بوتين قيصر ما بعد السوفييت.. حنين القوة وحلم استعادة روسيا العظمى

الحرب الدموية ضد شعب الشيشان واللغة البلاغية المعتمدة في "محاربة الإرهاب" هما الحقلان الرئيسيان اللذان يسمحان للرئيس بوتين بفرض قبضته الحديدية كرئيس للبلاد في وجه أي محاولة إنفصالية..
الحرب الدموية ضد شعب الشيشان واللغة البلاغية المعتمدة في "محاربة الإرهاب" هما الحقلان الرئيسيان اللذان يسمحان للرئيس بوتين بفرض قبضته الحديدية كرئيس للبلاد في وجه أي محاولة إنفصالية..
شارك الخبر
الكتاب: بوتين.. ماذا بعد؟أوكرانيا..الإيمان"الصوفي" بالتاريخ
الكاتب: د. سامي عمارة
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان-بيروت- الطبعة الأولى 2023، (عدد الصفحات 527 من القطع الكبير)


لم ينتظر الرئيس فلاديمير بوتين طويلا بعد مأساة مجزرة بيسلان لبحث تعزيز سلطته. فالحرب الدموية ضد شعب الشيشان واللغة البلاغية المعتمدة في "محاربة الإرهاب" هما الحقلان الرئيسيان اللذان يسمحان للرئيس بوتين بفرض قبضته الحديدية كرئيس للبلاد في وجه أي محاولة إنفصالية وإنما في وجه أي شكل من أشكال الإحتجاج. وباتت الإستخبارات العامة الروسية(FSB) تتولى قيادة العمليات "ضد الإرهاب" مؤكدة في هذا المجال تفوقها على الجيش و الشرطة. و"باسم أمن الدولة" ينهب الجنود آلاف المدنيين الشيشان الذين يحتجزونهم في "معسكرات تصفية".

ومنذ وصوله إلى السلطة في خريف عام 1999، بواسطة حرب الشيشان الثانية ، لم يخف الرئيس الروسي نواياه.بل إنَّه يتفاخربطرح مفهومه للسياسة بشكل صريح، و فكرته عن روسيا، و رؤيته للعلاقات الدولية.وقد طبعت  فلسفته السياسية بتكوينه زمن الإتحاد السوفياتي ومن خلال مهنته الأولى: ضابط مخابرات في جهازالكي جي بي في ألمانيا الشرقية. و الحال هذه فهو يشير في أحاديثه إلى مرجعية الإتحاد السوفياتي دائمًا. وهذه المرجعية لا تتعلق بالحنين إلى نظام يعي بوتين ضرورات تطوره الحديث، بقدر ما التحليل لموازين القوى:ا لإتحاد السوفييتي كان قوة عظمى محترمة مكنَّ  روسيا من لعب دور ينوط بمكانتها التاريخية. فقد أدى إنهيار النظام السيوفياتي، لا كنموذج من التنظيم للمجتمع فقط، و لكن كعامل تنظيم و إستقرار للنظام الدولي بشكلٍ خاصٍ، إلى إعادة توزيع  الأوراق لمصلحة الغرب عامة و الولايات المتحدة الأمريكية خاصة.

إنَّ إحدى أهداف فلاديمير بوتين المعبر عنها في إطار المقارنات الدائمة مع أمريكا، تكمن في  جعل روسيا قوة تحتل بها المركز الشاغربعد زوال الإتحاد السوفياتي. و تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية النموذج، والمحاور الرئيس و المنافس، إن لم يكن الخصم.و فق هذه الرؤية لا يلعب الأوروبيون سوى دور ثانوي، في أحسن الأحول كزبائن للموارد الروسية الضخمة من الطاقة، و في أسوئها الدعاية ، حيث العلاقات ترفع من مكانة موسكو، وتؤرق واشنطن. ويكمن هوس بوتين في تجنيب روسيا المصير عينه الذي لقيه الإتحاد السوفييتي.

