راشد الغنوشي وسؤال الحرية المؤجل.. حين تضيق الدولة بأبنائها

الغنوشي يرى أن مشاريع التغريب القسري التي عرفها العالم العربي أدت إلى انفصال النخب عن شعوبها، وخلقت ازدواجية ثقافية بين الدولة والمجتمع.
الغنوشي يرى أن مشاريع التغريب القسري التي عرفها العالم العربي أدت إلى انفصال النخب عن شعوبها، وخلقت ازدواجية ثقافية بين الدولة والمجتمع.
شارك الخبر
ليست قيمة السجن في التاريخ السياسي كامنة في جدرانه الحديدية أو في قسوته المادية، بل في الدلالة التي يكتسبها حين يتحول إلى مرآة تكشف أزمة السلطة وعلاقتها بالمجتمع. فكثيرا ما كانت السجون في تجارب الأمم فضاءً لإدانة الدولة أكثر مما كانت فضاءً لإدانة السجناء؛ إذ تتحول لحظة تقييد الجسد إلى لحظة انكشاف للمخيال السياسي الذي يحكم السلطة، ولمدى قدرتها على التعايش مع الاختلاف وحق المجتمع في التعبير عن إرادته الحرة.

ومن هذه الزاوية لا يبدو اعتقال الشيخ راشد الغنوشي حدثا معزولا يتعلق بشخص أو حزب أو تجربة سياسية بعينها، بقدر ما يطرح سؤالا أعمق يتعلق بمصير الدولة الوطنية العربية نفسها: هل تحولت من إطار لتحرير الإنسان وصيانة كرامته إلى جهاز لإدارة الخوف وإعادة إنتاج السيطرة؟ وهل أصبحت السلطة في لحظات أزمتها تنظر إلى الحرية باعتبارها تهديدا وجوديا لا حقا طبيعيا؟ هنا يغدو الحديث عن رجل وراء القضبان مدخلا للحديث عن وطن يبحث عن معنى الحرية، وعن دولة ما تزال تخوض معاركها مع المجتمع بدل أن تخوضها من أجله.

هذا هو الجزء الأول من ورقة موسعة أعدّها وكتبها خصيصا لـ "عربي21"، الكاتب والباحث التونسي عبد العزيز التميمي حول مشروع الشيخ راشد الغنوشي الفكري والإصلاحي، في محاولة لقراءة بعض محطاته الفكرية والسياسية والإنسانية ضمن سياق التحولات الكبرى التي عرفتها تونس والعالم العربي.


مقدمات أولية

أكتب هذا المقال الدراسي حول  مشروع الشيخ راشد الغنوشي والشيخ راشد الغنوشي وراء القضبان، وهي سجون خبر ظلماتها وظلامية مبتدعيها الذين تهافتوا على إعدام صوته من أجل تصفية الإرادة العامة للشعب التونسي والحيلولة دون تقدمه وتطوره وتقرير مصيره بيده في تصور ميتافيزيقي واهم بأن الإرادة الحرة يمكن كبتها وأن الشغل والحرية والكرامة الوطنية يمكن تصفيتها وأن النجمة والهلال في راية تونس الشاهدة والشهيدة وفي أعالي الهمم والجبال يمكن الإجهاز عليها أو اغتيالها.

لكن الشيخ راشد الغنوشي له وشائج من الحب والتقدير تسكن قلوب التونسيين الأوفياء  لوحدة  الشعب والوطن، والأوفياء لدماء شهداء حركة التحرير الوطني وشهداء الثورة والكفاح المرير للحركة الديمقراطية التي كانت حركة "النهضة" وشهداؤها مكونا رئيسيا من مكوناتها.

 هل تجوز المقارنة؟

شكّل مؤتمر ليلة القدر في تونس لحظة فارقة في التشكل السياسي للكفاح الوطني التحريري إثر الحرب العالمية الثانية. عقدت الأعمال التحضيرية لمؤتمر ليلة في 23 آب / أغسطس 1946 بجامع الزيتونة ومحيطه في العاصمة، فيما عقدت الجلسة السياسية للمؤتمر سرًّا في منزل المناضل محمد بن جراد بحيّ "ترنجة" بنهج الملاحة في العاصمة تونس. وتوفرت الظروف الملائمة لعقد المؤتمر بعد تأسيس الجبهة الوطنية سنة 1945 وقيام الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة فرحات حشاد بخلق مناخ وحدوي جديد داخل الحركة الوطنية التونسية.

