لم تعد الكتابة باللغة الأجنبية بالنسبة إلى
كثير من الروائيين العرب مجرد خيار لغوي، بل تحولت إلى جسر ثقافي عبروا من خلاله
نحو العالمية، حاملين معهم أسئلة أوطانهم وهموم مجتمعاتهم وذاكرة المنفى والهوية.
فمنذ بدايات القرن العشرين، نجح أدباء عرب في فرض حضورهم داخل المشهد
الأدبي
العالمي عبر الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، مقدمين أعمالا مزجت بين الحس
الإنساني العميق والتجربة العربية الخاصة.
وفي الفضاء الفرنكفوني تحديدا، برزت أسماء
عربية لامعة استطاعت أن تجعل من اللغة الفرنسية أداة لإعادة اكتشاف الذات والتعبير
عن تعقيدات الواقع العربي، مثل الطاهر بن جلون، وأمين معلوف، وآسيا جبار، وعبد
اللطيف اللعبي، إلى جانب
الكاتبة المغربية ليلى سليماني التي أصبحت واحدة من أبرز
الأصوات الأدبية المعاصرة في فرنسا. وقد نجحت هذه الأسماء في تجاوز الحدود
الجغرافية والثقافية، مقدمة أدبا يلامس القارئ أينما كان، دون أن يتخلى عن جذوره
وأسئلته الأولى.
منذ عقود، استطاع عدد من الروائيين العرب،
والمغاربة على وجه الخصوص، أن يشقوا طريقهم إلى العالمية عبر الكتابة بلغات
أجنبية، وفي مقدمتها الفرنسية، التي تحولت لدى كثير منهم من مجرد أداة تعبير إلى
فضاء رحب لإعادة طرح أسئلة الهوية والمنفى والذاكرة. وقد برزت أسماء مغربية عديدة
نجحت في صناعة نجوميتها الأدبية خارج الحدود، مستفيدة من التعدد اللغوي والثقافي
الذي يميز التجربة المغربية الحديثة، حيث تداخل الإرث العربي والأمازيغي مع
التأثير الفرنكفوني في تشكيل حساسية أدبية خاصة.
وفي هذا السياق، تمثل الروائية الفرنسية ـ المغربية
ليلى سليماني نموذجا بارزا لهذا الجيل من الكتّاب الذين استطاعوا الوصول إلى
القارئ العالمي دون التخلي عن انشغالاتهم العربية والمغاربية. فكتاباتها، رغم
صدورها بالفرنسية، تنبض بأسئلة المجتمع المغربي والعلاقات الإنسانية المعقدة
وقضايا الهوية والحرية والهجرة، ما جعلها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة
في فرنسا والعالم الفرنكفوني.
وفي هذا السياق، تمثل الروائية
الفرنسية ـ المغربية ليلى سليماني نموذجا بارزا لهذا الجيل من الكتّاب الذين
استطاعوا الوصول إلى القارئ العالمي دون التخلي عن انشغالاتهم العربية والمغاربية.
فكتاباتها، رغم صدورها بالفرنسية، تنبض بأسئلة المجتمع المغربي وقضايا الهوية
والحرية والهجرة والعلاقات الإنسانية المعقدة، ما جعلها واحدة من أبرز الأصوات
الأدبية المعاصرة في فرنسا والعالم الفرنكفوني.
ومع اتساع حضورها الأدبي والفكري في السنوات
الأخيرة، باتت سليماني حاضرة أيضا في النقاشات الأوروبية المتعلقة بالهوية والتعدد
الثقافي وصعود الشعبوية.
وفي هذا الإطار، نشرت صحيفة "الغارديان"
البريطانية أمس الأربعاء حوارا مطولا معها، تحدثت فيه عن علاقتها بالكتابة والفن،
ورؤيتها للتحولات السياسية والثقافية التي يشهدها العالم، مؤكدة أن الأدب يظل
المساحة الأقدر على حماية التعقيد الإنساني والاختلاف في عالم يزداد استقطابا.
