نشرت صحيفة "الغارديان"
البريطانية اليوم قراءة موسعة لأفكار الاقتصادي الأمريكي مردخاي كورتز الواردة في
كتابه الجديد "السلطة الخاصة وتراجع
الديمقراطية"، الذي يقدم تشريحاً
نقدياً للتحولات العميقة التي يشهدها النظام الرأسمالي المعاصر.
ولا يكتفي كورتز بالنظر إلى صعود شركات
التكنولوجيا بوصفه قصة نجاح اقتصادي أو ثورة ابتكار غير مسبوقة، بل يقرأ الظاهرة
باعتبارها تحولاً تاريخياً في بنية السلطة ذاتها؛ إذ إن تركّز النفوذ التقني
والمالي والمعرفي في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد بدأ يتجاوز حدود السوق
ليصل إلى المجال السياسي والثقافي، بما يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الديمقراطية،
وحدود الرأسمالية، والجهة التي ستملك حق تشكيل المجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي.
لم تعد الأسئلة الكبرى في
العالم المعاصر
تدور حول حجم الثروة أو سرعة التقدم التقني فحسب، بل أصبحت تتعلق بطبيعة السلطة
ذاتها: من يمتلكها؟ ومن يراقبها؟ وهل ما زالت الديمقراطية قادرة على إخضاع القوة
الاقتصادية لمنطق الإرادة الشعبية؟ هذه الأسئلة تعود بقوة في أطروحة الاقتصادي
الأمريكي مردخاي كورتز، أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد، الذي يقدم في كتابه
الجديد "السلطة الخاصة وتراجع الديمقراطية" تشخيصاً حاداً للحظة التاريخية الراهنة: تركّز القوة
التكنولوجية في أيدي قلة لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يهدد البنية العميقة للنظام
الديمقراطي نفسه.
بدلاً من أباطرة الحديد والنفط، يقف عمالقة الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في موقع يسمح لهم بإعادة تشكيل المجال العام، والتحكم بتدفق المعلومات، وتحديد اتجاهات السوق، بل وحتى التأثير في المزاج السياسي للمجتمعات.
لا ينطلق كورتز من فكرة مؤامرة تقودها شركات
التكنولوجيا، بل من منطق بنيوي داخل الرأسمالية الحديثة. فكل موجة صناعية كبرى ـ
وفق قراءته ـ حملت معها نزعة نحو احتكار القوة، لكن ما يميز المرحلة الحالية أن
الاحتكار لم يعد اقتصادياً فقط، بل أصبح ثقافياً ومعرفياً وسياسياً في آن واحد.
في القرن التاسع عشر، أثناء ما سمي بالعصر
المذهب الأول في الولايات المتحدة، برز رجال صناعة مثل أندرو كارنيجي وجون د. روكفلر، الذين نظروا
إلى أنفسهم بوصفهم "منتخَبين طبيعياً" لقيادة المجتمع، مستندين إلى
تأويلات مشوهة لأفكار التطور والداروينية الاجتماعية. اليوم، يرى كورتز أننا نشهد
نسخة جديدة من الظاهرة ذاتها، لكن بلباس رقمي.
فبدلاً من أباطرة الحديد والنفط، يقف عمالقة
الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في موقع يسمح لهم بإعادة تشكيل المجال العام،
والتحكم بتدفق المعلومات، وتحديد اتجاهات السوق، بل وحتى التأثير في المزاج
السياسي للمجتمعات.
تقوم أطروحة كورتز على فكرة مركزية: حين
تتحول التكنولوجيا من أداة لتحرير الإنسان إلى أداة لتركيز النفوذ، تصبح
الديمقراطية في خطر.
تكمن خطورة الاحتكار المعاصر في أنه يختلف
عن صوره التقليدية. فالشركات الكبرى لا تكتفي بإقصاء المنافسين؛ بل تعمل على إعادة
تشكيل البيئة الاقتصادية كلها. فالعديد من الشركات الناشئة لم تعد تُؤسس بهدف
منافسة الكبار، بل بغرض جذب انتباههم والاستحواذ عليها لاحقاً. وهكذا يصبح
الابتكار نفسه تابعاً للاحتكار بدلاً من أن يكون تحدياً له.
ويظهر هنا تحول جوهري في فلسفة السوق. ففي
النظرية الليبرالية الكلاسيكية، كانت المنافسة هي الآلية التي تمنع تركّز السلطة.
