. ويرى أنّ المجتمع الإسلامي لا
يمكن أن يُدار بمنطق الحزب الواحد أو الجماعة المحتكرة للحقيقة، لأنّ الاختلاف سنة
إنسانية وقرآنية. ولذلك يربط بين الحرية السياسية وبين التداول السلمي على السلطة
واحترام إرادة الناخبين.
أما في مجال الحريات الفردية، فإنّ الغنوشي
يحاول تقديم قراءة مقاصدية للنصوص الشرعية، توازن بين هوية المجتمع وحقوق الأفراد.
فهو يدافع عن حرية التعبير والنقد والمعارضة السياسية، ويرى أنّ الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر في العصر الحديث يتجسد أيضًا في حرية الصحافة والمجتمع المدني
والرقابة الشعبية على السلطة. كما يؤكد أنّ تكميم الأفواه ومصادرة
الرأي يتعارضان
مع روح الإسلام ومقاصده.
وفيما يتعلق بحرية الاعتقاد، يقدّم الغنوشي
معالجة اجتهادية لافتة، إذ يؤكد أنّ الإسلام أقرّ مبدأ "لا إكراه في الدين"،
وأنّ الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو التعايش والاعتراف المتبادل. لذلك يرفض
إقامة مشروع الدولة على أساس الإكراه العقدي أو التمييز القهري، ويدعو إلى دولة
تحفظ حقوق المواطنة لجميع مواطنيها مهما كانت أديانهم أو انتماءاتهم الفكرية.
ويتطرق الغنوشي كذلك إلى العلاقة بين الدولة
والمجتمع المدني، مؤكدًا أنّ الدولة في الإسلام ليست جهازًا شموليًا يبتلع
المجتمع، بل إطار تنظيمي يفسح المجال للمبادرات الحرة، والمؤسسات الوسيطة،
والنقابات، والجمعيات. ولذلك يدعو إلى الفصل بين السلطات والتساوي في شرعيتها
والحد من هيمنة وتغول السلطة التنفيذية، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية مؤسسات
المجتمع باعتبارها ضمانة أساسية ضد عودة الاستبداد.
وفي البعد الحضاري، يحاول الغنوشي تجاوز
الثنائية التقليدية بين الإسلام والغرب، معتبرًا أنّ قيم الحرية وحقوق الإنسان
ليست ملكًا لحضارة واحدة، بل هي ثمرة تطور إنساني مشترك. لذلك يدعو إلى الاستفادة
من التجارب الديمقراطية الحديثة والخبرات العلمية والتعليمية والثقافية دون عقدة
نقص أو تبعية ثقافية، مع إعادة انتاج تلك القيم ضمن المرجعية الإسلامية والمقاصدية.
وفي المجمل، يعكس كتاب "الحريات العامة
في الدولة الإسلامية" محاولة فكرية لإعادة بناء النظرية السياسية الإسلامية
على أساس الحرية والديمقراطية والتعددية، بدل منطق الدولة السلطانية أو الحاكمية
المغلقة. وقد مثّل هذا الكتاب أحد أهم النصوص المؤسسة لما عُرف لاحقًا بتيار
الإسلام الديمقراطي، الذي سعى إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومبادئ الدولة
المدنية الحديثة، مع الاحتفاظ بالهوية الثقافية والحضارية للمجتمع المسلم.
الإسلام المتردد نقد التجربة
يُعدّ كتاب حمادي الرديسي "الإسلام
المتردد: الثورات وإسلام ما بعد الاستبداد" من الكتب التي حاولت قراءة
التحولات الفكرية والسياسية التي عاشتها الحركات الإسلامية بعد الثورات العربية،
وخاصة بعد ثورة تونس 2011.