ومثل المؤتمر محطة وطنية مفصلية في تاريخ الحركة التحررية التونسية، رغم أنّ التحضيرات الفكرية والسياسية له بدأت منذ سنة 1945 في سياق نهاية الحرب العالمية الثانية وتنامي الآمال لدى الشعوب المستعمَرة في تقرير مصيرها. وقد سُمّي المؤتمر بـ "ليلة القدر" لأنّه انعقد في السابع والعشرين من رمضان، في توظيف رمزي يجمع بين البعد الديني والوطني. كان الهدف المركزي للمؤتمر هو توحيد القوى الوطنية التونسية حول مطلب الاستقلال التام، بعد أن كانت بعض الأطراف ما تزال تراهن على الإصلاحات أو الحكم الذاتي تحت الحماية الفرنسية. كما سعى المؤتمر إلى تجاوز الانقسامات بين الدستوريين القدامى والجدد، والنقابيين والزيتونيين، وإعطاء القضية التونسية بعدًا شعبيًا جماهيريًا أكثر وضوحًا.

يناقش الغنوشي تجربة الحركة الإسلامية مع الجامعة والنقابات والطبقة الوسطى. فهو يعتبر أن انتشار الحركة في السبعينات والثمانينات لم يكن نتيجة العمل الدعوي فقط، بل جاء أيضًا بسبب الفراغ الأيديولوجي والحاجة الاجتماعية الملحة لإرواء العطش الروحي والأنطولوجي بعد أن تضرر من تراجع المشروع القومي واليساري إثر هزيمة 1967 وفشل التجارب الاشتراكية العربية. ولذلك استطاعت الحركة الإسلامية أن تستقطب شرائح واسعة من الشباب المتعلم الباحث عن معنى روحي وهوية حضارية متجددة.
شارك في المؤتمر طيف واسع من القوى الوطنية والاجتماعية والدينية، مكون من 300 شخصية وطنية منهم صالح بن يوسف، محمد الفاضل بن عاشور، صالح فرحات، علي البلهوان، المنجي سليم، فتحي زهير، الهادي نويرة، الباهي الأدغم، سليمان بن سليمان، الطيب العنابي، وعبد العزيز الثعالبي كرمز تاريخي للوطنية التونسية، إلى جانب فرحات حشاد الذي كانت الحركة النقابية بقيادته مكونا رئيسيا في المشروع الوطني التحرري. وهو ما جعله من أوسع الاجتماعات الوطنية الجامعة في تلك المرحلة. فقد حضرته شخصيات زيتونية ونقابية ومستقلة، إضافة إلى حضور قوي للطلبة والعلماء وشيوخ جامع الزيتونة، وقد خرج المؤتمر بلائحة واضحة تطالب بالاستقلال الكامل لتونس، وتكوين حكومة وطنية، وإقرار سيادة الشعب التونسي، وهو ما مثّل تحولًا نوعيًا من خطاب الإصلاح إلى خطاب التحرر الوطني الشامل.

داهمت الشرطة الفرنسية مكان الاجتماع أثناء انعقاد المؤتمر، واعتقلت عشرات المشاركين. وقد جرى نقل عدد منهم إلى المحكمة العسكرية ثم إلى السجن المدني.

الاعتقال المتوحش والاستهتار بليلة القدر ورمضان

ترحل مؤتمر ليلة القدر في الزمن واستقر بين يدي الشيخ راشد الغنوشي رئيس البرلمان الديمقراطي التونسي. ففي ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 2023، وهي لبلة القدر الليلة التي يحييها التونسيون باعتبارها من أكثر الليالي قداسة وروحانية، اقتحمت قوات الأمن منزل راشد الغنوشي بطريقة مفاجئة وعنيفة، في مشهد أثار صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية والدينية. فقد جاء الاعتقال قبيل موعد الإفطار، وتم اقتياده دون مراعاة لحرمة الشهر أو خصوصية ليلة القدر، وهو ما اعتبره أنصاره ومتعاطفون معه سلوكاً يحمل أبعاداً رمزية قاسية تتجاوز البعد الأمني إلى نوع من الاستفزاز للمشاعر الدينية والوجدانية لدى قطاعات واسعة من التونسيين. وقد تداولت شهادات ومواقف سياسية آنذاك أن عملية المداهمة جرت وسط أجواء متوترة اتسمت بالقسوة والصرامة، بما عكس حالة الاحتقان السياسي التي عرفتها البلاد بعد إجراءات 25 جويلية 2021.

