الكتاب: الصراع الديموغرافي في فلسطين، من
النكبة إلى حرب الإبادة: "السياسات والتحديات والمآلات" (دراسة تحليلية)
الكاتبان: جمال البابا وهاني طالب
الناشر: مركز فينيق للبحوث والدراسات
الحقلية غزة ـ فلسطين 2026، الطبعة الأولى.
عدد الصفحات: 250 صفحة
ـ 1 ـ
تمثل السياسات السكانية أداة للتحكم، ما
أمكن، في عدد السكان وضبط معدلات نموهم، وتوزيعهم العمري. ويتحقّق ذلك عبر مجالات
متداخلة تشمل الهجرة والتنظيم الأسري وإعادة التوطين. وتتجاوز هذه السياسات بعدها
الإداري لتغدو أداة فاعلة في إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي، فتُسخَّر للتحكم في
مسارات النمو والحركة والانتشار الجغرافي، فيرتبط اشتغالها المباشر بإعادة ترتيب
المجال البشري وفق أهداف محددة.
وعليه فالديموغرافيا تتخطى الوصف الإحصائي، لتندرج
في صميم التخطيط الاستراتيجي، بما يتيحه فهم للتحولات السكانية وتأثير في موازين القوة
داخل المجتمعات وبينها. أما في الحالة الفلسطينية- الإسرائيلية، فتتضاعف هذه
الدلالات. فتنخرط السياسات السكانية في الصّراع وتتصل مباشرة بمسألة السيطرة على
الأرض وتثبيت السيادة عليها. ويتحدد هذا الطابع من خلال التحكم في العناصر
الديناميكية للتغير السكاني، المتمثلة في الخصوبة والوفيات والهجرة، وهي عناصر
ترسم اتجاهات المجتمع وتحدد آفاقه.
ضمن هذا الأفق تتنزل الدراسة التي أعدها
الباحثان جمال البابا وهاني طالب بعنوان "الصراع الديموغرافي في فلسطين، من
النكبة إلى حرب الإبادة: السياسات والتحديات والمآلات" وفيها يثبتان أن
المعطيات السكانية إلى أدوات تتحول تدخّل، بها تُدار عمليات إعادة تشكيل الواقع
البشري والجغرافي. لذلك غدت الديموغرافيا عنصرًا مركزيًا في المشاريع الاستيطانية،
بما تنطوي عليه من قدرة على توجيه توزيع السكان، وإعادة تركيب المجال، وربط الوجود
البشري بوظيفة سياسية تتجاوز حضوره العددي، أو في مشاريع المقاومة عملا على تثبيت
الهويّة وتكريس أحقية امتلاك الأرض.
ـ 2 ـ
يجعل الباحثان من الخلفية التاريخية للتركيب
السكاني في فلسطين مدخلًا مهما لفهم الاختلال الديموغرافي في صورته الراهنة، بعد
أن تحوّل التوازن السكاني من حالة ممتدة في الزمن، مستقرّة إلى حدّ، إلى وضع مشحون
بالتدخلات الموجّهة. فقد تشكلت البنية السكانية قبل سنة 1948 ضمن مسار تاريخي
استند إلى أنماط عيش زراعية وحضرية متجذرة في الأرض، وارتبط بسياق اجتماعي
واقتصادي حافظ على انتظام توزّع السكان وتواصلهم مع المجال الذي يقيمون فيه.
ومع أواخر العهد العثماني، بدأت ملامح تحوّل
محدود تلوح في الأفق بفعل الانفتاح الإداري والاقتصادي الجزئي، ثم تبلور الأثر
الحاسم مع دخول العامل السياسي أثناء فترة الانتداب البريطاني. فقد خضعت البنية
السكانية لتدخلات منظمة أعادت توجيه مساراتها. فاتجهت سياسات الهجرة اليهودية منذ
بداياتها إلى الانتظام التدريجي، قبل أن تتخذ طابع المشروع الصهيوني المدعوم
ماليًا وإداريًا، ضمن إطار قانوني وفرته سلطة الانتداب. فأفضى هذا التنظيم إلى
تحويل الهجرة من حركة فردية إلى أداة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، عبر امتلاك
الأرض وإقامة تجمعات يهودية منفصلة تعيد رسم المجال الجغرافي وتفصل بين مكوناته.
الاختلال الديموغرافي الذي تكرّس مع قيام دولة إسرائيل بعد النكبة، لم يكن نتيجة لحظة مفاجئة، بل حصيلة تراكم تاريخي لسياسات موجهة تفاعلت فيها الهجرة المنظمة، وعمليات شراء الأراضي، وأطر الحكم الاستعماري. وقد أنتج هذا التفاعل واقعًا سكانيًا جديدًا مع نهاية الانتداب، أعاد توزيع السكان، وفتح المجال أمام تشكل ميزان ديموغرافي مختلف، ستتحدد على أساسه تحولات المراحل اللاحقة.