ينطلق الرديسي من فرضية مركزية مفادها أن
الإسلام السياسي دخل مرحلة ارتباك تاريخي بين مرجعيته الدعوية القديمة ومتطلبات
الدولة الحديثة والديمقراطية التعددية. ويرى أن الحركات الإسلامية، وعلى رأسها
حركة النهضة، وجدت نفسها أمام امتحان الانتقال من خطاب المعارضة الأخلاقية إلى
منطق الحكم وإدارة الدولة، وهو انتقال كشف تناقضات عميقة بين المثال النظري
والممارسة السياسية الواقعية.
يركز الرديسي على فكرة "الإسلام
المتردد" باعتبارها حالة فكرية وسياسية يعيشها الإسلاميون بين القبول
بالديمقراطية والخوف من نتائجها الفلسفية والثقافية. فهو يرى أن جزءًا مهمًا من
الحركات الإسلامية قبل بالديمقراطية كآلية انتخابية وتداول سلمي للسلطة، لكنه ظل
مترددًا تجاه الأسس الفكرية العميقة للحداثة السياسية مثل الحرية الفردية،
والسيادة الشعبية الكاملة، والمساواة الجندرية، وعلمنة المجال العام. ومن هنا
يعتبر أن التحول الديمقراطي لدى الإسلاميين بقي جزئيًا وبراغماتيًا أكثر منه
تحولًا معرفيًا جذريًا.
ومن أهم محاور الكتاب تحليل تجربة حركة
النهضة بعد الثورة التونسية، حيث يقدّم الرديسي الحركة بوصفها النموذج الأكثر
تطورًا بين الحركات الإسلامية العربية من حيث المرونة السياسية والقدرة على
التكيف. لكنه في الوقت نفسه يرى أن هذا التكيف جاء نتيجة ضغوط الواقع أكثر من كونه
نابعًا من مراجعات فكرية مكتملة. لذلك يفسّر انتقال النهضة من شعار "الإسلام
هو الحل" إلى خطاب "الديمقراطية المسلمة" أو "الإسلام
الديمقراطي" باعتباره محاولة لإعادة التموضع داخل النظام الدولي والوطني
الجديد بعد سقوط الاستبداد.
كما يناقش الكتاب العلاقة المعقدة بين الدين
والدولة في مرحلة ما بعد الثورات. فالرديسي يرى أن الثورات العربية لم تُنتج فقط
صراعًا على السلطة، بل كشفت أيضًا أزمة عميقة في تصور الدولة الحديثة داخل المخيال
الإسلامي. لذلك ينتقد استمرار الغموض في مفهوم "الدولة المدنية ذات المرجعية
الإسلامية"، معتبرًا أن هذا المفهوم بقي فضفاضًا وغير محسوم نظريًا، وأن
الإسلاميين لم ينجحوا بالكامل في بناء نظرية سياسية حديثة تفصل بوضوح بين المجال
الديني والمجال السياسي.
ويتوقف المؤلف أيضًا عند صعود التيارات
السلفية والجهادية بعد الثورات، معتبراً أن انهيار القبضة الأمنية كشف عن وجود
تيارات أكثر راديكالية من الإسلام السياسي التقليدي. ويرى أن الحركات الإسلامية
الإصلاحية وجدت نفسها بين ضغط الدولة العميقة وضغط السلفيات التي اتهمتها بالتفريط
في الشريعة. ومن هنا يفسر الرديسي حالة الارتباك التي عاشتها الحركات الإسلامية
بعد 2011، حيث أصبحت مطالبة في الآن نفسه بإقناع الغرب بمدنيتها، وإقناع قواعدها
الإسلامية بعدم تخليها عن الهوية والشريعة.
ويختم الرديسي أطروحته بفكرة أن مستقبل
الإسلام السياسي مرتبط بقدرته على إنجاز "ثورة فكرية داخلية" تقطع مع
منطق الجماعة العقائدية المغلقة، وتنتقل إلى فضاء الأحزاب المدنية الحديثة. وهو
يعتبر أن مرحلة "إسلام ما بعد الاستبداد" تفرض إعادة تعريف العلاقة بين
الدين والسياسة، وبين الدعوي والحزبي، وبين الهوية الوطنية والانتماء الأيديولوجي.