ورأى كثير من المنتقدين أن توقيت الاعتقال وطريقته شكّلا رسالة سياسية ذات طابع استعراضي، خاصة وأن العملية تمت في ليلة ترتبط في الوعي الإسلامي بالسكينة والتعبد والتسامح. كما اعتبر البعض أن منع الرجل من استكمال إفطاره أو التعامل معه بما يراعي سنه ومكانته الفكرية والسياسية يعكس تراجعاً في احترام الرموز الوطنية وفي مراعاة القيم الدينية والاجتماعية التي درج عليها المجتمع التونسي. وبدا البعد الرمزي والأخلاقي والاستفزازي لعملية الاعتقال واضحا، في اعتداء على خصوصية الشهر الكريم وحرمة ليلة القدر في المخيال الجمعي التونسي.

ولكن كل شيء يهون من أجل عيون الاستبداد والدكتاتورية الريعية والامبريالية.. وما أشبه الليلة بالبارحة ففي مداهمة الشرطة الاستعمارية الفرنسية لمقر اجتماع مؤتمر ليلة القدر، كانت التهمة هي توحيد التونسيين حول الكفاح التحريري من أجل الاستقلال الوطني وتهمة الغنوشي الذي انتهكت سلامته في بيته المتواضع هي وحدة التونسيين من أجل استرجاع كرامتهم الوطنية وثورتهم الديمقراطية. وقبل الانطلاق في عرض المشروع النظري للشيخ الرئيس راشد الغنوشي لا بد من التوقف عند بعض المحطات المضيئة في مسيرته.

بين الغنوشي والثورة البولشيفية

كنت شابا يافعا في ثانوية مدنين مغرم بالفنون المسرحية والسينمائية التي قادتني إلى تلمس طريقي نحو الاطلاع على الأدبيات الماركسية اللينينية والتشبع بأفلام المخرج السوفييتي الكبير" سرغاي إيزنشتاين ومنها قيلم "المدمرة بوتمكين عن ثورة 1905 الروسية وفيلم أكتوبر عن الثورة البولشيقية 1917 والذي اقتبس قصتها عن فصول من كتاب جون ريد "10 أيام هزت العالم" إضافة إلى فيلم إيفان الرهيب. في هذا المنعرج العظيم ألى أين ستكون وجهتي؟ ومشيناها أياما وأقدارا كتبتنا ونكتبها.

أنى لي وأنا أتلمس طريقي في سبل تختلط فيها المعرفة بالثقافة والأيديولوجيا أن ألتقي شخصا أسمع به من بعيد قيل أنه يدعو إلى تصور لإسلام يناهض الجمود الفكري والركود الديني.

 كنت مدعوا في يوم صائف من أيام يوليو / تموز 1976 إلى مخيم للشباب في جربة. فالتقيت بشاب اسمه راشد الغنوشي في محطة سيارات الأجرة بمدنين قريبا من نزل "ايبيس " اليوم. ببدلة صيفية رمادية وكمين قصيرين وشعر مصفف أسود ولحية طغى سوادها على بياضها. كانت تلك أول رفقة حملتنا إلى شواطئ أجيم جربة حيث التقانا ثلة من الشباب التلمذي والجامعي ومن ذلك المكان انطلقت الرحلة مع الزمان.

مستقبل الحركة الإسلامية

في ندوة عقدت في يوم من أيام سنة 1980 بباب سويقة دار النقاش بين رجل الفكر والقانون عياض بن عاشور والشيخ راشد الغنوشي حول مستقبل الحركة الإسلامية في تونس والوطن العربي، فقال عياض بن عاشور بأن مستقبل الحركات الإسلامية مرهون بموقف الدولة والسلطات المنوطة بعهدتها. فيما قال الشيخ راشد الغنوشي بأن مستقبل الحركات الإسلامية منوط بإرادة الشعوب في التحرر وتقرير المصير. وبقيت الإشكالية معلقة في ذهني ردها من الزمن.

