لقد أنشأ أبو الأعلى المودودي “جماعته
الإسلامية" في عام 1941 في لاهور، وقد استهدف إعادة إقامة الخلافة الإسلامية
في
الهند، وقد كان لأبي الأعلى المودودي علاقة وثيقة بالعالم العربي، لذلك أثرت
كتاباته في المنطقة العربية، واستفاد منها العاملون في الساحة الإسلامية، كما
استفادوا من مسيرة جماعته، لذلك درست تجربته الفكرية والجماعية في نطاق النهضة
العربية لأنها أثرت تأثيراً كبيراً في مسيرة العاملين في المنطقة العربية أفراداً
وجماعات، ومما ساعد على ذلك أن جماعته احتوت على دائرة مختصة بالترجمة إلى
العربية، مما ساعد القراء في العالم العربي على التعرف على أفكار أبي الأعلى
المودودي ومتابعة أخبار جماعته.
وعند الحديث عن أبي الأعلى المودودي نحن
مضطرون إلى تقسيم حديثنا عنه إلى شقين:
الأول: الحديث عن كتاباته الفكرية والإشارة
إلى مواطن الإحسان والإجادة في بعضها، والإشارة إلى مواطن الخطأ أحياناً، لأنه لم
يترك مجالاً إسلامياً إلا وتحدث عنه وكتب فيه.
الثاني: منهجه في التغيير، وإظهار مواطن
الخلل في هذا المنهج، وإبراز أسباب عدم نجاحه في التغيير مع سعة أفكاره وعمقها
التي بنى عليها منهجه.
أما عن الجانب الأول وهو أفكاره وكتاباته
التي تناولت مختلف الشؤون الإسلامية من عقيدة واقتصاد وسياسة واجتماع ودولة وجهاد
إلخ ...، فقد كانت غنية وواسعة، وامتازت بالاطلاع الواسع على مختلف وجهات النظر
الإسلامية، والإضافة إليها، فهو في مجال العقيدة درس المصطلحات الأربعة
"الرب، الإله، الدين، العبادة" وألف كتاباً بهذا العنوان، وأبرز جانب
السلطة والقوة والسيطرة في صفات الله، وأغفل جوانب أخرى من صفات الله مثل الحب
والود والرأفة والرحمة.
أبرز أبو الأعلى المودودي أهمية الحكم بشرع الله في كتبه، وذكر أن الله بعث الأنبياء ليحكموا بالتشريعات التي أنزلها الله معهم، وأكّد بما أن الله هو خالق الكون والناس وهو القيوم عليهم، لذلك فيجب أن يكون شرعه هو الذي يحكمهم، ووضح أن نظام الحكم الإسلامي يختلف عن كل الأنظمة اختلافاً جوهرياً، مع مشابهته لها في بعض الجزيئات.
وقد أبرز أبو الأعلى المودودي أهمية الحكم
بشرع الله في كتبه، وذكر أن الله بعث الأنبياء ليحكموا بالتشريعات التي أنزلها
الله معهم، وأكّد بما أن الله هو خالق الكون والناس وهو القيوم عليهم، لذلك فيجب
أن يكون شرعه هو الذي يحكمهم، ووضح أن نظام الحكم الإسلامي يختلف عن كل الأنظمة
اختلافاً جوهرياً، مع مشابهته لها في بعض الجزيئات.
ومن أبدع ما كتبه أبو الأعلى المودودي هو
تبرئته للنبي يوسف عليه السلام من أن يكون حكم بشريعة حكام مصر آنذاك، بل حكم
بشريعة الله وذلك من خلال تفسيره لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي
دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف، 76) أي لا يليق بالنبي يوسف عليه
السلام ولا يجوز، ولا يناسب أن يأخذ أخاه بشريعة الملك، أي لا يجوز أن يتلوث النبي
يوسف عليه السلام بشرائع البشر، وهو أراد أن يصل إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يشارك
في حكومات تحكم بغير شريعة الله.
وقد عالج أبو الأعلى المودودي قضية
"المرأة" علاجاً رائعاً في أكثر من كتاب وهي كتاب (الحجاب)، و(تفسير
سورة النور) و(حركة تحديد النسل) وغيرها، وقد رد على حركة "التغريب"
التي كانت تريد أن تغرب المجتمع
الباكستاني، وبين أن شرائع الإسلام جاءت مناسبة
للمرأة وبناء الأسرة من خلال إحصاءات ودراسات علمية وفيزيولوجية تبين وضعية المرأة
العصبية والنفسية في حال الحيض والحمل والولادة والرضاعة إلخ..
ويمتاز أبو الأعلى المودودي في كل ما كتبه
بالإضافة إلى دراساته الإسلامية الواسعة والمعمقة إلى اطلاعه الواسع والعميق أيضاً
على كل الحضارة الغربية من بداية نشأتها والتطورات التي مرت بها، والأزمات التي
تعصف بها أيضا، لذلك كانت كتاباته مفيدة للقارئ، لأنها تربط بين الشرع الإسلامي
وتطورات المجتمع الهندي والباكستاني.