يصف عميد الدبلوماسية الأمريكية الأسبق هنري كيسينجر فلاديمير بوتين بالإيمان "الصوفي" بالتاريخ، بكل ما يعني به من تقديسه لمكوناته ومراحله، ومنها ما يتعلق بمشروعية العودة إلى استراتيجية بطرس الأعظم مؤسس الإمبراطورية الروسية، بوصفه الملهم لكل ما يقتفي بوتين من خطاه، صوب استعادة ما تراكم من توسعات تاريخية على مدى قرون طويلة. وذلك في توقيت يشهد توحد الكثير من قوى العصر ضد روسيا المعاصرة، ردا على جهودها الرامية إلى استعادة مواقعها على خريطة السياسة العالمية، وما يسميه البعض بأطماعها التوسعية.

لقد تقلصت روسيا الآن بالمقارنة مع العهد القيصري، عندما "خسرت" دول البلطيق وأوكرانيا، والتي  فضلا عن ذلك، بسبب خفة خروتشوف،  استعادت أرض القرم.أما الحرب  التي يخوضها بوتين منذ خمس سنوات– سبع سنوات إذا حسبنا الحرب الأولى التي خاضها بوريس يلتسين، فإنَّها لم تغير من الأمر شيئا، إن لم تعمل على إنتخاب وإعادة إنتخاب هؤلاء الرؤساء، مقابل مئات الألاف من الضحايا بين الشيشانيين، وبكل تأكيد أيضا داخل المجتمع الروسي، الذي يبدو غير مكترث ظاهريًا، و لكنَّه ملغوم بإنتقالات "حربه القذرة" الكولونيالية  في العمق ، حيث النهب، والإغتيالات غير المعاقبة، والتعذيب، تظل ممارسات يومية.ولا تشكل الشيشان تهديدًا في حدِّ ذاتها و بقدرما تشكل سابقة خطيرة ، يمكن أن تبلقن كل القوقاز، و تقوض السلطة الروسية في تلك المنطقة. وهي أيضًا في نظر بوتين ، "المكان الذي تتكدس فيه  الأسلحة" الذي  يمكن أن يشكل نقطة إنطلاق لشن الهجمات ضد قلب روسيا.

ولعلنا نكون في هذا الكتاب الذي ألفه الدكتورسامي عمارة، ويحمل العنوان التالي:بوتين.. ماذا بعد؟، والمتكون من مقدمة، وإحدى عشرة فصلاً، وخاتمة، ويتضمن 527 صفحة من القطع الكبير، و الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت سنة 2023، يحمل بين طياته الإجابة على الكثير من الأسئلة والتساؤلات التي ظلت ولا تزال تؤرق مضاجع الملايين في الداخل والخارج ممن تابعوا ولعقود طويلة مسيرة هذه الدولة السوفيتية. ومن هذه التساؤلات ما يتعلق بالأزمة الأوكرانية بكل أطيافها وتداعياتها وما أسفرت عنه مقدماتها من نتائج كارثية في الكثير من جوانبها.

عجز غورباتشوف عن الإصلا ح قاد إلى انهيار الاتحاد السوفييتي

ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس لدولة الاتحاد السوفياتي، وُلد ميخائيل سيرجيفيتش أندريا غورباتشوف يوم 2 مارس/آذار 1931 في قرية بريفولنوي بمقاطعة ستافروبول جنوبي روسيا (كانت آنذاك تسمى الاتحاد السوفياتي)، لعائلة روسية أوكرانية فقيرة تعمل في الفلاحة.