راشد الغنوشي والبرجوازية الكمبرادورية

كان ذلك في خريف 1980 حينما استضافني الشيخ راشد الغنوشي بمعية عدد من رفاقي الطلبة والأخ والصديق صلاح الدين الجورشي على مسامرة مع ضيفه الدكتور عبد الله النفيسي أستاذ العلوم السياسية وذلك في منزل متواضع بباب سويقة.. وانطلقت المسامرة بحديث حول الأوضاع العربية والإسلامية. وتبرم صلاح الدين الجورشي بالحديث وعقب على الدكتور قائلا إنك تستعرض عموميات سياسية والحال أن العالم والمجتمعات تشقها صراعات وموازين قوى وقد فعلت الامبريالية والبرجوازية الكمبرادورية فعلها. فاستوقفه الدكتور مستأذنا الشيخ راشد الذي كان يدير النقاش وسأل الأخ ما معنى كمبرادورية؟ فحاول الأخ أن يقدم تعريفا عموميا للكمبرادورية. فصحح الدكتور له المفهوم المصطلحي وقدم لنا محاضرة عن الكمبرادورية.

وأشار إلى أن البرجوازية الكمبرادورية هي فئة من البرجوازية المحلية ترتبط مصالحها الاقتصادية والسياسية بالخارج أكثر من ارتباطها بالبنية الوطنية المنتجة. وقد ظهر المصطلح بقوة في الأدبيات الماركسية ونظريات التبعية عند مفكرين مثل كارل ماركس وفلاديمير لينين ثم توسّع مع كتابات مفكري التبعية في أمريكا اللاتينية والعالم العربي مثل سمير أمين وأندريه غوندر فرانك. وكلمة "كمبرادور" أصلها برتغالي وكانت تُطلق على الوسطاء المحليين الذين يعملون لحساب الشركات الأجنبية في المستعمرات، ثم أصبحت تدل على طبقة اجتماعية وسيطة تقوم بدور الوكيل الاقتصادي والسياسي للرأسمال العالمي داخل البلدان التابعة.

في التحليل الاقتصادي والسياسي، لا تُعرَّف البرجوازية الكمبرادورية فقط بكونها طبقة ثرية، بل بكونها طبقة غير منتجة في الغالب، تعتمد على الوساطة التجارية والمالية والخدماتية وربط السوق المحلية بالشركات الأجنبية. فهي تستورد أكثر مما تنتج، وتربح من الامتيازات والوكالات والسمسرة والعقود والاحتكارات، ولذلك تكون مصلحتها مرتبطة باستمرار التبعية الاقتصادية للخارج، لا ببناء اقتصاد وطني مستقل. ومن هنا اعتبرها مفكرو اليسار والقوميون العرب أحد أهم معوقات التنمية الصناعية والسيادة الاقتصادية.

وقد لعبت هذه الطبقة أدوارًا متعددة في البلاد العربية منذ الحقبة الاستعمارية. ففي زمن الاستعمار الفرنسي والبريطاني، تكوّنت شرائح من التجار وكبار الملاّك والوسطاء الذين تعاملوا مع الشركات الأجنبية والإدارات الاستعمارية، ثم تحوّل جزء منهم بعد الاستقلال إلى نخب مالية وتجارية مرتبطة بالبنوك العالمية والاستثمارات الأجنبية. ومع التحولات النيوليبرالية منذ السبعينيات والثمانينيات، توسعت هذه الفئة مع سياسات الانفتاح والخصخصة، خاصة بعد تدخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الاقتصادات العربية. فاندهش الحاضرون بعد أن كانوا قد استهانوا بالقيمة العلمية للرجل. واظهروا له الامتنان والتقدير. واضاف الدكتور ناصحا لنا بضرورة توخي الدقة العلمية والمعرفية في فهم البنى الاجتماعية والاقتصادية ووعي تناقضاتها حتى نفقه مسارات التطور والتغيير.

