كنت عندما خلعت ملابسي، لاستبدالها بملابس الإحرام، كمن يخلع «كل رتب الدنيا وألقابها مع ثيابي»، وعندما بدأت التلبية: «لبيك اللهم لبيك» أدركت أنها لم تكن مجرد كلمات، بل «صرخة وجود، تعيدني إلى فطرة آدم»، هكذا كتب المفكر والدبلوماسي الألماني الذي اعتنق الإسلام، ويلفريد أو مراد هوفمان، في كتابه «رحلة إلى مكة».
رحلة جسد مقصود بها حراك روح، لتجاوز المقيد إلى المطلق، وتجاوز الصور والرسوم، إلى المعاني والقيم، إنها «ولادة روح»، على حد وصف الصحافي والمفكر النمساوي الذي اعتنق الإسلام، ليوبولد فايس، أو محمد أسد، في كتابه «الطريق إلى مكة»، حيث السفر الخارجي تجسيد للسفر الداخلي الذي ينتهي بصاحبه إلى الله، إذ خلف الطريق المادي المؤدي إلى مكة طريقة روحية تؤدي إلى الله.
يحكي مراد هوفمان الذي عمل سفيراً لبلاده في الجزائر عن سائق تاكسي جزائري فقير، تبرع لزوجة هوفمان بالدم، بعد أن عانت من نزيف حاد، حيث بدأ بالتساؤل: لماذا ينقذ هذا المسلم البسيط حياة زوجة رجل غربي، مع ما عاناه الجزائريون من ظلم وجبروت، يقول هوفمان: «في ذلك اليوم فهمت أن الإسلام يبني أخوة تتخطى الدين»، وهو هنا يقصد أن الإسلام دين إنساني، لا يعترف بالأديان التي تمزق الناس إلى أعراق ومذاهب وعصبيات، تذوب في رحلة
الحج التي غيرت مجرى حياة هوفمان، بشكل جذري.
وفي الوقت الذي يذهب من يريد راحة الجسد إلى أماكن الاستجمام والراحة، فإن مكة، ذلك البلد الحار غالباً، لا تصلح وجهة لرحلة استجمام، بل لقد تم اختيارها بعناية، لتكون وجهة المسافرين الاستثنائيين الذين يتوجهون إلى مكان لا يرتاح فيه الجسد، بل تكون الرحلة إليه روحية خالصة، لا ينوي القيام بها إلا أولئك الذين يسافرون إلى الأحلام البعيدة التي يتم العبور إليها، لا على شواطئ البحار، ولكن عبر التضاريس الوعرة.
وفي أسماء المشاعر المقدسة ما يشير إلى تجاوز المظاهر المادية للحج إلى ثماره الروحية الهائلة، إذ إن الوقوف بعرفة هو تجلٍ للوقوف على معرفة الله، حيث يقف الخلق على صعيد واحد تتجلى لهم فيه، أو على الأقل لبعضهم، أنوار الحقيقة الإلهية التي تلامس أرواحهم، فيتحولون إلى خلق جديد، «كيوم ولدتهم أمهاتهم»، وهذه هي حقيقة الفطرة الأولى، أو «فطرة آدم»، على رأي هوفمان.
ثم نأتي إلى «جمرة العقبة»، حيث يرجم
الحجاج رموز الشيطان بالحصى، وهي عملية روحية، لا علاقة لها بفهم المنتقدين الذين يرون أنها أحد مظاهر المادة، إذ إن رمي «جمرة العقبة» يشير إلى محاولات الروح تجاوز «عقبة الجسد» ونزواته، للانطلاق إلى عالم فسيح، بلا عقبات، ولا قيود، بل فضاءات واسعة تتقلب فيها الروح، في طريقها إلى معرفة الله، في
عرفة.