إن ما حدده فلاديمير بوتين في مستهل سنوات ولايته الأولى من أهداف إستطاع تحقيقها بمعظم مفرداتها. وكان الرئيس الروسي قطع على نفسه، عهد العمل من أجل الحيلولة دون إنفراط عقد الدولة الروسية، والابتعاد بها عن مخاطر وأخطار الحركات الانفصالية، إلى جانب استعادة موقع الدولة العظمى بكامل وقارها ومكانتها، وبما يتسق مع قدراتها البشرية والتقنية وثرواتها الطبيعية.
 انخرط وهو شاب في صفوف الحزب الشيوعي، وترقى في مسؤولياته حتى ترأسه وقاد الدولة السوفييتية  (1985). فوجد البلاد تئن تحت وطأة عقود من الركود الاقتصادي، بسبب التراجع المستمر لمعدلات النمو والفاعلية الإنتاجية، وتكاليف الحرب الباردة، وبرامج سباق التسلح مع الأميركيين، وخسائر الاستنزاف الحربي جراء التورط في المستنقع الأفغاني، وأزمة الحريات في الدول.

حاول غورباتشوف أن يحدث تحولات في سياسة البلاد الداخلية والخارجية، فأعلن انتهاجه سياسة "الغلاسنوس" أي العلانية والشفافية في إدارة البلاد، وقدم خطة لإصلاح الأوضاع الاقتصادية سماها "البريسترويكا" (إعادة البناء).تضمنت سياساتُه الإصلاحية الداخلية في خطوطها العريضة الاهتمامَ بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والتحول إلى اقتصاد السوق، وإلغاء احتكار الحزب الشيوعي للسلطة وحظر التعددية الحزبية، وزيادة استقلالية المؤسسات المحلية، وإطلاق سراح مئات السجناء السياسيين.

وعلى مستوى السياسة الخارجية، عمل غورباتشوف على إبعاد علاقات بلاده الدولية عن العسكرة، وسعى لتحسين روابطه مع الدول الغربية الرأسمالية والحد من التسلح. فبدءا من ديسمبر/كانون الأول 1987 وقعت موسكو وواشنطن عدة اتفاقيات للتخلص من الصواريخ النووية المتوسطة المدى في البلدين. كما خفضت موسكو قواتها التقليدية بأوروبا الشرقية.

وخلال 1988 ـ 1989 أمر بسحب جميع القوات التي شاركت في الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 لمساندة الحكومة الشيوعية فيها، واكتمل ذلك الانسحاب في فبراير/شباط 1989. وفي 7 ديسمبر/كانون الأول 1988 ألقى غورباتشوف كلمة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك أعلن فيها نهاية الحرب الباردة.

لم يستطع غورباتشوف تطبيق خططه الإصلاحية كما ينبغي، فإضافة إلى كارثة مفاعل تشيرنوبل النووي في 26 أبريل/نيسان 1986، واجهته بدءا من عام 1989 مشكلات اقتصادية كبيرة في الإنتاج والتوزيع، واضطرابات قومية في مختلف الجمهوريات السوفياتية، وأحداث عالمية حاسمة مثل انهيار جدار برلين وخروج دول أوروبا الشرقية من العباءة الشيوعية.

وفي 1989 انتخِب في عهده أول برلمان ديمقراطي للاتحاد السوفياتي، وأنشئ منصب جديد هو "رئيس جمهوريات الاتحاد السوفياتي" لمعالجة النزوع القومي في الجمهوريات السوفياتية إلى الاستقلال، فانتخب البرلمانُ يوم 15 مارس/آذار 1990 غورباتشوف ليكون أول رئيس منتخب للاتحاد السوفياتي، وجمع معه رئاسة الحكومة الفدرالية ورئاسة الحزب الشيوعي.

وفي 17 مارس/آذار 1991 قرر غورباتشوف إجراء استفتاء شعبي عام حول الإبقاء على الاتحاد السوفياتي دولة اتحادية واحدة، وأسفر الاستفتاء عن موافقة ما يزيد على 75% من المشاركين فيه على بقاء الدولة الاتحادية. لكن مشاكل البلاد المختلفة فاقمت النقمة على سياسات غورباتشوف من أوساط داخلية عديدة، تصدرها قادة في الحزب والدولة شكلوا "لجنة الدولة للطوارئ" ونفذوا انقلابا عسكريا يوم 19 أغسطس/آب 1991، بحجة إنقاذ البلاد من الانهيار متهمين غورباتشوف بـ"فقدان الأهلية لقيادة البلاد"، لكن رئيس جمهورية روسيا الاتحادية بوريس يلتسن تصدى للانقلابيين فاعتقلوا جميعا.