الشيخ راشد والزعيم النقابي الحبيب عاشور

كنا محشورين في سجن الناظور برج الرومي إثر محاكمتنا في سنة 1981 وفي سنة 1983 تقريبا أراد الشيخ راشد الغنوشي أن يبعث رسالة خاصة أإلى الزعيم النقابي الحبيب عاشور بطريقة سرية. ولكن حراس السجن اكتشفوا تلك المراسلة فأصابهم الذعر وقرروا التنكيل به عبر معاقبته بالسجن الانفرادي وحرمانه من الحاجات الأولية. وبقي نصيبه من الرسالة هو السجن الانفرادي والتنكيل المادي والمعنوي.

فلسفة العمل اليومي

فلسفة الغنوشي في العمل اليومي بالسجن آنذاك تختلف عن فلسفة مهدي عامل، فهي تخص إتقان توزيع الصبر والمصابرة على قراءة الورد اليومي من القران الكريم وتكرار المحفوظ منه حتى يترسخ في الذاكرة الحية. التسبيح والصلاة على النبي المختار صلاة النوافل وقيام الليل ما استطاع إليه سبيلا بعد الفرائض التي تصلى جماعة. لعب الكرة الطائرة في وقت الضحى والظهيرة لأن المكان ضيق ولا يسمح بلعب كرة القدم. الالتزام بجلسات المساء حول المباريات الشعرية بين الشيخ ضو صويد والشيخ عبد الفتاح مورو. الحرص على المطالعة الجماعية وحلقات النقاش. الاختلاء لنفسه لكتابة خواطر وملاحظات.

يقوم الشيخ راشد بقراءة ما يصلنا من صحف ومجلات ممنوعة مثل جون أفريك وصحف الرأي والمستقبل لسان حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والطريق الجديد المعارضة لسان الحزب الشيوعي التونسي. وهي صحف يسربها لنا بعض الوطنيين من الحراس بطرق سرية.. 

ممنوع منك يا وطني
ممنوع من الحرية
 ممنوع من الكلام
 ممنوع من الآهات
 وفي كل يوم في حبك تزيد الممنوعات.

على رأي العظيمين أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى. وخلص الشيخ  راشد  إلى تأليف كتابين أولهما حول القضية الوطنية الفلسطينية التي كانت شغلنا الشاغل خلال ترحيل الفلسطينيين من بيروت. أما التأليف الثاني فكان حول الديمقراطية وهو ترجمة لكتيب لمالك بن نبي حول الديمقراطية واشترك الشيخ راشد في ترجمة هذا الكتاب مع الحبيب ريحان المتخصص في التاريخ. وأذكر أننا درسنا كتاب الموافقات للشاطبي والكتاب الجدلي في "سبيل ارتقاء المرأة " لروجيه غارودي.

مشروع الغنوشي.. من تجربة الحركة الإسلامية في تونس

ونخلص الأن الى عرض أربعة من أهم مؤلفات الشيخ راشد الغنوشي المعبرة عن مشروعه الوطني. يُعدّ كتاب "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" لـ راشد الغنوشي من النصوص المرجعية لفهم التحولات الفكرية والسياسية التي عاشتها الحركة الإسلامية التونسية منذ السبعينات. فالكتاب لا يقدّم مجرد سرد تاريخي لمسار حركة الإتجاه الإسلامي ثم حركة النهضة، بل يحاول بناء مراجعة فكرية وتجربة نقدية لواقع الإسلاميين، وعلاقتهم بالدولة، والمجتمع، والحداثة. وقد كتب الغنوشي هذا العمل في سياق كانت فيه الحركة الإسلامية تعيش صدامًا مع السلطة البورقيبية ثم النوفمبرية، الأمر الذي جعل الكتاب يجمع بين البعد الفكري والبعد الدفاعي والتجربة الذاتية.

في الفقرة الأولى من أطروحات الكتاب يبرز اهتمام الغنوشي بإعادة تعريف المشروع الإسلامي بوصفه مشروعًا حضاريًا شاملًا لا يقتصر على الجانب الدعوي أو الأخلاقي فقط. فهو يرى أن الإسلام يتجاوز التصورات الطقوسية الضيقة ليصبح رؤية للعمران والسياسة، والثقافة، والاقتصاد، والاجتماع. ومن هنا حاولت الحركة الإسلامية في تونس أن تقدم نفسها كحركة إصلاح اجتماعي وسياسي تسعى إلى استعادة التوازن بين الهوية الإسلامية ومتطلبات العصر الحديث.

