وسام النُعمان.. من ترامب لعُمان

عبد الناصر سلامة
"كان ذلك التهديد العلني للسلطنة (بالتفجير)، في إشارة إلى أن العالم يعيش الآن حالة العصور الوسطى، أو المتخلفة، بكامل أركانها"- جيتي
"كان ذلك التهديد العلني للسلطنة (بالتفجير)، في إشارة إلى أن العالم يعيش الآن حالة العصور الوسطى، أو المتخلفة، بكامل أركانها"- جيتي
شارك الخبر
وسام النعمان، من أرفع الأوسمة، التي تمنحها سلطنة عمان، بأوامر سلطانية، لكبار الدبلوماسيين والشخصيات التي قدمت إسهامات مهمة في تعزيز العلاقات مع السلطنة، وعلى الرغم من أن الوسام، وهو من الأوسمة المرموقة هناك، أُنشئ عام 1982 في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، رحمه الله، إلا أنه ما زال يُمنح حاليا في عهد السلطان هيثم بن طارق، ويتكون من ثلاث درجات.. ولا أدري هل المقصود بالنعمان، شخصية النعمان بن المنذر، أشهر ملوك العرب، وآخر ملوك المناذرة في الحيرة قبل الإسلام، أم أحد غيره، أم أنه اسم رمزي ضمن الأوسمة السلطانية.

على أية حال، وفي إطار حديثه عن مضيق هرمز، وحلمه بسيطرة بلاده على إدارته كما أعلن مرارا، جاء تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسلطنة عمان، بـ"تفجيرها!! إذا لم تتصرف كما تتصرف الدول الأخرى" على حد قوله، ليؤكد الاعتقاد السائد عربيا ودوليا، بأن سلطنة عمان دولة مختلفة، لا تُقاد ولا تنحني، ذلك أن مثل هذا التهديد لا يمكن أن يخرج للعلن هكذا، إلا إذا كان قد سبقته في الخفاء رسائل وطلبات عديدة، وبالتالي تهديدات أخرى كثيرة لم تتجاوب معها السلطنة، كعادتها دائما في مثل هذه المواقف والأزمات.

مثل هذا التهديد لا يمكن أن يخرج للعلن هكذا، إلا إذا كان قد سبقته في الخفاء رسائل وطلبات عديدة، وبالتالي تهديدات أخرى كثيرة لم تتجاوب معها السلطنة، كعادتها دائما في مثل هذه المواقف والأزمات

أذكر في عام 1979، وفي أعقاب اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر والكيان الصهيوني، اتخذ العرب قرارهم في قمة بغداد، بقطع العلاقات مع مصر وتعليق عضويتها في الجامعة العربية. وجاء القرار جماعيا، باستثناء السودان والصومال، ومن بين دول الخليج سلطنة عمان فقط، بقيادة حكيمها آنذاك السلطان قابوس، الذي رأى أن علاقات الأشقاء لا تمنحها التدخل في شؤون بعضها البعض، على الرغم من التهديدات القوية التي واجهته في ذلك الوقت، خصوصا من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، رحمه الله، واستمرت هذه القطيعة نحر عشر سنوات متواصلة. ثم يعيد التاريخ نفسه، بعد نحو 35 عاما، في عام 2015، بتشكيل تحالف خليجي للحرب في اليمن، باستثناء سلطنة عمان أيضا، التي ترى أن المشاكل الداخلية في الدول الشقيقة لا تحل بالحروب.

بين هذا الموقف وذاك، استضافت السلطنة مفاوضات شاقة، بين كل من الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي الإيراني، على مدى نحو ثلاثة أعوام، تكثفت اجتماعاتها عام 2013 في عهد الرئيس باراك أوباما، وأسفرت في نهاية الأمر عن ذلك الاتفاق الشهير، في تموز/ يوليو 2015، ليس ذلك فقط، بل استضافت محادثات أخرى هذا العام، وعام 2025 أيضا، ناهيك عن المفاوضات بين الأطراف اليمنية كافة، وبين المملكة السعودية والحوثيين بشكل خاص، وهو ما جعل من العاصمة العمانية مسقط ملتقى للباحثين عن السلام، خصوصا في المنطقة الخليجية، التي تتنازعها القلاقل والمواجهات والأطماع منذ أن من الله عليها بنعمة النفط والغاز.

