جزيرة الشيطان…جولة في وثائق إبستين

محمد جميح
جيتي
جيتي
شارك الخبر
رؤساء دول، رجال أعمال، نافذون، ممثلات، عارضات أزياء، فتيات علاقات عامة، سماسرة مال وسلطة وجنس، نساء ورجال، ربطات عنق أنيقة، وبدلات لامعة، وفساتين سهرة أعدت للأناقة والفخامة والسهر المريب، في جزيرة غامضة في البحر الكاريبي، تحولت إلى ملكية خاصة.

ومن داخل أروقة وزارة العدل الأمريكية تسرب أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة مما بات يعرف بـ”وثائق إبستين” التي كشف عن عالم مريب، محاط بالأسرار، ومكتنز بالشذوذ والطقوس الشيطانية المرعبة.
بطل تلك الوثائق هو جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي اليهودي (غالباً ما لا يتم ذكر ديانته، لأسباب معروفة) الذي وجهت له تهم جسيمة من حجم ممارسة الجنس مع قاصرات، ناهيك عن جرائم الاتجار بالجنس التي كان يمارسها لصالح مشاهير المال والأعمال والسياسة، حسبما كشفت تلك الوثائق.

أما إبستين فقد ألقي القبض عليه، ووجهت له تهم عديدة، وظل في مركز احتجاز أمريكي إلى أن وجد منتحراً في سجنه، عام 2019، وهو الحدث الذي تم التشكيك في كونه انتحاراً، قدر ما هو عملية اغتيال من قبل أطراف رأت أن بقاءه على قيد الحياة سيعرض مستقبلها المالي والسياسي وشهرتها العالمية للخطر، وربما يزج بها في السجن، حسب بعض الروايات.

وقبل وفاة إبستين بعشر سنوات، في 2009، تظهر غابرييلا ريكو خيمينيز، وهي عارضة أزياء مكسيكية داخل فندق فاخر في مدينة مونتيري، في حالة انهيار عصبي ونوبة هلع شديدة، بعد حضورها حفلاً ضم شخصيات من النخبة.
كانت تصرخ :
“إنهم يأكلون لحوم البشر… رائحة لحوم البشر كريهة… لقد قتلوا صديقتي”.

كلام مرعب كانت غابرييلا تتلفظ به وهي في حالة أقرب إلى الهذيان، بعد صدمة نفسية عنيفة، تعرضت لها، أثناء سهرة باذخة في ثرائها المادي، وتختمها الجسدية، وبعدها اختفت عارضة الأزياء تمامًا، عقب انتشار مقطع الفيديو الذي ظهرت فيه منهارة، تهذي بعبارات بعضها غير مفهوم، الأمر الذي أبقى مزيداً من الشكوك حول طبيعة عمل إبستين.

فيما بعد ظهرت وثائق تُشير إلى ممارسات شبيهة بما كانت تصرخ به العارضة خيميتيز، من بينها ادعاءات تتعلق بطقوس غريبة، وأكل لحوم البشر، وقتل أطفال، وممارسة جنس بشكل علني بين نساء ورجال، ونزيف دماء، وقطع أعضاء بشرية، وأوصال لأطفال، وإزالة أمعائهم، واغتصاب رجال ونساء، وطقوس شيطانية لا يمكن أن يصدق عقل أنها تصدر عن بشر، ناهيك عن صدورها عن مشاهير يتمتعون بسمعة دولية واسعة.

يصرخ معلق تلفزيوني: هذا العالم يتحكم به اللصوص، ويقول آخر: لكن العبارة غير مكتملة. العالم يتحكم به السفلة والشاذون، وممارسو طقوس عبادة الشيطان، في عرض أشبه بفلم رعب، ابتكره خيال مؤلف بلغ منتهى الإيغال في الخيال.
هل البحث عن المتعة كان الدافع الوحيد وراء هذه الجزيرة التي أعادت سرديات سينمائية عن جزائر الشيطان الكامنة في المحيطات النائية، وعن كنوزها وأسرارها وطقوسها المريبة المرعبة؟

لكن، هل البحث عن المتعة كان الدافع الوحيد وراء هذه الجزيرة التي أعادت سرديات سينمائية عن جزائر الشيطان الكامنة في المحيطات النائية، وعن كنوزها وأسرارها وطقوسها المريبة المرعبة؟
لا يمكن بالطبع إغفال دور الغريزة في بروز قصة الرعب هذه، ولكن يحدث أن تكون الغريزة مصيدة، ينصبها صياد ماهر يختفي بالقرب، مراقباً دخول “الصيد” داخل مصيدته، قبل أن يحكم إغلاقها، للتحكم بالفريسة التي هي في قصة إبستين ومن وراءه “فريسة مفترسة”، في الوقت ذاته.