كما يركز الكتاب على خصوصية التجربة التونسية مقارنة ببقية الحركات الإسلامية العربية. فالغنوشي يبين أن البيئة التونسية تميزت بقوة الدولة المركزية وبالتراث الإصلاحي الزيتوني وبالتأثير العميق للمشروع البورقيبي الحداثي. لذلك لم يكن من الممكن ـ في نظره ـ استنساخ تجارب المشرق الإسلامي أو الحركات الثورية الراديكالية، بل كان لا بد من صياغة خطاب يتفاعل مع الواقع التونسي وتعقيداته الثقافية والاجتماعية.

ومن القضايا المركزية التي يناقشها الكتاب علاقة الإسلام بالديمقراطية. إذ حاول الغنوشي أن يبرهن على أن الشورى الإسلامية يمكن أن تتطور تاريخيًا إلى صيغ ديمقراطية حديثة تقوم على التعددية والانتخابات واحترام الإرادة الشعبية. ولهذا اعتبر أن الاستبداد ليس قدرًا إسلاميًا، بل هو انحراف تاريخي ارتبط بتجارب الحكم السلطاني. ومن هنا جاءت دعوته إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية والدولة المدنية والمؤسسات التمثيلية.

ويُظهر الكتاب كذلك اهتمامًا واضحًا بمسألة الحرية باعتبارها أساسًا لأي مشروع نهضوي. فالغنوشي ينتقد الأنظمة العربية التي رفعت شعارات التحديث والتنمية بينما مارست القمع السياسي والإقصاء الثقافي. ويرى أن غياب الحرية أدى إلى تعطيل طاقات المجتمع وإنتاج أزمات هوية عميقة، وهو ما سمح للحركات الإسلامية بأن تتحول إلى فضاءات احتجاج اجتماعي وسياسي ضد الدولة التسلطية.

كما يناقش الغنوشي تجربة الحركة الإسلامية مع الجامعة والنقابات والطبقة الوسطى. فهو يعتبر أن انتشار الحركة في السبعينات والثمانينات لم يكن نتيجة العمل الدعوي فقط، بل جاء أيضًا بسبب الفراغ الأيديولوجي والحاجة الاجتماعية الملحة لإرواء العطش الروحي والأنطولوجي بعد أن تضرر من تراجع المشروع القومي واليساري إثر هزيمة 1967 وفشل التجارب الاشتراكية العربية. ولذلك استطاعت الحركة الإسلامية أن تستقطب شرائح واسعة من الشباب المتعلم الباحث عن معنى روحي وهوية حضارية متجددة.

ومن الجوانب المهمة في الكتاب انتقاده ورفضه للعنف السياسي والتأكيد على أولوية التدرج والإصلاح السلمي. فقد حاول الغنوشي أن يميز تجربة الحركة الإسلامية التونسية عن التنظيمات الراديكالية المسلحة، مؤكدًا أن التغيير الحقيقي لا يتم عبر الصدام الدموي والتخريب الرجعي، بل عبر بناء المجتمع المدني والتراكم الديمقراطي. وهذا التوجه كان جزءًا من محاولة الحركة تقديم نفسها كقوة سياسية إصلاحية لا كتنظيم تمردي منغلق. رغم ما لفقته ضدها المباحث البوليسية الكيدية من عنف وتنظيمات سرية لم تثبتها اية محاكمات عادلة لم يلعب فيها التدمير المنهجي وقضاء التعليمات أدوارا شوفينية وكارثية.

ويتناول الكتاب أيضًا علاقة الإسلاميين بالمرأة والحداثة الاجتماعية. فعلى الرغم من تمسك الغنوشي بالمرجعية الإسلامية، فإنه حاول تطوير خطاب أكثر مرونة تجاه قضايا المرأة والتعليم والعمل العام في تمايز رسالي عن التيارات المحافظة. وقد سعى إلى إبراز إمكانية التعايش بين القيم الإسلامية وبعض مكتسبات الحداثة التونسية، وإن ظل هذا الموضوع محل جدل واسع بين خصومه وأنصاره.