بالتأكيد، مثل هذا الدور أو ذلك التوجه نحو الإصلاح والوئام، لا يلقى ترحيبا من زعماء الحرب، في أي مكان في العالم، خصوصا أمثال المترنح ترامب وبعض كيانات المنطقة، الذين يرفعون شعار "إما معنا وإما علينا"، على اعتبار أن مصالحهم وأرباحهم لا تتحقق إلا من خلال الحروب والنزاعات والصراعات وسفك الدماء، فكان ذلك التهديد العلني للسلطنة (بالتفجير)، في إشارة إلى أن العالم يعيش الآن حالة العصور الوسطى، أو المتخلفة، بكامل أركانها، ذلك أننا لم نسمع أو نرى أي ردة فعل من أي من الكيانات العالمية التي تتشدق بالقيم والمبادئ والحريات، إلى غير ذلك من شعارات تتوارى الآن خلف الإبادة في غزة، والعدوان على لبنان، والحرب على إيران.

الأهم، هو موقف الدول العربية فرادى من خلال العواصم، التي لم تبد أي امتعاض أو استنكار، أو من خلال ما تسمى جامعة الدول العربية، حيث كان من المفترض أن تنتفض الأمانة العامة للجامعة، بالدعوة إلى قمة عاجلة، لبحث كيفية الرد على ذلك التهديد لدولة استقرار وسلام، كما هو حال مجلس التعاون الخليجي، الذي بدأ أنه استسلم لكل التهديدات من كل صوب، بدليل استقبال بعض قواعده العسكرية قوات ومعدات صهيونية، دون استنكار أيضا، في عملية خيانة واضحة لكل القيم والمبادئ، بل لقضايا العرب المصيرية والتاريخية.

التهديد الصريح والمباشر من رئيس دولة الاستكبار في العالم، لدولة عضو في كل المنظمات الإسلامية والعربية والخليجية، دون أدنى موقف مساند لهذه الدولة من تلك المنظمات، هو مبرر كاف لمزيد من الأطماع في بلداننا من جهة، ومبرر كاف لكل دولة على حدة للبحث عن كيانات جماعية أخرى يمكن الانضمام إليها طلبا للحماية من جهة أخرى، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار الآن، خصوصا من الدول الساعية إلى القيادة، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا وباكستان وغيرها، مع الوضع في الاعتبار أن الأطماع في التوسع والسيطرة أصبحت معلنة، لا تحتاج إلى عناء في البحث والدراسة والتفسير.

سلطنة عمان من خلال تاريخها الحافل بالود مع الأشقاء، كانت دائما نصيرا في الأزمات، كما هو الحال في موقفها المساند لدول المواجهة مع الكيان الصهيوني في حرب 1973، وفي حرب تحرير الكويت عام 1990، وفي تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي 1979-1989، وفي دعم القضية الفلسطينية، وغيرها من القضايا، حتى أن مفتي عام السلطنة، الشيخ أحمد الخليلي، أصبح يشار إليه بالبنان من بين كل علماء الدين في العالم الإسلامي، من خلال مواقفه من القضايا العربية والإسلامية بشكل عام، وتحديه للكيان الصهيوني النازي، والدعم العسكري الأمريكي بشكل خاص.

أعتقد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتهديده الخطير لسلطنة عمان في مثل هذه الظروف، منحها وسام النعمان من الدرجة الأولى، كاعتراف منه، ومن الكيانات الداعمة له في هذا الموقف، بأن هذه الدولة ذات التاريخ العريق تستحق التكريم، وتستحق الإشادة بمواقفها التاريخية والحالية نحو السلام، على خلاف من أطلق عليهم وزير الإعلام الراحل، ذائع الصيت، عبد العزيز الرواس، التائهين في الأرض، أو الباحثين عن دور، الذين عاثوا ويعيثون في الأرض فسادا، وكان عليهم أن يسدّدوا مقابل ما اقترفته أيديهم من سوء، وما سفكته من دماء.. اللهم سلّم عُمان من كل سوء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)