عاد غورباتشوف يوم 22 أغسطس/آب 1991 إلى رئاسة البلاد، وفي اليوم الموالي قدم استقالته من رئاسة الحزب الشيوعي ممهدا الطريق لقرار أصدره البرلمان بحله. وفي ديسمبر/كانون الأول 1991 أعلنت كل من روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء استقلالها عن الاتحاد السوفياتي وتشكيل "رابطة الدول المستقلة".

وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 1991 التقى غورباتشوف ورئيس جمهورية روسيا يلتسين واتفقا على حل الاتحاد السوفياتي، رغم كون ذلك من اختصاص "مجلس السوفيات الأعلى" (أعلى هيئة تشريعية سوفياتية). وفي 25 ديسمبر/كانون الأول 1991 أعلن غورباتشوف استقالته من رئاسة الدولة، فكان ذلك إيذانا بتفكك الاتحاد السوفياتي فعليا ودخوله ذمة التاريخ.

يقول الدكتور سامي عمارة حول تلك المرحلة:"غرائب أطوار تلك الفترة، ما رصده المراقبون والبسطاء من أبناء الإتحاد السوفيتي السابق من ظواهر وتناقضات، ثمة من اعتبرها في مقدمات أسباب انهيار الدولة. ومن هذه الأطوار ما دارت وتدور حوله التفسيرات التي تواترت في معرض الحديث عما حاق بالدولة من كوارث ومآس. فمن قائل أن الانهيار كان نتيجة حتمية لفشل سياسات الإتحاد السوفييتي وعجزه عن تدبير شؤون اقتصاد الوطن، وعدم إدراكه لمغبة الانخراط في سباق التسلح، إلى آخر عزا ويعزو هذا الانهيار إلى مخططات الغرب ومؤامراته، ومنها تجنيد بعض رجالات الدولة في النسق الأعلى للحزب والدولة، وسقوطهم في شرك المخابرات المركزية الأميركية، ثم إلى ثالث يقول إن الصراعات الشخصية بين قطبي الساحة السياسية في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي وهما ميخائيل جورباتشوف وبوريس يلتسين، كانت في صدارة أسباب ذلك الانهيار المريع.

وذلك يعني أن فكرة الثورات الملونة، لم تكن وليدة أفكار كونداليزا رايس مستشارة جورج بوش الابن لشؤون الأمن القومي في ولايته الأولى 2004-2000، ووزيرة خارجيته في ولايته الثانية 2004 ـ 2008، بقدر ما كانت مخططاً غربياً أميركياً جرى تنفيذه بمساعدة عناصر داخلية سوفيتية، منها من سقط في شباك خصومه بقصد أو عن غير قصد. ولعل ألكسندر ياكوفليف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي والساعد الأيمن لميخائيل جورباتشوف يمكن أن يكون صاحب هذه الفكرة التي بادر بتنفيذها من خلاله تحت اسم البيريسترويكا والجلاسنوست، في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي. وذلك ما نتوقف عنده بالكثير من التفاصيل التي تستند في بعض جوانبها إلى الوثائق والاعترافات حول سقوط بعض مساعدي جورباتشوف ومنهم ياكوفليف وأخرون، في شرك ما قد يرقي حد الخيانة، التي كشف عنها عدد من كبار رجال الدولة السوفيتية، ومنهم رئيس جهاز كي جي بي فلاديمير كريوتشكوف، أحد أهم مساعدي يوري أندروبوف سلفه في هذا المنصب الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي السوفيتي الذي تولى الحكم في الإتحاد السوفيتي خلفاً لليونيد بريجنيف.