وحلّل أبو الأعلى المودودي الواقع المحيط به
قبل نشوء باكستان، فكتب دراسة عن حزب المؤتمر الهندي الذي قاده نهرو فوجد انه حزب
قومي يدعو إلى القومية الهندية كما يدعو إلى الماركسية، لذلك وقف ضده وحاربه، ودعا
المسلمين إلى مقاطعته.
كما تحدث المودودي عن الرابطة الإسلامية
التي دعت إلى إنشاء دولة باكستان عام 1941، ودعت إلى مواجهة حزب المؤتمر الهندي،
ثم قادت المسلمين في الهند ونجحت في إقامة دولة باكستان الإسلامية عام 1947من أجل
أن يستطيعوا تطبيق شعائرهم، وقد حلّل المودوي منهج "الرابطة الإسلامية"
فحكم عليه بأنه منهج قومي، فباكستان لم تكن دولة إسلامية بل "دولة
قومية" وقد وضح المودودي أن الرابطة الإسلامية استغلت المصطلحات الشرعية
"أمير وجماعة وطاعة وملة" في دينها الجديد "القومية".
ثم تحدث المودودي عن قيادات الرابطة
الإسلامية، فوضح أن محمد علي جناح رئيس الرابطة نشأ نشأة أفرنجية بين طائفة من
الإسماعيلية لا تعرف من الدين الإسلامي إلا إسمه، ثم بين جهل محمد علي جناح
بالإسلام مع علمه بالحضارة الغربية وتضلعه بالقانون والدستور الإنجليزيين.
وكذلك كانت قيادات الرابطة التي التفت حول
محمد علي جناح وقاومت حزب االمؤتمر الهندي، كانت غربية الثقافة والفكر وكانت ذات
توجهات علمانية متأثرة بالمالية في تركيا، وكانت بعيدة عن العلم الشرعي جاهلة
بالدين الإسلامي، لا تقيم شعائر الإسلام بل ترتكب الفواحش وتشرب المسكرات وتجد
حفلاتهم مكتظة بالنساء السافرات، هذا هو الواقع الذي واجهه أبو الأعلى المودودي
بكل مكوناته: حزب المؤتمر الهندي والرابطة الإسلامية عند نشوء باكستان عام 1947،
فما الخطة التي رسمها أبو الأعلى المودودي لتغيير الوضع في باكستان؟
تضمنت الخطة التي وضعها المودودي لتغيير
الوضع في باكستان عدة أهداف:
1 ـ تغيير الأفكار وتعهدها بالغرس والتنمية.
2 ـ استخلاص الأفراد الصالحين وجمعهم
وترتيبهم.
3 ـ الإصلاح الاجتماعي لكل طبقة من طبقات
المجتمع.
4 ـ إصلاح الحكم والإدارة.
لقد نجح المودودي في تحقيق الأهداف الثلاثة
الأولى من الخطة التي رسمها لتغيير الوضع في باكستان بشكل كبير، لكنه في الجزء
الرابع من الخطة وهو "إصلاح الحكم والإدارة" قد تعثر بشكل كبير وقد اتضح
ذلك من خلال اضطراب موقفه من الرابطة الإسلامية، وقد اتضح ذلك الاضطراب في
الموقفين التاليين اللذين اتخذهما من الرابطة:
الموقف الأول ـ مخاصمة ومصارعة ومقارعة
"الرابطة الإسلامية" منذ نشوئها عام 1941 لأنها قومية النهج، غربية
التوجه، بعيدة عن جوهر الإسلام، وكذلك كانت قيادتها غربية القيم والأفكار والسلوك،
وهو موقف صحيح وسليم.
وقد استمر هذا الموقف من المودودي وجماعته
إزاء الرابطة الإسلامية وقيادتها إلى أن أصدر المجلس التأسيسي لدولة باكستان
قراراً في 12/ آذار /1949 باسم "قرار المبادئ" وقد نص هذا القرار على
تطبيق مبادئ الإسلام في كل مناحي حياة الدولة الباكستانية، وصيغ كل القوانين بها.
الموقف الثاني ـ هنا اعتبرالمودودي أن
باكستان تحولت إلى دولة إسلامية فور إقرار "قرار المبادئ" لذلك غيرت
الجماعة موقفها وسياستها بناء على ذلك وغيرت منهجها واعتبرت أن "دولة
باكستان" أصبحت "دولة إسلامية" لذلك سخرت نفسها لتعمل في خدمة
"الدولة المسلمة"، فهل كان تصرف جماعة أبي الأعلى المودودي سليماً؟ لا
والسبب هو أن قيادة الرابطة التي أصدرت القرار لم يتغير سلوكها وأفكارها بل بقيت
علمانية المنهج، غربية التوجة والسلوك، لذلك كان هذا القرار حبراً على ورق، لأنك
لا يمكن أن تطبق الإسلام، عندما يكون القائمون على أمر الدولة جهلة بالإسلام، تملأ
العلمانية عقولهم، والحضارة الغربية قلوبهم، لذلك لم يكن "قرار المبادئ"
أكثر من مبادرة من قيادة الرابطة لاستمالة جمهور عوام المسلمين في باكستان، لأن
التصرف السليم من أجل أن تحول باكستان إلى دولة إسلامية بعد "قرار
المبادئ" هو أن يغير قادة الرابطة سلوكهم ويلتزموا بكل آداب الإسلام وأخلاقه
وفرائضه وسننه في كل شئون حياتهم، لكنهم لم يفعلوا شيئاً من هذا، فكيف يكون هناك
وجود للإسلام، وتطبيق له بغير وجود قيادة مسلمة تؤمن بهذا الإسلام وتطبقه في كل
تفصيلات حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلخ..
كان أبو الأعلى المودودي عالماً مسلماً واسع الاطلاع على الإسلام، وكذلك واسع الاطلاع على كل مسائل الحضارة الغربية قل أن يوجد نظير له في العالم الإسلامي، لذلك أعطى حلولاً واجتهادات وفتاوى وآراء رائعة ومصيبة في كثير من مسائل الدين والمجتمع والأسرة والسياسة والاقتصاد في الحياة الباكستانية، لكن جماعته تعثرت ولم تلعب الدور المناسب لها في الحياة الباكستانية لأنها لم تعط أجوبة صحيحة في قضيتين، هما: الرابطة الإسلامية والجيش، لذلك كان تعثرها ومحدودية دورها في باكستان.
لذلك قلنا لم يكن تصرف المودودي وجماعته من
الرابطة الإسلامية سليماً، عندما اعتبر أن باكستان أصبحت دولة إسلامية بمجرد صدور
"قرار المبادئ" عام 1949، بل كان عليه أن يشترط تغيير سلوك قيادات
الرابطة الإسلامية من أجل أن يعتبر أن الدولة الإسلامية قد قامت لأن الدولة
الإسلامية تتحقق بثلاثة أمور: جمهور قابل لتطبيق الإسلام أولاً، واعتماد شريعة
الإسلام ثانياً، ووجود قيادة ملتزمة بهذا الإسلام ثالثاً.
وقد تحقق في حالة باكستان أمران وهما الأول
والثاني ولم يتحقق الثالث وهو وجود قيادة ملتزمة بهذا الإسلام لذلك تعثرت جهود أبي
الأعلى المودودي، ولم يتحقق ما سعى إليه وهو أن يتمكن من تطبيق شريعة الإسلام على
كل باكستان.
وقد واجهت أبو الأعلى المودودي مشكلة أخرى
غير مشكلة الرابطة الإسلامية وهي: مشكلة الجيش، ففي الوقت الذي كان أبو الأعلى
المودودي يدافع ويقارع الرابطة الإسلامية ضمن الإطار الديمقراطي، وضمن وسائل
الإعلام وعملية الانتخابات ليجعلها تطبق أحكام الإسلام وقع انقلاب في باكستان عام
1958 قاده الجنرال أيوب خان، وقد عطل قائد الانقلاب كل معالم الحياة الديمقراطية،
فألغى البرلمان، وعطل الأحزاب والجماعات مما اضطر المودودي أن يعارك الحكم الجديد
من أجل إعادة الحياة الديمقراطية، ثم تنحى أيوب خان وجاء بعده جنرال آخر هو يحيى
خان، واستمر إلغاء الديمقراطية ثم أضاع بنغلادش في عام 1971، ثم حدث انقلاب آخر
بقيادة الجنرال ضياء الحق عام 1977.
وهكذا فإن الجماعة الإسلامية واجهت معضلة
الجيش وكان يعرقل كل أعمالها ويحظرها، وعندما يسمح لها بالعمل في مرحلة لاحقة تعود
إلى نقطة البداية لذلك كان الجيش قوة رئيسية فاعلة في الدولة الباكستانية لذلك
فعلى الذي يريد أن يحكم باكستان عليه أن يضع حلاً لهذه القوة، ويرسم خطة للتعامل
معها في حين أن جماعة أبي الأعلى المودودي لم يكن عندها حل لهذه المشكلة، لذلك بقي
دورها محدوداً في باكستان، مرهوناً بالسماح لها بالعمل من قبل القيادات العسكرية،
عندما تحكم هذه القيادات دولة باكستان.
الخلاصة: لقد كان أبو الأعلى المودودي
عالماً مسلماً واسع الاطلاع على الإسلام، وكذلك واسع الاطلاع على كل مسائل الحضارة
الغربية قل أن يوجد نظير له في العالم الإسلامي، لذلك أعطى حلولاً واجتهادات
وفتاوى وآراء رائعة ومصيبة في كثير من مسائل الدين والمجتمع والأسرة والسياسة
والاقتصاد في الحياة الباكستانية، لكن جماعته تعثرت ولم تلعب الدور المناسب لها في
الحياة الباكستانية لأنها لم تعط أجوبة صحيحة في قضيتين، هما: الرابطة الإسلامية
والجيش، لذلك كان تعثرها ومحدودية دورها في باكستان.