محنة المثقف العربي.. بين الصومعة النظرية وساحة الفعل المفقودة

الواقع العربي اليوم يظهر أن المثقف أمام تحدٍ مزدوج: عليه أن يقرأ المعطيات الدولية والإقليمية بدقة، وأن يكون قادرًا على توجيه صانع القرار أو المجتمع المدني نحو مواقف استراتيجية..
الواقع العربي اليوم يظهر أن المثقف أمام تحدٍ مزدوج: عليه أن يقرأ المعطيات الدولية والإقليمية بدقة، وأن يكون قادرًا على توجيه صانع القرار أو المجتمع المدني نحو مواقف استراتيجية..
شارك الخبر
المثقف هو الفاعل المعرفي الذي يمتلك قدرة نقدية على فهم الواقع، وتفكيك بنياته، وربط المعرفة بالفعل؛ فلا يكتفي بالتأمل أو الوصف، بل يسعى إلى التأثير في الوعي العام وتوجيه الخيارات المجتمعية والسياسية، عبر إنتاج أفكار قادرة على مساءلة السلطة والمجتمع معًا.

في لحظة تاريخية تتكثف فيها الصراعات الإقليمية والدولية، وتتعاظم فيها كلفة الحروب على الإنسان والعمران، تبرز الحرب الدائرة اليوم ضد إيران بوصفها علامة فارقة على اختلال عميق في توازنات المنطقة، لا من حيث القوة العسكرية فحسب، بل من حيث غياب الرؤية الاستراتيجية الجامعة. لقد خلّفت هذه الحرب دمارًا واسعًا، لا يقتصر على الجغرافيا الإيرانية أو محيطها المباشر، بل يمتد ليصيب بنية الإقليم بأكمله، اقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا، في مشهد يعيد إنتاج دوائر العنف ذاتها التي عرفتها المنطقة منذ عقود.

لقد خلّفت هذه الحرب دمارًا واسعًا، لا يقتصر على الجغرافيا الإيرانية أو محيطها المباشر، بل يمتد ليصيب بنية الإقليم بأكمله، اقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا، في مشهد يعيد إنتاج دوائر العنف ذاتها التي عرفتها المنطقة منذ عقود.
غير أن المأساة لا تكمن فقط في الصواريخ التي تتساقط، أو في المدن التي تُدمَّر، بل في ذلك العجز الفكري الذي يكشفه الخطاب العربي النخبوي وهو يواجه هذه اللحظة. فبدل أن ينصرف إلى تحليل الحاضر واستشراف مآلاته، ينغمس جزء معتبر من المثقفين في نقاش ماضوي، يعيد استحضار ثنائيات مستهلكة: الفارسي والعربي، الشيعي والسني، أو يختزل الموقف في خيار ثنائي حاد بين الاصطفاف مع التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي الذي أطلق شرارة الحرب، أو الانحياز إلى إيران، بما تحمله من إرث سياسي وأمني مثقل بالتناقضات منذ أفغانستان إلى العراق ثم إلى مآلات الربيع العربي.

هذا الاختزال لا يعكس فقط قصورًا في قراءة تعقيدات الواقع، بل يكشف في العمق عن محنة أوسع: محنة المثقف العربي نفسه، الذي يجد ذاته عاجزًا عن إنتاج موقف مستقل يتجاوز ثنائية الاصطفاف، أو عن بلورة رؤية نقدية تستوعب تشابك المصالح والقوى دون الارتهان لها. وهنا تحديدًا تتجلى إشكالية العلاقة بين الفكر والفعل، بين التحليل والموقف، وهي الإشكالية التي تجعل من المثقف شاهدًا على الأحداث أكثر منه فاعلًا فيها.

من هذه الزاوية، لا تبدو الحرب مجرد صراع عسكري عابر، بل مرآة كاشفة لوضع النخبة العربية، التي لا تزال، في كثير من تجلياتها، أسيرة خطاب يستهلك الماضي بدل أن يواجه الحاضر، ويعيد إنتاج الانقسام بدل أن يسعى إلى تجاوزه. ومن ثم، فإن فهم ما يجري اليوم لا ينفصل عن مساءلة موقع المثقف ذاته: هل هو جزء من إنتاج الوعي بالأزمة، أم جزء من إعادة تدويرها؟

يعيش المثقف العربي اليوم مأزقًا مزدوجًا: بين قدرته على التأمل العميق وبين محدودية تأثيره الفعلي على مجرى الأحداث في مجتمعه ووطنه. فبينما تهز العالم تحولات استراتيجية كبرى، من إعادة تشكيل خرائط القوة إلى الزلازل السياسية والاقتصادية، يظل المثقف العربي، في كثير من الأحيان، حبيس صومعته الفكرية، بعيدًا عن مراكز الفعل ومواقع صناعة القرار. وهذه المحنة ليست مجرد صدفة، بل نتاج تراكم تاريخي طويل، يمثل اختلالًا بين الفكر والسلطة، وبين النظرية والتطبيق، وبين المجتمع ومراكز القرار.