وكان جورباتشوف وبعد تردّد دام طويلاً، عاد ليعترف بأنه لا يستطيع أن يعفي نفسه عن جزء من المسؤولية تجاه إنهيار الإتحاد السوفيتي السابق. قال إن الإتحاد السوفيتي كان في حاجة إلى الإصلاح، لكنه سرعان ما اعترف بأن الإصلاح كان ممكناً دون السقوط في شرك الانهيار، لو تحلى كل من المشاركين في هذه العملية بقدر من المسؤولية، وهو من يقصد به غريمه التاريخي بوريس يلتسين، الذي تؤكد مصادر كثيرة انه يظل المسؤول الأول عن كارثة الانهيار المريع"(ص14 من المقدمة).

بوتين والعودة إلى عرش الكرملين عبر خوض الحرب على الإرهاب

ولعله يمكن القول، إن ما حدده فلاديمير بوتين في مستهل سنوات ولايته الأولى من أهداف إستطاع تحقيقها بمعظم مفرداتها. وكان الرئيس الروسي قطع على نفسه، عهد العمل من أجل الحيلولة دون إنفراط عقد الدولة الروسية، والابتعاد بها عن مخاطر وأخطار الحركات الانفصالية، إلى جانب إستعادة موقع الدولة العظمى بكامل وقارها ومكانتها، وبما يتسق مع قدراتها البشرية والتقنية وثرواتها الطبيعية.

يتساءل المحللون في الغرب، هل  ينتقل  الصراع الشيشاني، الذي يشكل سرطانا حقيقيا لروسيا، إلى كل منطقة القوقازحيث تم تحديد الحدود بين الشعوب من قبل سياسة ستالين  المسماة "القوميات"، بطريقة تعسفية و قسرية؟

لقد كان الهدف حينئذ قمع تطور الشعور القومي، وإثارة الكراهيات بين الشعوب، تعويض بعضها و معاقبة أخرى, لتسهيل سيطرة الدولة السوفياتية المركزية بوساطة الحزب الشيوعي والشرطة السياسية.فمع بداية 1920، تم ضم أوسيتيا الشمالية إلى فيدرالية روسيا، بينما أعطيت أوسيتيا الجنوبية إلى جيورجيا، التي تواجه في الوقت الحاضر أقليات قومية تطالب بالإنفصال و الإستقلال.

بيد أن هذا الإنسجام  المصطنع بين الشعوب تطايرت شظاياه  في السماء عقب إنهيار النظام الشيوعي.و في مواجهة الفسيفساء القوقازي ، عجزت الحكومات التي تشكلت في مرحلة ما بعد الإتحاد السوفياتي عن إيجاد حل لمسألة الأقليات.و في القوقاز كما في البلقان، نجد دائما أقلية لأحد ما، الأمر الذي لا يسهل الحلول الحضارية. و أسهمت السياسة المتبعة من قبل السلطة الروسية منذ الحرب الأولى في الشيشان ، خاصة منذ سبتمبر 1999، تاريخ وصول فلادميربوتين  إلى الحكم،في تأزيم الوضع.  فالقمع القاسي و الأعمى، ورفض البحث عن حل سياسي حقيقي للصراع في الشيشان، و إستخدام الأساليب القديمة في خلق مناخ عدم الإستقرارللمحافظة على مراقبة بقع مستقلة رسميا، كل هذه المناورات زادت من حدة الصراعات.