لذلك يبدو الكتاب محاولة لفهم ما إذا كانت الحركات الإسلامية قادرة على التحول إلى
فاعل ديمقراطي دائم، أم أنها ستظل أسيرة التردد بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة
الحديثة.
قراءة أيديولوجية
وفي الواقع غنه من وجهة موضوعية، يمكن توجيه
نقد أساسي لكتاب الإسلام المتردد يتمثل في أنه يقرأ تجربة الإسلاميين من زاوية
فلسفية ذاتانية وميتافيزيقية غربية مجانبة للواقع تجعل التصور النمطي للمركزية
الأوروبية والفكر الماركسي معيارًا غير محايد للحكم على تطور الحركات الإسلامية.
رغم ان الحداثة الغربية تعيش ترددا وارتباكا بين منجزها التاريخي والإنساني وبين
ما تشهده من أخطر مازقها التي شرعت للشوفينية والابادة والحروب والكيل بمكيالين في
ضمان حقوق الانسان والتراجع عن دعم التطور الديمقراطي ونشر الثقافة الديمقراطية في
المجتمعات، والتراجع في جانب منها عن تعميم القيم الكونية الموحدة للبشرية. اذ
يتجاهل الكتاب الخصوصية الحضارية للمجتمعات العربية الإسلامية، وأن الجمع بين
الإسلام والديمقراطية ليس "ترددًا" بل محاولة لإنتاج نموذج حضاري جديد
يزاوج بين قيم الإسلام والحرية والديمقراطية ويدافع عن مكتسبات الحداثة الإنسانية
والكونية دون استنساخ نمطي للنموذج الغربي بالكامل، ومالاته النيوليبرالية
والامبريالية.
كما يمكن نقد ما ادعاه كتاب التردد من
اختزال تحولات حركة النهضة في البراغماتية السياسية فقط، لأن ذلك ـ من وجهة نظر
مجردة ـ يتجاهل مسارًا طويلًا من المراجعات الفكرية بدأ منذ الثمانينات والتسعينات
حول الديمقراطية والحريات والتعددية وحقوق المرأة مثل مسارا متصاعدا ومتواصلا من
الثورة الفكرية الداخلية. فالغنوشي مثلا يعتبر أن تطور النهضة لم يكن مجرد استجابة
ظرفية لضغوط الواقع، بل نتاج اجتهاد فكري داخلي عمل على الملاءمة الحيوية بين
مقاصد الإسلام والدولة المدنية الحديثة.
يكشف المسار السياسي الطويل الذي امتد من مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 إلى اعتقال الغنوشي ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 2023 عن استمرارية عميقة في التاريخ التونسي بين معركة التحرر الوطني ومعركة الحرية والديمقراطية.
ويرفض المشروع الفكري لراشد الغنوشي أيضًا
أطروحة الرديسي حول ضرورة الفصل الصارم بين الدين والسياسة، بل أعلن عن الفصل
المنهجي والتخصصي بين المجالين الدعوي والسياسي، لأن الغنوشي يرى أن الدين في
المجتمعات الإسلامية ليس مجرد شأن فردي خاص، بل هو عنصر مؤسس للهوية الوطنية
والقيم العامة المكونة للنسيج الاجتماعي. لذلك سيكون المطلوب ليس إقصاء الدين من
المجال العام، بل منع احتكاره وتوظيفه الاستبدادي، مع الحفاظ على حق المجتمع في
التعبير عن مرجعيته الحضارية داخل العملية الديمقراطية.