هذه المعاني هي المعاني ذاتها التي تعكسها كلمة «مزدلفة» التي يزدلف منها الحجيج لرمي جمرة العقبة، في إشارة لازدلاف الروح إلى مديات أوسع، بعد «الحشر» الكبير، على صعيد عرفة الذي يشبه مشهد «يوم الحشر»، حين يبعث الخلق إلى خالقهم فيعرفونه، معرفة يقينية، بعد التعرف عليه في عرفات.
إن صعيد عرفة هو البقعة من الأرض التي تقترب في تفاصيلها الروحية من «عرصات القيامة»، حيث الناس متساوون، وقد ذابت بينهم الفوارق الطبقية والعرقية، تماماً، كما ذابت المسافة بين الروح والجسد الذي تحول إلى حرم طاهر مقدس، يليق بمقامات الروح.
يأتي التحلل من ملابس الإحرام بحلق الشعر أو تقصيره، وقص الأظافر، للإشارة إلى طي مرحلة ماضية، وإلى ولادة جديدة، مع نهاية رحلة الروح في مكة
ويأتي لباس الإحرام ليعكس بياض الروح التي تتهيأ للانتقال لمقام أعلى، في لباس لا يختلف عن «الكفن» الذي يشير إلى الانتقال لعالم آخر، تتهيأ معه الروح للقاء الحق ومعرفة الله، حيث يعلمك الحج أن الموت مجرد رحلة تتخلص فيها الروح من أعباء الجسد.
ثم يأتي التحلل من ملابس الإحرام بحلق الشعر أو تقصيره، وقص الأظافر، مع نهاية الرحلة، للإشارة إلى طي مرحلة ماضية، وإلى ولادة جديدة، مع نهاية رحلة الروح في مكة، حيث البلد حرم، والزمان حرم، وحتى الجسد حرم، لأنه يمتنع عن ممارسة رغباته، ليصبح كعبة طاهرة، تتهيأ لتلقي الفيوضات الربانية، التي تلمع مع شفافية الروح في قلوب «المخبتين»، حسب التعبير القرآني.
ومع كل تلك المعاني الواضحة، ومع أن البشر بحاجة إلى معالم مادية تشير إلى الروح، ومشاعر أرضية تومئ إلى السماء، دون الوقوف عليها، وحصر المعنى فيها، مع كل ذلك ينتقد كثير ممن حصروا فهمهم على الماديات، ينتقدون شعائر الحج، ويرون فيها بقايا من طقوس وثنية، وهذه نظرة من لم ير إلا الصورة الظاهرية، ولم يصل إلى حقيقة «أننا نصل إلى الروح عبر الجسد»، حيث تعكس المشاعر والشعائر رموزاً تنفتح على عالم لا ينتهي من المعاني والدلالات العميقة التي يصعب على من لم يعشها أن يتناولها أو يفهمها.
إنه الحج، تجربة الروح، ولا يمكن لتجارب الروح أن تصل إلى من ثبت عينيه على حجر أسود، دون أن يدرك ما وراء ذلك من تواريخ وأحداث، وقيم ومعانٍ، وأنبياء ورسل، ومصلحين وعلماء، مروا من هناك، وتركوا وراءهم أرواحاً تلهم السائرين على الدرب.
الغريب أن الذين ينتقدون طقوس الحج الإسلامي لا ينتقدون الطقوس المادية الظاهرة في مواسم الحج عند غير المسلمين الذين يحجون إلى جبال ومبان وأمكنة وطرق، وأضرحة وقبور، دون أن يتحدث المنتقدون عن وثنية تلك الطقوس التي ينفيها مراد هوفمان الذي قال عن الكعبة: «هذا المكعب الأسود يسحب الأرواح كما يجذب المغناطيس الحديد».
ولكي ينتفي الفهم المادي، أو الوثني للحج، جاءت الآية 37 من سورة الحج، عن «البُدن» التي «لن ينال اللهَ لحومُها، ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم»، في إشارة إلى أن كل مظاهر الحج التي تبدو مادية يجب أن ترتبط بمعنى التقوى، وهي مرتبة الأرواح التي تصل إلى الضفة الأخرى، في سكينة وأمن وسلام.
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.