ومن الناحية الفكرية، تأثر الكتاب بعدة مرجعيات؛ منها فكر مالك بن نبي حول القابلية للاستعمار وشروط النهضة، بدلا عن تأثره القديم بأفكار سيد قطب حول المفاصلة والحاكمية، إضافة إلى تأثره ببعض الأدبيات الديمقراطية الغربية وتجارب الحركات الإسلامية المعاصرة. لكن الغنوشي حاول إعادة تركيب هذه المرجعيات ضمن سياق تونسي خاص يوازن بين الهوية الوطنية والانتماء الإسلامي.

وفي المجمل، يمثل كتاب "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" شهادة فكرية وسياسية على مرحلة مهمة من تاريخ تونس الحديث، كما يعكس التحولات التي عاشها الإسلام السياسي من الخطاب الحركي التقليدي إلى محاولة التكيف مع مفاهيم الديمقراطية والتعددية والدولة المدنية. لذلك يبقى الكتاب وثيقة أساسية لفهم تطور حركة النهضة وتحولاتها الفكرية والتنظيمية، وكذلك لفهم العلاقة المعقدة بين الإسلام والدولة والحداثة في المجال العربي المعاصر.

الحركة الإسلامية ومسألة التغيير

والأكيد أن كتاب "الحركة الإسلامية ومسألة التغيير" لـ راشد الغنوشي من أهم الكتب التي حاولت بناء نظرية متكاملة حول التغيير الحضاري والسياسي في الفكر الإسلامي المعاصر. فالكتاب لا يتناول التغيير بوصفه مجرد انتقال سياسي أو صراع على السلطة، بل يربطه بإعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة ضمن مشروع نهضوي شامل. وقد جاء الكتاب في سياق نقد الحركات الإسلامية التقليدية من جهة، ونقد الأنظمة السلطوية والنماذج الحداثية المشوهة نسبة الى التحديث المشوه من جهة أخرى، ليطرح تصورًا يجمع بين المرجعية الإسلامية والحرية السياسية والتجديد الحضاري.

يرى الغنوشي أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة تدين أو عقيدة بقدر ما هي أزمة تخلف حضاري واستبداد سياسي وتمزق اجتماعي. ولذلك فإن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر الانقلاب الفوقي أو العنف الثوري المعزول عن المجتمع، وإنما عبر بناء وعي جماهيري طويل النفس يعيد تشكيل الثقافة السياسية والاجتماعية للأمة. وهو هنا يقترب من بعض تصورات مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار "، وشروط النهضة حيث يعتبر أن تحرير الإنسان فكريًا وأخلاقيًا شرط لتحريره سياسيًا.

يرى الغنوشي أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة تدين أو عقيدة بقدر ما هي أزمة تخلف حضاري واستبداد سياسي وتمزق اجتماعي. ولذلك فإن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر الانقلاب الفوقي أو العنف الثوري المعزول عن المجتمع، وإنما عبر بناء وعي جماهيري طويل النفس يعيد تشكيل الثقافة السياسية والاجتماعية للأمة. وهو هنا يقترب من بعض تصورات مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار "، وشروط النهضة حيث يعتبر أن تحرير الإنسان فكريًا وأخلاقيًا شرط لتحريره سياسيًا.
ومن أهم محاور الكتاب نقده للحركات الإسلامية التي اختزلت الإسلام في الجانب الوعظي أو الفقهي أو التنظيمي الضيق. فالغنوشي يؤكد أن التمثلات الجديدة للإسلام تمكن من بتاء  مشروع حضاري شامل يتضمن السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وأن الحركة الإسلامية مطالبة بأن تتحول من جماعة مغلقة إلى مشروع مجتمعي مفتوح. لذلك يرفض فكرة "النخبة الطليعية المنعزلة" التي تحتكر الحقيقة، ويدعو إلى الاندماج العضوي داخل المجتمع والتفاعل مع قضاياه اليومية وهمومه الواقعية.

كما يعطي الغنوشي أهمية كبيرة لمسألة الحرية باعتبارها شرطًا جوهريًا للتغيير. فهو يرى أن الاستبداد السياسي هو أصل أزمات الأمة، وأن أي مشروع إسلامي لا ينحاز إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان سيتحول إلى نسخة أخرى من السلطوية. ولهذا دافع مبكرًا عن التعددية السياسية والانتخابات والتداول السلمي على السلطة، معتبرًا أن الشورى في العصر الحديث لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مؤسسات ديمقراطية حديثة تضمن مشاركة الشعب ورقابته على الحكم.