تذهب تقارير عدة إلى أن جيفري إبستين كان يعمل جاسوساً لصالح إسرائيل، وأن الغرض من دعوته لزعماء وساسة ورجال أعمال وفنانين وفنانات، والغرض من الممارسات الوحشية التي كان يقوم بها أولئك الذين يطلون علينا بمظهر حضاري، الغرض كان الابتزاز، كوسيلة من وسائل اللوبي الإسرائيلي لتطويع وترويض القيادات السياسية والمالية والإعلامية والبارزة على الساحات المختلفة.
من هنا يُلحظ أن التسريبات المخلة والشائنة تأتي في المواسم الانتخابية، لأغراض محددة.

ويدعم هذا الطرح – أي طرح عمل إبستين لصالح اللوبي الإسرائيلي – كون إبستين لم يكن يملك مؤهلات علنية، ولا مهارات فائقة تؤهله للوصول إلى ما وصل إليه، وإن كان لا يفتقر إلى مهارات أخرى كشفت عنها وثائقه المسربة، مهارات ربما كانت السبب وراء ما وصل إليه من ثراء ونفوذ.

وبغض النظر عن الهدف من إقامة تلك الجزيرة التي تشبه “مغارة الغول”، فإنها وصاحبها وروادها يقومون دليلاً قاطعاً على انحدار مستوى الأخلاق لدى كثير من النخب العالمية، كما تقوم دليلاً على قدرة تلك النخب على التلون والنفاق.

وعلى الرغم من أنه يصعب وضع جميع من اتصل بإبستين في سلة الإدانة، أو في سلة إدانة واحدة، إلا أن ورود أسماء شخصيات عالمية ضمن ملفات إبستين يثير الكثير من الشكوك والشبهات، على اعتبار وجود قرائن، وإن كانت لا ترقى لمستوى أدلة الإدانة، غير أنها تثير الشبهات.

وفوق ذلك فإن التحفظ الرسمي الأمريكي من وزارة العدل على أغلب تلك الوثائق يشير إلى خشية حقيقية لدى المنظومة الرسمية من انهيار الثقة في النخب الأمريكية والعالمية، والخشية من تفجر فوضى عارمة يصعب التكهن بمآلاتها، حال انكشاف الحقيقة عارية. ومن هنا فإن ما نشر حتى اللحظة من هذه الملفات يعد نسبة بسيطة جداً، رغم فظاعة ما تكشف عنه من جرائم، خاصة وأن ما نشر يعد معلومات طفيفة تحتاج إلى اكتمال الصورة، بالكشف عن مزيد من الوثائق أو باللجوء للتحليل والاستنباط.

اللافت في أمر هذه الملفات، والباعث على مزيد من الشكوك أن كثيراً من الأسماء التي وردت في وثائق إبستين أنكر أصحابها علاقتهم به، غير أنهم عندما نشر المزيد من الوثائق اضطروا للاعتراف بتلك العلاقة، مع إصرار على عدم ارتكاب أي من الجرائم الواردة في تلك الوثائق.

بقيت الإشارة إلى أن إبستين وزبائنه ما هم إلا تجلياً لعقود، بل لقرون من محاولات إفراغ الإنسان من روحه، وحصره في جسده، ومن ثم اختصار الجسد، في البطن والأعضاء التناسلية. هذه النظرة للإنسان أسستها – مع الأسف – نظريات لبست ثوب الفكر والفلسفة، وزعمت تحرير الإنسان من قيود الأديان والأخلاق التقليدية، لينطلق الإنسان نحو آفاق تتفجر فيها قدراته وإبداعاته.

وبالفعل فقد انطلق الإنسان الذي تم اختصاره في جسده، انطلق هذا الإنسان، نحو جزيرة إبستين، جزيرة الشيطان التي تعد تجسيداً حقيقياً لثلاثي السلطة والثروة والجنس، ذلك الثلاثي الذي يتحول معه الإنسان إلى حيوان موغل في شهوانيته وشيطانيته.

القدس العربي
التعليقات (0)