في المقابل، وجد المجتمع الفلسطيني المحتل
والأعزل نفسه أمام هذه التحولات بإمكانات محدودة على مستوى التأثير في السياسات
السكانية، رغم استمراره العددي وحفاظه على حضوره في المجال. وقد أسهم هذا الاختلال
في أدوات الفعل في إحداث تغيّر تدريجي في التوزيع الجغرافي للسكان، مع بروز بؤر
استيطانية أخذت تتكثف في مناطق بعينها، في حين أخذت بعض التجمعات الفلسطينية تعرف
تفككًا متدرجًا تحت ضغط التحولات الجديدة.
ويتضح، في ضوء هذا المسار، أنّ الاختلال
الديموغرافي الذي تكرّس مع قيام دولة إسرائيل بعد النكبة، لم يكن نتيجة لحظة
مفاجئة، بل حصيلة تراكم تاريخي لسياسات موجهة تفاعلت فيها الهجرة المنظمة، وعمليات
شراء الأراضي، وأطر الحكم الاستعماري. وقد أنتج هذا التفاعل واقعًا سكانيًا جديدًا
مع نهاية الانتداب، أعاد توزيع السكان، وفتح المجال أمام تشكل ميزان ديموغرافي
مختلف، ستتحدد على أساسه تحولات المراحل اللاحقة.
ـ 3 ـ
يجعل الباحثان، بعدئذ، مرحلة ما بعد السابع
من أكتوبر 2023 موضوعا للتحليل. فيجدان أنها مثلت منعطفًا حاسمًا في مسار التحولات
الديموغرافية، خاصّة أنّ آثار العامل العسكري قد تجاوزت حدود المواجهة المباشرة
لتمتد إلى البنية الاجتماعية وتدخل في صلب إعادة تشكيل الواقع السكاني. فقد أفضى
اتساع نطاق العمليات إلى تدمير واسع للبنية التحتية، شمل المساكن والخدمات
الأساسية، الأمر الذي أطال أمد النزوح وأضعف إمكانات العودة إلى مناطق الأصل،
فاستقر جزء من التحولات في صورة أنماط إقامة جديدة مرشحة للاستمرار.
وتجلّت هذه التحولات في موجات نزوح داخلي
كثيفة أعادت توزيع سكان القطاع ضمن المجال نفسه، مع ما رافق ذلك من ضغط على
الموارد وتغيّر في أنماط التمركز السكاني. وقد تزامن هذا النزوح مع ارتفاع في
معدلات الوفيات، ما انعكس على التركيبة العمرية وأعاد تشكيلها، في اتجاه يترك أثره
في المدى المتوسط والبعيد. وبرزت، في بعض الحالات، مؤشرات على الهجرة خارج المجال،
ضمن سياق دفعته الظروف الأمنية والمعيشية إلى الواجهة، فصار الانتقال السكاني يتخذ
مسارات تتقاطع مع خطوط العمليات العسكرية وتعيد إنتاجها على مستوى التوزيع البشري.
وتكثّف هذا المسار مع ارتباط التهجير بحركية
العمليات، فانخرط في مسارات محددة أعادت رسم الخريطة السكانية على نحو يضعف الحضور
الفلسطيني في بعض المناطق، ويمنح السيطرة على المجال بعدًا ديموغرافيًا مباشرًا.
وقد عبّرت هذه التحولات عن نفسها في صورة تغييرات قسرية غير مسبوقة في التوزيع
السكاني، ارتبطت بأفعال القتل والدمار والتطهير العرقي، وما خلّفته من آثار ممتدة
في بنية المجتمع.
وفي هذا السياق، استعادت الديموغرافيا
موقعها بوصفها ساحة صراع مركزية، واندرجت السياسات السكانية ضمن الاستراتيجية
العسكرية ذاتها، بما يحمله ذلك من توجيه مباشر لمسارات التغيير السكاني. وتفتح هذه
التحولات أفقًا يتجاوز اللحظة الراهنة، إذ تمتد آثارها إلى المستقبل، وقد تفضي إلى
تغييرات دائمة في البنية السكانية إن استمرت الشروط التي أنتجتها. وتندرج هذه
الدينامية ضمن مسار أطول من الهندسة السكانية، تتقاطع فيه السياسات مع الوقائع
الميدانية لإعادة تشكيل الواقع البشري والجغرافي.