إن المشكلة المتكررة دائماً في تاريخ روسيا هي سعي جزء من نخبتها إلى القفز إلى الثورة، بدلا من التطور التدريجي. وذلك في الوقت الذي لا تُظهر فيه الخبرة الروسية وحدها، بل وكل الخبرات العالمية سلبية القفزات التاريخية ومعارضتها للواقع، وأن القفز إلى الأمام يؤدي إلى السقوط من دون البناء على أسس ثابتة"(ص 300).
في الكرملين لا يجرؤ أحد اقتراح حل جديد، علما أن الرئيس بوتين الذي ارتبط صعوده إلى السلطة بالحرب يرفض تسوية تقود إلى "سلام الشجعان" كما فعل الجنرال ديغول في الجزائر. و يعتقد بوتين أن الهجمات المحتملة تأتي من جهتين.  فمن ناحية، هناك الأصولية الإسلامية التي تهاجم روسيا بوصفها معقلا للحضارة المسيحية، و هناك من ناحية أخرى، "بعض الأوساط الغربية" تعتقد كما كان الأمر في زمن الحرب الباردة أن روسيا ضعيفة تخدم مصالحها، و هي لا تفهم أن روسيا قوية تشكل سدا منيعا ضد البربرية حسب إعتقاد بوتين.

وها هو بوتين بعد ثلاث سنوات من حرب جورج بوش على الإرهاب، يفعل مثله.فهجمات 3 سبتمبر 2004 اعتبرها الروس صدمة فظيعة  أكثر من أحداث 11 سبمتبر2001.و مع ذلك، و أبعد من العاطفة، والمقارنة، يجب محاولة كشف حدود عالم في حرب يخوضها كل من بوش و بوتين.و في الواقع، كل شيء يجري كما لو أن بوش و بو تين يعملان على إختزال أزمات الوضع الدولي إلى شعار مركزي واحد: الحرب على الإرهاب الدولي.  فمن القوقاز إلى الشرق الأوسط، و من آسيا الوسطى إلى آسيا الشرقية مرورا بمناهاتن و ضواحي المدن الأوروبية التي تقطنها جاليات مسلمة،هناك عدو واحد، هناك قوة عالمية شريرة: الإرهاب الدولي.

ولكن الإعتقاد أن التعقيدات الموجودة في العالم قابلة للذوبان في صيغة سحرية- الحرب ضد الجهاد الإسلامي  العالمي-يلوح بها كل من الكرملين و البيت الأبيض،يمثل خطابًا خطيرًا ومغالطًا للرأي العام العالمي..فالعديد من الصراعات التي تشق عالمنا المعاصر توجد خارج سياق فئة"الإرهاب الدولي"، ومنها: الصراع العربي- الصهيوني حيث تمثل القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني لشعب اغتصبت أرضه، والأمر عينه في العراق، حيث يقاوم الشعب العراقي قوة إمبراطورية احتلت أرضه تحت ذرائع كاذبة، في سبيل إحكام السيطرة على نفطه.فالرئيس بوش المتسلح بعقيدة الحرب الإستباقية، يطرح الحجة الوحيدة :الحرب على الإرهاب لتبرير حربه على العراق.

ويستخدم بوتين الحجة ذاتها :الحرب على الإرهاب لإحياء سياسة السيطرة الروسية التي ينتهجها في القوقاز و آسيا الوسطى.و باسم هذه السياسة يستبعد أي حل  سياسي للصراع في الشيشان. و لماذا تساند العواصم الغربية بقوة  فلاديمير بوتين؟

إن "الريالبوليتيك" الذي يملي  على الغرب الإمتناع عن توجيه  أي نقد لسيد الكرملين ، يقوم على قناعة أن روسيا تظل دولة كبيرة.فالبلاد التي تعتبر مساحتها الأكبر في العالم فقدت بكل تأكيد من قوتها السكانية والإقتصادية-إذ إن اقتصادها يوازي من الآن فصاعدا اقتصاد هولندا-لكنها تمتلك ايضا السلاح النووي بكميات كبيرة وتحظى بمقعد دائم في مجلس الأمن، ويحسب لها حساب في الصراع الجيوبوليتيكي. أما العامل الثاني ، فيتعلق بالطاقة، إذ إن روسيا بلد غني بالنفط، و الغاز بوجه خاص، و أصبحت المنتج الأول  للمحروقات في العالم متقدمة على المملكة السعودية. و بالنسبة للصين، و اليابان ، و بلدان كل آسيا، ستصبح هذه الإحتياطات جوهرية.و يظل السبب الثالث في مساندة الغرب القوية لبوتين يتعلق بالتاريخ و الجغرافيا. فالغرب كان دائما يفضل سلطة قوية في هذا الفضاء الأروبي –الآسيوي ليشكل حزاما قويا ضد المد الإسلامي.و هكذا، تمنح الإعتبارات الجيوبوليتيمكية، و البترودولار، و التضامن ضد "العدو الإرهابي" المشترك شيكا على بياض لبوتين لبناء دولة تسلطية في روسيا.