تقول ليلى سليماني إن الكتابة الحقيقية تشبه
الحب، "تُمارَس في الظلام ولا تحتاج إلى كثير من الكلام"، مؤكدة أن
الأدب بالنسبة إليها يظل "سلاحا ضد التعصب والدوغمائية والغباء".
وتحدثت سليماني عن تجربتها الجديدة داخل
متحف برادو في العاصمة الإسبانية مدريد، حيث تقيم ضمن برنامج "الكتابة في
البرادو"، الذي يستضيف كتّابا عالميين لإنجاز أعمال مستوحاة من لوحات المتحف
وأجوائه الفنية.
وأوضحت سليماني أنها وجدت نفسها منجذبة بشكل
خاص إلى لوحات الرسام الإسباني فرانسيسكو غويا السوداوية، خاصة سلسلة "اللوحات
السوداء" التي رسمها في أواخر حياته، مضيفة أن غويا "لم يرسم الماضي أو
الحاضر، بل رسم المستقبل وما نعيشه اليوم".
وقالت: "هناك شيء عميق في نظرته
المتشائمة إلى المجتمع بعد سنوات من الثورة الفرنسية، أشعر أنني مرتبطة بذلك كثيرا"،
معتبرة أن الفن الحقيقي يكشف ما يعجز الآخرون عن رؤيته.
وتُعرف سليماني، المولودة في الرباط عام
1981، بأعمالها التي تتناول التناقضات الاجتماعية وقضايا الهوية والجسد والسلطة.
وحققت شهرة عالمية بعد فوز روايتها “أغنية هادئة” بجائزة غونكور الفرنسية عام
2016، لتصبح أول امرأة مغربية تنال الجائزة الأدبية الأشهر في فرنسا.
وفي
الحوار، استحضرت سليماني تجربة اعتقال
والدها، الوزير والمصرفي المغربي السابق، على خلفية قضية مالية قبل أن تتم تبرئته
بعد وفاته، مشيرة إلى أن "الرغبة في استعادة العدالة للمظلومين" كانت من
أبرز دوافعها نحو الكتابة.
وأضافت: "الأدب هو أفضل وسيلة لمنح
الناس الذين لم يُفهموا أو لم يُنصت إليهم فرصة للعدالة"، معتبرة أن الروائي
يستطيع النفاذ إلى أعماق النفس البشرية وكشف تناقضاتها.
كما تحدثت عن ثلاثيتها الروائية الأخيرة "بلاد
الآخرين"، التي تناولت فيها تاريخ عائلتها وأسئلة الانتماء والهجرة
والاقتلاع، موضحة أن الهجرة لا ينبغي أن تتحول إلى حنين دائم للماضي، لأن "النوستالجيا
قد تكون سُمّا".
وفي معرض حديثها عن صعود اليمين المتطرف في
أوروبا، رأت سليماني أن القارة تعيش "نوعا جديدا من العنصرية" يقوم على
الخوف من "التلوث الثقافي" وفقدان الهوية، مضيفة أن الخطاب الشعبوي بات
يهيمن على المجال العام في فرنسا وبريطانيا وغيرهما.
كما انتقدت الكاتبة المغربية توظيف مواقفها
من الإسلاميين أو قضايا الحريات الفردية من قبل أطراف سياسية في الغرب، قائلة: "أحيانا
يشعر المرء بأنه يُستَخدم من أشخاص ليسوا أصدقاءه".
وأكدت رفضها اختزال هويتها في صورة "المرأة
العربية الجريئة"، مضيفة: "أنا فقط نفسي.. لست أيقونة". وشددت على
أن العالم "ليس أبيض وأسود"، وأن الأدب يظل المساحة الأقدر على حماية
التعقيد والاختلاف الإنساني.
وتقيم سليماني حاليا في لشبونة مع زوجها
وطفليها، وتقول إن الحياة العائلية وكثرة التنقلات جعلت من الصعب عليها إيجاد وقت
للتأمل والكتابة، لذلك وصفت إقامتها في متحف البرادو بأنها فرصة نادرة لاستعادة
العزلة والتركيز، مؤكدة أن الكتابة بالنسبة إليها تظل الوسيلة الأهم لفهم العالم
ومواجهة تناقضاته.