ومع ذلك، يحتفظ المجتمع الفلسطيني بقدرة على
الاستمرار داخل هذه الشروط الضاغطة، عبر ديناميات صمود تعيد إنتاج الحضور السكاني
رغم التهجير، فيتحول العامل الديموغرافي إلى عنصر مقاومة وصمود.
ـ 4 ـ
تواصل إسرائيل توظيف أدوات متعددة للتأثير
في الاتجاهات السكانية راهنا. ويتقدمها عامل الهجرة الذي يظل ركيزة أساسية في
تعزيز الحضور العددي. ويقترن ذلك بسياسات الاستيطان التي تندرج ضمن تصور أشمل
للهندسة السكانية، يقوم على إنشاء تجمعات جديدة في مواقع مختارة بعناية، بما يفضي
إلى إعادة توزيع السكان داخل المجال، ويفرض واقعًا جغرافيًا يصعب تفكيكه لاحقًا.
وتتحرك
هذه السياسات في تماس مباشر مع سيطرة الإسرائيليين الميدانية. فيرتبط توطين السكان
بترسيخ مواقع النفوذ، وإعادة تنظيم الفضاء وفق أولوياتها الاستراتيجية. ويمتد
تأثير سياساتها السكانية إلى أشكال غير مباشرة، منها القيود المفروضة على البناء
والحركة، وما ينتج عنها من تضييق في إمكانات الإقامة والتوسع، الأمر الذي يدفع إلى
أنماط من النزوح أو الهجرة تعيد تشكيل التوزيع السكاني ببطء. وتتجمع هذه الآليات
ضمن مسار متكامل يسعى إلى توجيه التحولات الديموغرافية، ويجعل من التحكم في المجال
البشري امتدادًا للتحكم في المجال الجغرافي.
في المقابل، يتوزع الحضور الفلسطيني داخل
فلسطين التاريخية على فضاءات متباينة، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل،
وتنعكس في هذا التوزيع اختلافات في الشروط السياسية والاقتصادية التي تؤثر في
النمو السكاني ومساراته. وتؤدي الهجرة، داخليًا وخارجيًا، دورًا فاعلًا في إعادة
رسم الخريطة الديموغرافية، عبر ما تفرضه من تحولات في الكثافة السكانية، وانتقال
الأفراد بين مناطق متفاوتة في القدرة على الاستيعاب والاستقرار.
ويبرز العامل الديموغرافي في المجتمع
الفلسطيني من خلال معدلات خصوبة مرتفعة، تقترن بتركيبة عمرية يغلب عليها الشباب،
وهو ما يكوّن طاقة سكانية ذات أثر محتمل في المدى الطويل. غير أنّ هذا المعطى
يتحرك ضمن شروط تحدّ من فعاليته، في ظل ضعف الأدوات المؤسسية القادرة على بلورة
سياسات سكانية منظمة.
ـ 5 ـ
ينفتح النظر في مآلات الصراع الديموغرافي
على أفق استشرافي يستند إلى تحليل الاتجاهات الراهنة وربطها بالمتغيرات السياسية
والاستراتيجية. ويكتسب هذا المنهج أهميته من قدرته على تنظيم التفكير في المستقبل
وفق سيناريوهات مختلفة دون ادعاء الحسم بينها، إذ يربط كل تصور بسلسلة من العوامل
التي تتحكم في إمكان تحققها.
يتوزع الحضور الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية على فضاءات متباينة، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل، وتنعكس في هذا التوزيع اختلافات في الشروط السياسية والاقتصادية التي تؤثر في النمو السكاني ومساراته. وتؤدي الهجرة، داخليًا وخارجيًا، دورًا فاعلًا في إعادة رسم الخريطة الديموغرافية، عبر ما تفرضه من تحولات في الكثافة السكانية، وانتقال الأفراد بين مناطق متفاوتة في القدرة على الاستيعاب والاستقرار.
يتجه السيناريو الأول نحو استمرار الاتجاهات
الحالية في النمو السكاني والتوزيع الجغرافي، فتتواصل التحولات ضمن نسق تدريجي،
ويظل الميزان الديموغرافي في حالة تغير بطيء لا يفضي إلى انعطاف حاد. ويقوم هذا
المسار على بقاء العوامل المؤثرة في وضع قريب من الراهن، بما يحفظ التوازنات
القائمة ضمن حدود قابلة للتحول المحدود.
ويتخذ السيناريو الثاني مسارًا أكثر حدة،
يرتبط بتصاعد المواجهات أو تكثف السياسات القسرية، فينعكس ذلك في تغييرات سريعة في
التوزيع السكاني، ويؤدي إلى تعميق الاختلالات في البنية الديموغرافية. وتندرج ضمن
هذا المسار التحولات التي تدفع نحو نزوح واسع أو إعادة توزيع قسري للسكان، بما
يعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية في زمن وجيز.