أما اليوم فإن السوق، بحسب كورتز، ينتج نتائج معاكسة؛ إذ تتحول المنافسة تدريجياً
إلى تعاون ضمني بين القوى الكبرى، وتصبح فرص الصعود المستقل محدودة للغاية.
هذه الديناميكية الاقتصادية تمتد بدورها إلى
المجال السياسي. فالثروة الضخمة تعني قدرة أكبر على الضغط والتمويل والتأثير على
التشريعات، الأمر الذي يخلق حلقة مغلقة: قوة اقتصادية تولّد نفوذاً سياسياً،
والنفوذ السياسي يحمي القوة الاقتصادية.
لكن أطروحة كورتز لا تتوقف عند الاقتصاد
والسياسة؛ إذ ينتقل إلى أثر المنصات الرقمية على المجال العام. فوسائل التواصل
الاجتماعي لا تبيع المعلومات في جوهرها، بل تبيع الانتباه. والانتباه في الاقتصاد
الرقمي يرتبط بالإثارة والانفعال والاستقطاب.
من هذا المنظور، لا تصبح الأخبار الكاذبة أو
الخطابات المتطرفة مجرد آثار جانبية، بل تتحول ـ بصورة غير مباشرة ـ إلى منتجات
ذات قيمة اقتصادية؛ لأنها ترفع معدلات التفاعل وتزيد الأرباح الإعلانية.
وهنا تظهر مفارقة العصر الرقمي: التكنولوجيا
التي وعدت بتوسيع المشاركة الديمقراطية قد تتحول إلى آلية لإضعافها، ليس عبر القمع
المباشر، وإنما عبر إنهاك المجال العام وإغراقه بالتشويش والانقسامات.
أما أخطر ما يطرحه كورتز فهو العلاقة بين
التهميش الاقتصادي وصعود الشعبوية السياسية. فهو يرفض تفسير التحولات السياسية
الكبرى ـ ومنها صعود التيارات الشعبوية ـ باعتبارها نتاجاً ثقافياً صرفاً أو مجرد
صراع هويات. ويرى بدلاً من ذلك أن جذورها تكمن في الإقصاء الاقتصادي طويل المدى.
أطروحة كورتز لا تتوقف عند الاقتصاد والسياسة؛ إذ ينتقل إلى أثر المنصات الرقمية على المجال العام. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تبيع المعلومات في جوهرها، بل تبيع الانتباه. والانتباه في الاقتصاد الرقمي يرتبط بالإثارة والانفعال والاستقطاب.
حين يشعر المواطن بأن النظام الديمقراطي لم
يعد يوفر له الحماية أو الفرص أو العدالة، يبدأ البحث عن بدائل أكثر راديكالية.
وعند هذه النقطة لا تُنظر إلى المؤسسات الديمقراطية بوصفها أدوات للتمثيل، بل
باعتبارها جزءاً من المشكلة.
ليست هذه قراءة جديدة بالكامل؛ فهي تستعيد
بصورة ما الدروس التاريخية لأزمات الثلاثينيات من القرن الماضي، حين أدى الانهيار
الاقتصادي إلى صعود تيارات سلطوية متعددة في الغرب.
ومع ذلك، لا يبدو كورتز متشائماً بالكامل.
فهو يرى أن الرأسمالية مرت سابقاً بدورات مشابهة انتهت بإصلاحات كبرى، مثل سياسات
"الصفقة الجديدة" التي حدّت من سلطة الاحتكارات ووسعت شبكات الحماية
الاجتماعية.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بإمكان الإصلاح،
بل بتكلفته. فالتاريخ يشير غالباً إلى أن التحولات الكبرى لا تأتي عبر توافق هادئ،
وإنما عقب أزمات حادة: كساد اقتصادي، اضطرابات اجتماعية، أو اختلالات سياسية واسعة.
وفي جوهر أطروحته يطرح كورتز فكرة تبدو
بسيطة ظاهرياً لكنها تحمل بعداً فلسفياً عميقاً: الرأسمالية لكي تستمر يجب أن تصبح
أكثر إنسانية.
غير أن السؤال الذي يظل مفتوحاً هو: هل
تستطيع الرأسمالية إصلاح نفسها من الداخل، أم أن منطق تراكم القوة الكامن فيها
سيعيد إنتاج الأزمة بصور جديدة؟
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يتعلق الأمر
فقط بمن يملك التكنولوجيا، بل بمن يملك الحق في تحديد مستقبل المجتمع نفسه. وهذه
قد تكون المعركة السياسية والفكرية الأهم في العقود المقبلة.