لقد حاول مشروع راشد الغنوشي، كما تكشفه
تجربته الفكرية والسياسية والسجنية، أن يعيد بناء العلاقة بين الإسلام والحرية
والدولة الحديثة خارج ثنائية الاستبداد والتغريب. فالغنوشي لم يقدّم الإسلام بوصفه
أداة هيمنة لاهوتية أو خطابًا هوياتيًا مغلقًا، بل باعتباره أفقًا حضاريًا مفتوحًا
على الديمقراطية والتعددية والكرامة الإنسانية. ومن هنا جاءت محاولته الدؤوبة
للتوفيق بين المرجعية الإسلامية وقيم الحداثة السياسية، عبر مفاهيم الشورى،
والمواطنة، والحريات العامة، والدولة المدنية، والتداول السلمي على السلطة. لقد
كان مشروعه في جوهره محاولة لتحرير الدين من الاستبداد السياسي، وتحرير السياسة من
التقديس المغلق.
مسار الحرية والتحرير وليل الاستغلال
والاستبداد
يكشف المسار السياسي الطويل الذي امتد من
مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 إلى اعتقال الغنوشي ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة
2023 عن استمرارية عميقة في التاريخ التونسي بين معركة التحرر الوطني ومعركة
الحرية والديمقراطية. ففي الحالتين يظهر الصراع نفسه بين إرادة شعبية تسعى إلى
تقرير المصير وبين سلطات تخشى انبعاث الإرادة الحرة للمجتمع. ولذلك فإن رمزية
“ليلة القدر” لم تعد مجرد حدث تاريخي في الذاكرة الوطنية، بل تحولت إلى استعارة
كبرى للصراع التونسي الطويل ضد الاستعمار والاستبداد معًا، وضد كل محاولة لمصادرة
حق التونسيين في الحرية والكرامة الوطنية والديمقراطية.
لقد مثّل راشد الغنوشي، سواء اتُّفق معه أو
اختُلِف حوله، أحد أبرز الفاعلين الذين نقلوا الإسلام السياسي العربي من منطق
الجماعة المغلقة إلى أفق الإسلام الديمقراطي، ومن خطاب الهوية المجردة إلى أسئلة
الدولة، والحرية، والتنمية، والتعددية. ولذلك فإن القيمة التاريخية لتجربته لا
تكمن فقط في نجاحاتها أو إخفاقاتها السياسية الظرفية، بل في كونها فتحت داخل
المجال العربي والإسلامي نقاشًا عميقًا حول إمكانية بناء مشروع حضاري يزاوج بين
الإسلام والديمقراطية دون ارتهان للاستبداد المحلي أو التبعية الخارجية.
إن المستقبل الحقيقي لتونس والعالم العربي
لن يُحسم عبر عودة السلطويات الأمنية أو عبر إعادة إنتاج الانقسامات الإيديولوجية
القديمة، بل عبر قدرة المجتمعات على بناء عقد تاريخي جديد يدمج الحرية بالعدالة
الاجتماعية، والهوية الوطنية بالديمقراطية، والتنمية بالسيادة الحضارية. وفي هذا
السياق، فإن تجربة راشد الغنوشي ـ بما لها وما عليها ـ ستظل جزءًا من المخاض
التاريخي الطويل الذي تعيشه المنطقة في انتقالها من زمن الدولة التسلطية إلى أفق
الدولة المجتمعية الديمقراطية.
فالأفكار التي تربط الإسلام بالحرية، والدين
بالديمقراطية، والهوية بالتعددية، لن تختفي باعتقال الأشخاص أو إغلاق الفضاءات
السياسية، لأن التحولات الكبرى تُصنع داخل البنى العميقة للمجتمعات لا داخل
السجون. ولذلك قد يكون السؤال المركزي في العقود القادمة ليس: هل سينتهي الإسلام
الديمقراطي؟ بل: كيف ستعيد المجتمعات العربية إنتاجه ضمن صيغ أكثر نضجًا وقدرة على
الجمع بين الاستقرار السياسي والكرامة الإنسانية والسيادة الوطنية في عالم يتغير
بسرعة؟
إقرأ أيضا: راشد الغنوشي وسؤال الحرية المؤجل.. حين تضيق الدولة بأبنائها