أما السيناريو الثالث، فيفترض استمرار
ارتفاع الخصوبة في المجتمع الفلسطيني، بما يفضي إلى تحولات في الميزان العددي على
المدى الطويل، ويعزز الحضور السكاني في عدد من المناطق. ويتصل هذا المسار
بديناميات داخلية تملك قدرة تراكمية، تظهر آثارها في أفق زمني ممتد، وتؤثر في
طبيعة التوازنات السكانية.
ويتعلق السيناريو الرابع بإمكان التوصل إلى
تسوية سياسية تعيد تنظيم التوزيع السكاني، وتخفف من حدة التوتر القائم، ضمن
ترتيبات جديدة تضبط العلاقة بين السكان والمجال. ويرتبط تحقق هذا المسار بإرادات
سياسية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات داخلية وإقليمية ودولية، ما يجعله رهين
توازنات يصعب ضبطها.
وتتحدد قيمة هذه السيناريوهات من خلال ما
تكشفه من تفاعل بين العوامل السكانية والسياسية والأمنية، داخل بيئة متحولة تؤثر
في مسارات الصراع. وفي هذا الإطار، تظل الديموغرافيا عنصرًا حاسمًا في مختلف
الاحتمالات، إذ تمثل قاعدة مادية تتقاطع عندها الخيارات السياسية والاستراتيجية.
وتستمر السياسات السكانية في أداء دور مركزي، بما تنطوي عليه من قدرة على توجيه
الاتجاهات الديموغرافية، فيبقى المستقبل مفتوحًا على تنافس دائم حول إعادة تشكيل
الواقع السكاني والجغرافي.
ـ 6 ـ
يضبط الباحثان جمال البابا وهاني طالب
إطارًا نظريًا يقوم على اعتبار صراع الهيمنة الحضارية عملية متحركة تتبدل صورها
بتبدل السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية، وتتشكل عبر آليات تتجاوز
المجالين العسكري والاقتصادي لتطال بنية المجتمع وإعادة تنظيمه.
وفي هذا الأفق، يتخذ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي
بعدًا ديموغرافيًا حادًا، يتجسد في ما يمكن تسميته بصراع الهندسة السكانية، بما
ينطوي عليه من سياسات موجّهة تعيد تشكيل الواقع البشري عبر الهجرة والتهجير وإعادة
التوزيع الجغرافي، وصولًا إلى أنماط من الإزاحة القسرية التي ترتبط بأهداف
استراتيجية محددة. فيقدّم العمل إضافة لافتة من خلال اعتماده إطارًا تحليليًا واضح
المعالم، مدعومًا بوفرة في المعطيات السكانية، ويستند غالبا إلى المنهج التاريخي
في تتبع تشكّل الميزان الديموغرافي وتحولاته. ويُفضي هذا البناء إلى إبراز مفهوم
"التفوق العددي" بوصفه مقصدًا استراتيجيًا يتحكم في سياسات الطرفين،
ويعيد توجيه أدوات الفعل السكاني بما يخدم إعادة تشكيل التوازنات داخل المجال.
ولكن لا يخلو هذا الجهد من حاجة إلى تعميق
نتائجه. يظهر ذلك في الامتداد النسبي للمدخل النظري، الذي يتأخر فيه ربط المفاهيم
بالحالة الفلسطينية، فيضعف التوتر الإشكالي في الصفحات الأولى. ويبرز أيضًا في
حضور المعطيات الرقمية دون استثمار كافٍ في تحليل آثارها السياسية والاجتماعية، ما
يحجب بعض إمكانات التأويل التي تتيحها الأرقام داخل بنية الصراع. ويضاف إلى ذلك
تفاوت في توزيع الاهتمام بين السياسات الإسرائيلية ونظيرتها الفلسطينية، فيغيب في
بعض المواضع تفصيل كافٍ لإمكانات الفعل الديموغرافي الفلسطيني وحدوده ضمن الشروط
القائمة.
ويمتد هذا الأثر إلى بعض المقاطع التي يغلب
عليها السرد، فتتراجع فيها كثافة التفكيك النقدي لصالح
العرض التوثيقي، مع ما
يترتب على ذلك من تقليص في إبراز العلاقات العميقة بين الوقائع التاريخية
والتحولات السكانية. ومع ذلك، يظل العمل قادرًا على فتح أفق تحليلي يضع
الديموغرافيا في مركز التفكير في الصراع، ويؤسس لإعادة قراءة موازينه انطلاقًا من
التفاعل بين المعطيات السكانية والسياسات التي توجهها.