في الغرب، يتمتع المفكر بمكانة مؤثرة. السياسي لا يقدم على خطوة استراتيجية إلا بعد أن تُهيأ لها الأرضية الفكرية والمعلوماتية، ويصبح الفكر أداة توجيهية ومرشدة، كما رأينا عند هانز مورغنثاو أو نعوم تشومسكي أو ميشيل فوكو. أما عندنا، فإن العلاقة بين السلطة والمثقف مقطوعة، وغالبًا ما يُنظر إليه كمراقب أو ناقل للمعلومات لا كفاعل مؤثر.

لقد كان المسلمون في العصور الأولى سباقين إلى هذا الدور؛ من أيام النبوة الخاتمة، حيث كان أهل الرأي والفقهاء والمفكرون جزءًا من صناعة القرار، إلى أن تآكلت هذه العلاقة تدريجيًا. اليوم، فقدت الشعوب العربية القدرة على التعبير عن نفسها عبر مؤسسات فكرية مؤثرة، فباتت الكلمة الفكرية نظرية أكثر منها عملية.

وهنا تتجلى مفارقة محنة المثقف العربي: غيابه عن ساحة القرار لا يعني أن الأحداث تتوقف، بل بالعكس، فقد أخذت الشعوب زمام المبادرة. المواطن العادي هو من يفرض وجوده على الواقع، أحيانًا بأساليب عنيفة. في تونس، أصبح البوعزيزي رمزًا لهذه اللحظة، حين أقدم على إضرام النار في جسده احتجاجًا على الظلم، فأشعل بذلك ثورة غير مسبوقة، غيّرت خرائط المنطقة. ومن ثم تراكمت الأحداث، وصولًا إلى الحروب المدمرة في أكثر من ساحة، بما فيها غزة، والصراع المستعر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

المأساة لا تكمن فقط في الصواريخ التي تتساقط، أو في المدن التي تُدمَّر، بل في ذلك العجز الفكري الذي يكشفه الخطاب العربي النخبوي وهو يواجه هذه اللحظة. فبدل أن ينصرف إلى تحليل الحاضر واستشراف مآلاته، ينغمس جزء معتبر من المثقفين في نقاش ماضوي، يعيد استحضار ثنائيات مستهلكة: الفارسي والعربي، الشيعي والسني، أو يختزل الموقف في خيار ثنائي حاد بين الاصطفاف مع التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي الذي أطلق شرارة الحرب، أو الانحياز إلى إيران
والحقيقة أن محنة المثقف العربي مركبة ومعقدة، فهي نابعة من أكثر من مصدر:

ـ اختلال التوازن بين السلطة والمجتمع، حيث غالبًا ما تُتخذ القرارات السياسية بمعزل عن المصلحة العامة أو الرؤية الوطنية الشاملة.

ـ ضبابية الرؤية لدى المثقف نفسه، الذي يفتقد القدرة على التعامل مع التحولات الكبرى بحس نقدي موضوعي. مثال ذلك الحرب الراهنة: بينما تتسارع الضربات العسكرية وتتشابك المصالح الدولية، يظل جزء من الخطاب الثقافي أسيرًا لجدليات الماضي، كأن التاريخ يعاد بنفس أدواته، في حين أن الواقع يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

ـ العزلة المعرفية، كما وصفها بعض المفكرين، الناتجة عن انفصال المثقف عن مجتمعه وعن دوائر صنع القرار، مما يفقد الفكر قدرته على التأثير الفعلي.

ـ غياب البنية المؤسسية التي تحتضن الفكر النقدي، وتحوله إلى قوة اقتراح وتوجيه، بدل أن يبقى مجرد خطاب نظري.

إن الواقع العربي اليوم يظهر أن المثقف أمام تحدٍ مزدوج: عليه أن يقرأ المعطيات الدولية والإقليمية بدقة، وأن يكون قادرًا على توجيه صانع القرار أو المجتمع المدني نحو مواقف استراتيجية، قبل أن تقع الأحداث وتتجاوز القدرة على التحكم فيها. فالأحداث لا تنتظر من يتأخر عن فهمها، بل تعيد تشكيل نفسها بمن حضر.

إن محنة المثقف العربي إذن هي محنة بنيوية: تراكمات تاريخية، انفصال بين النظرية والتطبيق، ضبابية في الرؤية، وعجز عن احتلال مساحة مؤثرة في المجتمع. والدرس الذي تفرضه الوقائع الحديثة واضح: غياب المثقف عن مراكز القرار يترك المجال مفتوحًا أمام قوى أخرى، قد لا تحكمها رؤية متماسكة، فتكون النتائج في كثير من الأحيان كارثية.

الطريق إلى تجاوز هذه المحنة يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الفكر والسلطة، وتمكين المجتمع من احتضان الفكر النقدي، وتطوير مؤسسات التعليم والبحث العلمي، بحيث يصبح المثقف فاعلًا لا متفرجًا، ومشاركًا في صياغة المستقبل لا مجرد شاهد على أزماته.

في النهاية، تبقى محنة المثقف العربي تعبيرًا عن خلل أعمق في بنية المجتمع والدولة معًا. فحين يغيب الفكر عن الفعل، تتقدم الأحداث بلا بوصلة، وتدفع الشعوب الثمن. وحين يستعيد المثقف موقعه الطبيعي، بوصفه جسرًا بين المعرفة والواقع، يمكن عندها فقط أن تتحول الكلمة من صدى نظري إلى قوة تغيير حقيقية.
التعليقات (0)