وإذا كانت المحاور الداخلية لنشاط الرئيس الروسي الجديد، تمثلت في إعادة الانضباط إلى الشارع الروسي، ومكافحة الإرهاب، ووأد الحركات الانفصالية في الشيشان ومنطقة شمال القوقاز، والسيطرة على مفاتيح الإعلام، إلى جانب ضبط حركة وتوجهات رجال الأعمال، في إطار ما دار خلال معركته مع رموز أوليجاركيا ذلك الزمان، فقد حرص بوتين على إستعادة مواقع موسكو في الجوار القريب، وعلاقات بلاده مع من بقي منهم على الود والمودة، وصداقة الأمس القريب من بلدان الفضاء السوفيتي السابق.

أما عن الجوار البعيد وموقع بلاده على خريطة السياسة الدولية، فقد آثر أن يكون من منطلق ما أوجزه في خطاب ميونيخ الشهير، في مؤتمر الأمن الأوروبي في فبراير 2007، من محاور تعتمد بالدرجة الأولى على رفضه لعالم القطب الواحد، فضلاً عن رؤيته للأصول التاريخية المشتركة التي تجمع روسيا مع أكبر جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق ومنها أوكرانيا، وهو ما يتوقف عنده  الدكتور سامي عمارة بالكثير من التفاصيل بين ثنايا هذا الكتاب اعتماداً على متابعة شبه يومية، منذ صارح بوتين نظيره الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن حول ان هرولة أوكرانيا صوب الناتو يمكن أن تسفر عن ضياع وضعيتها كدولة مستقلة، وهو ما كادت بعض مفرداته تجنحنحو وضعها حيز التنفيذ، في سياق الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في 24 فبراير 2022.

في هذا السياق ، يقول الدكتور سامي عمارة: "أعلن فلاديمير بوتين أن هناك قوى هدامة في بعض مناطق العالم تسعى إلى تصعيد التوترات الاجتماعية والعرقية وتهدد أمن جميع الشعوب مضيفاً أن هناك دولا تدعم هذه القوى وتسعى إلى تصدير الديمقراطية باستخدام القوة العسكرية. وقال بوتين في معرض تناوله لما يواحه بلاده من تحديات، أن العالم يواجه أزمة غير عادية تعني في الحقيقة عملية التحول العالمي الجذري، مؤكّداً على أن النظام الحالي الذي تشكل بعد انهيار الإتحاد السوفيتي قد انتهى كما انتهت ظاهرة القطب الواحد. وأكد الرئيس الروسي على أن مواجهة عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي والمجال الأمني تتطلب تعاوناً أكثر مسؤولية وثقة بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي والدول الأعضاء في مجموعة العشرين. أما عن ماهية المخاطر والمهمات التي ستضطر روسيا لمواجهتها، والموقع الذي يجب أن تشغله بلاده على خريطة السياسة العالمية والاقتصاد العالمي، قال بوتين:

ان المشكلة المتكررة دائماً في تاريخ روسيا هي سعي جزء من نخبتها إلى القفز إلى الثورة، بدلا من التطور التدريجي. وذلك في الوقت الذي لا تُظهر فيه الخبرة الروسية وحدها، بل وكل الخبرات العالمية سلبية القفزات التاريخية ومعارضتها للواقع، وأن القفز إلى الأمام يؤدي إلى السقوط من دون البناء على أسس ثابتة"(ص 300).
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم