مقالات مختارة

"غزوة حضرموت"… السرديات والمآلات

محمد جميح
جيتي
جيتي
شارك الخبر
خلال السنوات الماضية كانت الدعاية الإعلامية للمجلس الانتقالي الجنوبي الداعي إلى تقسيم اليمن، أو ما يسميه «فك الارتباط»، كانت تلك الدعاية تركز على تكتيك «صناعة المظلومية»، قبل أن تنتقل من هذا التكتيك إلى تكتيك آخر هو «محاربة الإرهاب»، واللافت أن هذين التكتيكين هما ذاتهما التكتيكان اللذان وظفتهما الدعاية الإعلامية للحوثيين في شمال البلاد.

في محافظة صعدة، ومنذ عام 2004 اشتغل التمرد الحوثي – حينها – على صناعة المظلومية، وأضاف إلى صناعته عناصر تاريخية، وتحت هذا الشعار حشد ضد النظام «الظالم»، وظل يوظف هذا التكتيك إلى أن وصل إلى صنعاء. بعد اقتحام صنعاء، وقبل ذلك بفترة وجيزة، تبنى الحوثي شعاراً آخر، هو «الحرب على الإرهاب»، واصماً من انقلب عليهم بـ»الدواعش والقاعدة والتكفيريين»، ومضى يتوسع، تحت غطاء الحرب على «الداوعش التكفيريين»

سار الانتقالي الجنوبي على المنوال ذاته، إذ تبنى «المظلومية الجنوبية»، شعاراً، لتحقيق أهداف سياسية، في السلطة والثروة، ثم لما سيطر المجلس الانتقالي على عدن، بدأ تغيير تكتيكاته وشعاراته، وكما ركب الحوثي موجة الحرب على الإرهاب، ركب الانتقالي الموجة ذاتها، وأخذ يتوسع في المحافظات الجنوبية والشرقية، تحت شعار ملاحقة «الإرهابيين والقاعدة والإخوان المسلمين»، في تشابه يصل حد التطابق من حيث التكتيكات، بين «الانفصاليين الطائفيين» في الشمال، و»الانفصاليين المناطقيين» في الجنوب.

وكما تهاوت سرديات الحوثي، تتهاوى اليوم سرديات الانتقالي، بشكل متطابق، إذ أنه بالنسبة لدعاوى المظلومية في المحافظات الجنوبية والشرقية فإنها لم تعد مستساغة، بعد أن سقطت تلك الذريعة، وإذا كان من مظلومية اليوم في تلك المحافظات، فإنها مظلومية يتحملها من يدير هذه المحافظات، ويسيطر عليها، حيث لم يعد مستساغاً تحميل الوحدة أوزار المظالم الكبيرة التي يعانيها أبناء تلك المحافظات اليوم.

وأما «ملاحقة الإرهابيين» فإن القوات التي اقتحمت حضرموت والمهرة لم تعرض علينا أياً من العناصر والقيادات «الإرهابية» التي ذهبت لقتالها، ولكنها قتلت وأسرت جنوداً وضباطاً من قوات الجيش اليمني في حضرموت، وأطلقت سراح من أسرت فيما بعد. فإذا كان الأسرى عناصر إرهابية، فإن الانتقالي يتحمل مسؤولية إطلاق سراحهم، وإذا كانوا غير ذلك فإن الانتقالي مسؤول عن الدماء التي سفكها هناك.

وبعيداً عن تهاوي سرديات الانتقالي، تجدر الإشارة هنا إلى أنه مارس كذلك الممارسات ذاتها التي كانت بالنسبة له تهماً يوجهها ضد الدولة اليمنية، ومن تلك التهم «فرض الوحدة بالقوة»، ومنها مصادرة «حق تقرير المصير» للجنوب، وكذا «تكفير الجنوبيين، واستحلال دمائهم». كانت تلك – ولا تزال – تهماً يوجهها الانتقالي لدولة الوحدة، غير أنه عندما اقتحمت قواته محافظتي حضرموت والمهرة، أعلنت أنها تقاتل للحفاظ على «وحدة الجنوب»، وهو ما يعني فرض الوحدة بالقوة، وعندما بدأت بعض الأصوات في الشرق – كرد فعل – تتحدث عن «حق تقرير المصير لحضرموت»، اتهم الانتقالي تلك الأصوات بـ»العمالة والعداء للجنوب»، والأدهى من ذلك أن أحد شيوخ «السلفية الانتقالية» خرج بفتوى تقول إن من يقاتل ضد الانتقالي في حضرموت، فإن حكمه «حكم الخوارج الذين خرجوا عن الإسلام والمسلمين»، وبذا يكون الانتقالي قد مارس – تماماً – ما اتهم غيره بممارسته ضد الجنوب في الماضي.

واليوم، وإذ نشهد تفكك سردية الانتقالي بشكل فاضح، فإن ما يجري ليس – كما يزعم دعاة التقسيم – محاولات لفرض الوحدة بالقوة، ولكنها بالأحرى محاولات لفرض الانفصال بالقوة، حيث يشهد الجميع كيف استخدم السلاح لفرض أمر واقع في محافظات جنوب وشرق البلاد، عدا عن تساقط سرديات المظلومية والإرهاب، و»حرمة الدم الجنوبي»، وغيرها من شعارات.

ومع كل ما يمكن أن يوجه للانتقالي من انتقاد إلا أن اللوم فيما جرى لا يقع في حقيقة الأمر على الانتقالي وحده، ولكنه يقع كذلك على نخب يمنية أدمنت «فقه النكاية»، ووظفت الثوابت كتكتيكات في معارك طواحين الهواء والمكايدات التي أدت إلى سقوط عاصمة الدولة في يد ميليشيا طائفية، ومن ثم سقوط الدولة، وتمزق النسيج المجتمعي. لقد وجدنا – خلال السنوات الماضية – من كان مع الوحدة ثم تحول مع التقسيم، وآخرين كانوا مع التقسيم عادوا إلى معسكر الوحدة، ورأينا من حاول خداع نفسه بأنه يمكن أن ينتصر على الحوثيين إذا تحالف مع دعاة التقسيم.

وذهب البعض إلى أنه يمكن الحفاظ على الوحدة بالتحالف مع الحوثيين، متجاهلين حقيقة واضحة، وهي أن الانقلاب في صنعاء هو مشروع تمكين للتقسيم في عدن، وأن التقسيم هو مشروع تمكين للانقلاب في صنعاء، وأن مواجهة خطر «الانفصال الطائفي» في الشمال لا تكون بإقرار «الانفصال الجغرافي» في الجنوب.

أما بالنسبة لقطاع من السذج الذين يعتقدون أن أي طرف خارجي يسعى لتقسيم اليمن، أنه إنما يسعى لأجل أن يمنحهم استقلالاً، فهم لا يدركون أن الهدف من محاولات تقسيم اليمن هو ذاته الهدف من محاولات تقسيم السودان والصومال وليبيا وسوريا، وهذا الهدف في اليمن مرتبط بمحاولات السيطرة على الجزر والموانئ اليمنية، والسعي للتحكم بالممرات المائية الدولية، والإضرار بالأمن القومي العربي، في خاصرته الجنوبية، كما أن ما جرى لا علاقة له بطموحات بعض الطامحين في الجنوب أو الشمال، ولكنه مرتبط بسياسات إقليمية تشكل خطراً على أمن دولتين عربيتين مهمتين، هما مصر والسعودية، خاصة إذا ما ربطنا ما يجري في اليمن بما جرى ويجري في الصومال والسودان وليبيا.

وفيما يخص مآلات الأحداث، بعد إعلان الإمارات الانسحاب من التحالف، وبعد إلغاء الرئيس اليمني رشاد العليمي «اتفاقية الدفاع المشترك»، لا يبدو أن الانتقالي سيستمر في تصعيده، وهو إن تجنب التصعيد وأعاد قواته إلى مواقعها السابقة فسيكون بذلك قد حافظ على قوته، وهي قوة ضرورية، لتحقيق التوازن اليمني المطلوب، وهو التوازن الذي سيضمن للانتقالي لا أن يستمر في أحلام التقسيم، ولكن أن يشارك من موقع قوة في إعادة صياغة شكل الدولة اليمنية الواحدة، وهنا سيكون الانتقالي قد قدم الخدمة الأكبر لليمنيين شمالاً وجنوبا.

أخيراً: قد لا يكون ما جرى شرق اليمن أزمة، قدر ما هي فرصة للمراجعة. الكل أخطأ، والكل ينبغي أن يراجع خطأه، وبين أن يكون ما جرى أزمة تقود لحرب – لا سمح الله – أو فرصة تؤدي لاتفاق – بإذن الله- بين الأزمة والفرصة شعرة دقيقة، لا يدركها إلا العقلاء، وهم كثيرون، إذا أتيحت لهم الفرصة، وأصغت لهم الآذان والقلوب.

القدس العربي
التعليقات (0)