سايكس بيكو الثانية… العرق والدين عوامل تقسيم

محمد جميح
أرشيف
أرشيف
شارك الخبر
برنارد لويس الفيلسوف الأمريكي اليهودي المولود في لندن وضع خطة لتقسيم الدول العربية والإسلامية إلى مكوناتها الدينية والعرقية، خطة أطلق عليها البعض «سايكس بيكو الثانية»، لأن لويس يرى أن اتفاقية سايكس بيكو الأولى هي سبب كثير من المشاكل اليوم، في دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية، حيث إن خرائط ذلك الاتفاق جمعت مكونات مختلفة دينياً وعرقياً، ضمن دول غير منسجمة، وبالتالي، لا بد من تصحيح هذا الخطأ، بمزيد من التقسيم.

يرى لويس أنه ينبغي تجاوز سايكس بيكو التي هيأت لإنشاء دول عربية وإسلامية بمكونات دينية وعرقية مختلفة، وأنه ينبغي إعادة تقسيم هذه الدول، وفقاً لتلك المكونات، من أجل أن تقوم دول جديدة على أسس عرقية وطائفية، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لإبقاء شعوب المنطقة بعيدة عن التسبب في الأذى للعالم المتحضر، لأن هذه الشعوب إذا تركت وشأنها فسوف يصل شرها إلى بلدان الحضارة الغربية.

يقول لويس: إن «العرب والمسلمين فاسدون ومفسدون ويميلون للفوضى، ولا يمكن أن يتحضروا»، وأنهم «إذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات».

يتكئ لويس على نظرة استشراقية متجذرة، لم تحاول تجاوز الموروث الاستشراقي الذي أسس لتنميطات مختلفة في الميديا والدراما والأفلام والسياسة والثقافة، حيث جرى توصيف شعوب البلدان العربية والإسلامية، على أساس من «الصور النمطية» التي ظلت آلة الاستشراق الغربي تضخها في المخيال الغربي عن العرب والمسلمين.

والحل من وجهة نظره يكمن في: «أنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية على أسس عشائرية وطائفية»، ويرى أنه «لا داعي لمراعاة خواطرهم (العرب والمسلمون) أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم».

وتقوم خطة التقسيم تلك على إذكاء الصراعات العرقية والطائفية، ومن ثم دعم التمرد وحركات الانفصال في البلدان العربية، وترك المنطقة لمصير الاحتراب الأهلي، إلى أن تصل مكونات تلك المجتمعات إلى قناعة تامة بأن التقسيم هو الحل، وأنه سيجلب السلام بين مكونات المجتمع، وأن البقاء ضمن دولة واحدة أصبح هو المشكلة، وأنه سبب كل الصراعات والحروب. وعند عدم التوصل إلى قناعات بأن الانفصال هو الحل، أو عند صعوبة تحقيق التقسيم يرى لويس أن التقسيم ينبغي أن يفرض بالقوة، دون مراعاة للانفعالات وردود الأفعال.

وينطلق لويس في تصوراته تلك من قاعدة استشراقية صلبة، كما ذكرنا، ويسعى إلى تصويب ما يرى أنه خطأ تاريخي أقدمت عليه بريطانيا وفرنسا باعتماد هذين البلدين التقسيم الحدودي المعاصر للدول العربية والإسلامية، حيث يرى لويس أن على الغرب اليوم، والولايات المتحدة تحديداً تصحيح هذا الخطأ بإعادة التقسيم على أساس المكونات الدينية والعرقية لمجتمعات العرب والمسلمين.
شملت سايكس بيكو الجديدة معظم دولنا في الشرق الأوسط

وقد نشأ على هذه الأفكار أجيال من اليمينيين والمحافظين في الغرب، وليست الإشكالية في كون ما طرحه لويس مجرد أفكار أكاديمية خاضعة للنقاش، لكن الإشكال في كونها دعوة لفرض التقسيم والانفصال بالقوة، وتكمن الخطورة في كون أعداد متزايدة من المؤمنين بهذه الأفكار أصبحوا في مراكز نفوذ داخل مؤسسات السلطة في عدد من الدول الغربية، وهو ما يعني خطورة فرض تلك الأفكار بالقوة، بعد التهيئة لها بسلاسل من الحروب والصراعات التي تؤدي إلى إضعاف الدولة الواحدة، ومن ثم فرض تقسيمها بالقوة إن لزم الأمر.

لقد شملت «سايكس بيكو الجديدة» معظم دولنا في الشرق الأوسط، حيث نرى اليوم محاولات واضحة لفرض هذه الخطة في عدد من البلدان العربية مثل اليمن والسودان والصومال وسوريا والعراق وليبيا، هذه المحاولات بطبيعة الحال لن تنتهي عند تلك الدول، حيث تهدف – في خطوة لاحقة – لتطويق دول عربية أخرى مجاورة لدول الصراعات والحروب، ليصبح ما يجري في بلدان الصراع خطراً محدقاً على البلدان المجاورة التي يراد لها اللحاق بالمخطط، في مرحلة لاحقة.

لم يعد الأمر من قبيل نظريات المؤامرة، نظريات المؤامرة مبنية على الأوهام والأكاذيب والشكوك، لكن ما نتحدث عنه هنا هي خطط حقيقية منشورة، ويتم الحديث عنها بجرأة كبيرة. ثم إننا اليوم نرى الخطة تسير بإحكام لتفتيت بلداننا، ونقرأ كل يوم لكتاب في أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل يدعمون خطط التقسيم تلك، بل ونقرأ لكتاب عرب يمجدون التقسيم ويدعمون حركات الانفصال بأكثر مما يفعل نظراؤهم الغربيون والإسرائيليون، بعد أن أصبحت أفكار برنارد لويس قناعات لدى أفراد ومؤسسات دولية، وبعد أن أصبح لتلك الأفكار شركات علاقات عامة دولية، تعمل على تكريسها واقعاً، للأسف الشديد.

إن تسويق مثل هذه الأفكار بمسميات براقة مثل: حق تقرير المصير واحترام إرادة الشعوب، والحرية والاستقلال، وبوعود الاستقرار والسلام والرخاء والتقدم والتنمية، وإن إغفال مبادئ أساسية في ميثاق الأمم المتحدة تؤكد على رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام السيادة ووحدة التراب الوطني، كل ذلك مقصود من أجل تهيئة الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي، لتقبل تلك الأفكار التي لا تنبع خطورتها من مجرد التقسيم والانفصال، ولكن تلك الخطورة تأتي من كون تلك الدعوات ما هي إلا أسباباً حقيقية لسلاسل من الحروب والصراعات المستقبلية التي يعلم المخططون لها أنها الوسيلة الوحيدة لإبقاء المنطقة ضعيفة مفتتة، من أجل الهدف الأكبر الذي لا تكون إسرائيل بموجبه أقلية في العالم العربي والإسلامي، بل تكون دولة عرقية ودينية، ضمن دول كثيرة عرقية وطائفية.

وفي هذه الحال لن تكون إسرائيل نشازاً في المنطقة بل ستكون اللون المنسجم مع بقية الألوان العرقية والدينية في منطقة يراد لها أن تظل تابعة للأطماع الدولية، ويراد لإسرائيل أن تكون حارسة تلك الأطماع، وذلك من خلال تمكينها من أن تغدو هي الأقوى في الإقليم: سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكريا.
أفلا تعقلون؟

القدس العربي
التعليقات (0)

خبر عاجل