من دوغلاس إلى ترامب.. كتاب جديد يتتبع معركة الهوية الأمريكية

اعتبر رودس أن كثيرا من الأفكار التي عُدّت "متطرفة" آنذاك أصبحت اليوم جزءا من النقاش العام الأمريكي، خاصة بعد احتجاجات "حياة السود مهمة" ومقتل جورج فلويد..
اعتبر رودس أن كثيرا من الأفكار التي عُدّت "متطرفة" آنذاك أصبحت اليوم جزءا من النقاش العام الأمريكي، خاصة بعد احتجاجات "حياة السود مهمة" ومقتل جورج فلويد..
شارك الخبر
يعود الكاتب والمستشار الأمريكي السابق بن رودس إلى التاريخ الأمريكي محاولا فهم جذور الصراع حول الهوية والمعنى والقيم التي قامت عليها البلاد، وذلك من خلال كتابه الجديد "كل ما نقوله: معركة الهوية الأمريكية.. تاريخ في 15 خطابا"، الذي يستعرض فيه أبرز الخطب التي شكّلت الوعي الأمريكي منذ تأسيس الولايات المتحدة وحتى صعود دونالد ترامب.

ويُعد رودس، الذي عمل كاتب خطابات ونائبا لمستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، من أبرز الأصوات الليبرالية القريبة من أوباما، وقد اختار في كتابه مجموعة من الخطب السياسية والفكرية التي يرى أنها تكشف التحولات العميقة في المجتمع الأمريكي، والصراع المستمر بين قيم التعددية والمساواة من جهة، والنزعات القومية والإقصائية من جهة أخرى.

وفي حوار مطول مع صحيفة "الغارديان" البريطانية، قال رودس إن الولايات المتحدة تعيش اليوم كثيرا من التناقضات التي حذّر منها القس الأمريكي جيرمايا رايت، رجل الدين الذي أثار جدلا واسعا خلال حملة أوباما الرئاسية عام 2008 بسبب تصريحاته حول العنصرية والسياسة الخارجية الأمريكية.

واعتبر رودس أن كثيرا من الأفكار التي عُدّت "متطرفة" آنذاك أصبحت اليوم جزءا من النقاش العام الأمريكي، خاصة بعد احتجاجات "حياة السود مهمة" ومقتل جورج فلويد، موضحا أن انتقادات رايت لبنية العنصرية في أمريكا أو لتداعيات السياسة الخارجية الأمريكية باتت تُطرح بشكل أوسع داخل الأوساط التقدمية.

ويخصص رودس في كتابه مساحة واسعة لخطاب أوباما الشهير "اتحاد أكثر كمالا"، الذي ألقاه في فيلادلفيا عام 2008 ردا على الجدل المرتبط بعلاقته برايت، معتبرا أن الخطاب مثّل لحظة مفصلية في النقاش الأمريكي حول العرق والهوية والانقسام الاجتماعي.

لكن رودس يرى أن الكتاب لا ينتهي عند سردية "الاستثنائية التقدمية" التي مثّلها أوباما، بل يصل إلى صعود دونالد ترامب بوصفه تجسيدا لرد فعل محافظ وشعبوي ضد التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة.

ويبدأ الكتاب من القرن الثامن عشر، عبر خطابات لشخصيات مؤسسة مثل بنجامين فرانكلين وزعيم السكان الأصليين "ريد جاكيت"، قبل أن ينتقل إلى شخصيات مركزية في التاريخ الأمريكي مثل فريدريك دوغلاس، وأبراهام لينكولن، ومارتن لوثر كينغ، وفرانكلين روزفلت، وجون كينيدي، إلى جانب شخصيات محافظة مثل رونالد ريغان وترامب.

كما يتوقف رودس عند شخصيات نسائية ومهمشة تاريخيا، مثل آنا ديكنسون وماريا ستيوارت، موضحا أن البحث عن خطابات نسائية مؤثرة قبل الحرب العالمية الثانية كان "صادما في صعوبته"، ما يعكس – بحسب رأيه – كيف جرى تهميش أصوات نسائية كثيرة من السردية الأمريكية الرسمية.

ويشير إلى أن خطاب آنا ديكنسون الشهير "الحمقى والنساء" عام 1868 بدا له معاصرا بشكل لافت، لأنه لم يطالب فقط بحق النساء في التصويت، بل هاجم البنية الذكورية التي احتكرت السلطة السياسية والاجتماعية.

ويتناول الكتاب أيضا شخصيات تقدمية مثيرة للجدل، مثل الناشطة الشعبوية ماري إليزابيث ليز، والزعيم النقابي سيزار تشافيز، الذي أُعيد طرح اسمه أخيرا بعد اتهامات تتعلق بسوء السلوك الجنسي.

ويؤكد رودس أن الشخصيات التي شكّلت التاريخ الأمريكي لم تكن مثالية، قائلا إن حتى أبراهام لينكولن نفسه أطلق في مراحل معينة تصريحات تحمل نزعات تفوق أبيض، مضيفا أن التاريخ الأمريكي أكثر تعقيدا من السرديات البطولية المبسطة.

ويمنح رودس مكانة خاصة للمفكر والمناضل الأسود فريدريك دوغلاس، الذي يعتبره الشخصية المحورية في الكتاب، خاصة من خلال خطابه "الأمة المركبة" عام 1869، والذي دعا فيه إلى ديمقراطية متعددة الأعراق قبل قرن كامل من تحول هذا المفهوم إلى جزء من الخطاب السياسي الأمريكي الحديث.

ويرى رودس أن دوغلاس كان سابقا لعصره حين دافع عن حقوق المهاجرين الصينيين في الولايات المتحدة، رغم العداء الشعبي الواسع تجاههم آنذاك، معتبرا أن تلك المواقف تشبه اليوم الدعوات إلى منح المهاجرين غير النظاميين حقوقا كاملة داخل المجتمع الأمريكي.

ويخلص الكاتب الأمريكي إلى أن جوهر الأزمة الأمريكية الحالية يكمن في الفجوة بين القيم التي تقول الولايات المتحدة إنها تؤمن بها، وبين واقعها السياسي والاجتماعي، مؤكدا أن الخطب الكبرى في التاريخ الأمريكي لم تكن مجرد كلمات، بل محاولات متكررة لإعادة تعريف معنى "أن تكون أمريكيا".

ويأتي الكتاب في سياق تصاعد الاستقطاب السياسي والثقافي في الولايات المتحدة، حيث تتجدد النقاشات حول العنصرية والهجرة والهوية والتاريخ، وسط عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي واستمرار الانقسام الحاد بين التيارين المحافظ والتقدمي داخل المجتمع الأمريكي.
التعليقات (0)