ويتناول الكتاب أيضًا العلاقة بين المجالين الدعوي والسياسي داخل الحركة الإسلامية. فالغنوشي يحذر من تحويل الدين إلى مجرد أداة للصراع الحزبي، ويرى أن العمل السياسي يجب أن يبقى خاضعًا للأخلاق والقيم الإسلامية دون أن يتحول الى لاهوت سياسي متحدث باسم الدين والحق الالاهي. ومن هنا بدأت تتشكل لديه مبكرًا فكرة "التخصص الوظيفي" بين المجال الدعوي والمجال السياسي، وهي الفكرة التي ستتطور لاحقًا في تجربة حركة النهضة بعد الثورة التونسية.

وفي سياق حديثه عن التغيير، ينتقد الغنوشي النماذج العنيفة التي ترى المجتمع مجرد مادة للتعبئة الإيديولوجية. فهو يعتقد أن التغيير الإسلامي ينبغي أن يكون تدريجيًا وسلميًا ومتراكمًا، قائمًا على الإقناع لا الإكراه، وعلى التربية لا القسر. ولذلك يركز على دور المجتمع المدني والنقابات والجامعات والمساجد والفضاءات الثقافية في صناعة التحول التاريخي، بدل الاعتماد الحصري على الدولة أو التنظيمات السرية.

ومن الأفكار المركزية في الكتاب تأكيده على مركزية الهوية الحضارية في عملية التغيير. فالغنوشي يرى أن مشاريع التغريب القسري التي عرفها العالم العربي أدت إلى انفصال النخب عن شعوبها، وخلقت ازدواجية ثقافية بين الدولة والمجتمع. ولذلك فإن أي مشروع نهضوي ناجح يجب أن ينطلق من المرجعية الثقافية للأمة ومن موروثها الحضاري، دون أن يعني ذلك الانغلاق على العصر أو رفض الحداثة العلمية والسياسية، وقيمها الكونية والإنسانية.

كما يناقش الغنوشي العلاقة بين الإسلام والحداثة، رافضًا الثنائية التي تجعل الإنسان مضطرًا للاختيار بين الأصالة والتقدم. فهو يعتبر أن الحداثة ليست كتلة واحدة، بل تتضمن عناصر إيجابية مثل العقلانية والمؤسسات والحرية السياسية، يمكن الاستفادة منها داخل إطار حضاري إسلامي. ومن هنا جاءت محاولته الملاءمة المتجددة والمتحركة بين المرجعية الإسلامية ومفاهيم الديمقراطية والدستور والمواطنة، في إطار ما يمكن تسميته "الحداثة الإسلامية".

ويبرز الغنوشي  في كتابه أيضًا البعد الاجتماعي والاقتصادي للتغيير، إذ يؤكد الغنوشي أن المشروع الإسلامي لا يقتصر على الهوية والشعارات، بل يجب أن يعالج قضايا الفقر، والبطالة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية. لذلك يدعو إلى اقتصاد يوازن بين الحرية الاقتصادية والتكافل الاجتماعي، ويرفض في الوقت نفسه استبداد الدولة الاشتراكية وتوحش الرأسمالية والريعية التابعة. وهذه الرؤية جعلت مشروعه قريبًا من بعض أطروحات الاقتصاد الاجتماعي ذي المرجعيات الديمقراطية الاجتماعية والأخلاقية.

وفي المجمل، يمثل كتاب "الحركة الإسلامية ومسألة التغيير" محاولة فكرية لبناء نظرية إسلامية معاصرة في التغيير تجمع بين الإصلاح الحضاري والتحول الديمقراطي والتجديد الفكري. وقد أثّر هذا الكتاب في أجيال من الإسلاميين العرب لأنه نقل النقاش من مجرد الشعارات الأيديولوجية إلى أسئلة الدولة والحرية، والمجتمع، والهوية، والتنمية. كما يكشف الكتاب عن التحولات المبكرة في فكر راشد الغنوشي نحو تصور أكثر انفتاحًا على الديمقراطية والتعددية والعمل المدني، وهو ما سيظهر لاحقًا في تطور تجربة حركة النهضة داخل السياق التونسي.
التعليقات (0)