ضمن سلسلة مقالاته الفكرية الحصرية
لـ"عربي21"، يقدم الكاتب والباحث الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان رؤية
متعمقة حول الضوابط العلمية للانفتاح على اللغات الأجنبية، مستندًا إلى منظور يجمع
بين العقلانية والسيادة الوطنية.
في هذا النص، يدعو الدكتور بن نعمان إلى
إدراك الفرق بين الانفتاح المعرفي الضروري لتقدم الأمة وبين الانفتاح العشوائي
الذي يهدد الهوية واللحمة الوطنية.
ويبرز كيف يمكن للغة الوطنية أن تبقى صمام
الأمان للحفاظ على السيادة، بينما تمثل اللغات الأجنبية أداة تمكين علمي متدرج،
وفق ضوابط علمية وتربوية دقيقة، لتكون جسورًا للتقدم دون أن تتحول إلى أدوات
للتبعية الثقافية أو التشتت الفكري. هذا المقال، ببلاغته الفكرية وعمق تحليله، يضع
القارئ أمام سؤال أساسي: كيف يمكن للأمم أن تتقدم دون أن تخسر هويتها؟
المشكلة ليست مع الانفتاح اللغوي
ابتداء نقول لأولئك الذين يرددون، جهلا أو
تجاهلا، واستخفافا بعقول المواطنين الطيبين ملحين على ضرورة الانفتاح على اللغات
الأجنبية، (وكأنهم اكتشفوا البارود قبل الصين!؟). نقول لهم مكررين ومؤكدين ما
قلناه منذ سنين بأن
تعليم اللغات الأجنبية ضرورة علمية ووطنية والتعليم بها جريمة
ثقافية هوياتية وقومية، وأن الفرق بينهما كالفرق بين العلم والجهل، والموت
والحياة، والظلام والنور والليل والنهار، والجنة والنار!!
إننا في الوقت الذي لا نتصور عاقلا واحدا
يحب الخير لوطنه يرفض تعلم اللغات الأجنبية وإتقانها، سواء لأسباب اجتماعية أو
مهنية أو اقتصادية أو ثقافية (كالأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم مثلا الذي يجيد 9
لغات، ومثله عالم اللغات الفذ رشيد بن عيسى الذي يعرف 10 لغات كما قال هو بلسانه
عن نفسه وكذلك الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي يقرأ ويبحث بـ7 لغات حية والدكتور
بوعلام بن حمودة بـ5 لغات حية كذلك) ومثلهم الكثير من أفذاذ الوطن والأمة الصغرى
أو الكبرى مشرقا ومغربا كالدكتور طه حسين وغيره..
لا انفتاح على العالم المعاصر إلا باللغة الإنجليزية في الوقت الحاضر، مثلما فعلت كل الدول الغربية الحالية مع اللغة العربية لعدة قرون، في قرطبة وغرناطة وفاس والقيروان وبجاية وتلمسان، عندما كنا أمة باللسان والفعل الحضاري في الميدان.
ولكن في المقابل لا يمكن أن نتصور عاقلا
واحدا من هؤلاء المذكورين وغير المذكورين يحب الخير لوطنه وأمته يقبل التعليم
باللغات الأجنبية، على حساب لغة الوطن والسيادة والوحدة الترابية والشعبية لبلده
ودولته بين الدول القوية والمستقرة (على اعتبار لا وحدة وطنية دون وحدة لغوية) مثل
كل الأمم القوية فوق الكرة الأرضية للحفاظ على اللحمة الوطنية والانفتاح الحضاري
للوطن والأمة على ثقافات سائر الأوطان والأمم الحية المستقلة والمستقرة والسيدة في
العالم أخذًا وعطاء بين الأقران في المستوى والمحتوى!!
إلا أن هناك فرقًا جوهريا فاصلا وقاتلا بين
استعمال اللغات الأجنبية في مجال البحث العلمي والانفتاح على العالم الخارجي في
عصر الفضاء والفضائيات، وطي المسافات بين الكواكب والقارات في لحظات، وبين استعمال
هذه اللغات الأجنبية القاتلة في قطاعات السيادة والإدارة والهوية الوطنية كفيروس
فقدان المناعة الجسدية المؤدي حتما إلى الموت التدريجي بصفة قطعية!!
كما أن هناك فرقًا بين اللغة الأجنبية
المفيدة والبريئة، والجرثومة الأجنبية المضرة والمميتة، وهناك أيضًا فرق بين اللغة
الأجنبية الضرورية واللغة الأجنبية الثانوية.
فبالنسبة لعلاقة اللغة الأجنبية بالسيادة
وعدم الإضرار بثوابت الهوية والوحدة الوطنية يمكن أن نذكر هنا كل الذين يعقلون،
ممن لهم علاقة مشرفة بهذا الوطن من قريب أو من بعيد أن أحسن مثال لذلك هو العملة
الوطنية الرسمية وعلاقتها الرمزية والسيادية بالعملات الأجنبية، (الصعبة وغير
الصعبة) مهما تكن هذه العملة ضعيفة أو قوية بالنسبة للعملة الوطنية...
فمثلما لا يتصور عاقل أية دولة وطنية ذات
سيادة محترمة في العالم تقبل رسميًا بتداول العملات الأجنبية داخل التراب الوطني
مباشرة، دون تحويلها في البنك إلى العملة الوطنية، لا يتصور عاقل أيضًا أية دولة
وطنية من هذا النوع في العالم (يكون نظام حكمها منتخبًا شعبيًا وشرعيًا) ترفض عند
الاستطاعة أن تكون خزانتها الوطنية مليئة بكل أنواع العملات الأجنبية المفيدة،
الصعبة منها وغير الصعبة!
ومثلما تحدد الدول الشرعية المنتخبة والسيدة
مجال استعمال العملات الأجنبية داخل البلاد، في البنوك والمناطق الحرة، كالمطارات
وغيرها، تحدد هذه الدول كذلك مجال استعمال اللغات الأجنبية في المخابر والجامعات
والمناطق السياحية وغيرها مثلما ينص على ذلك قانون اللغة الوطنية المجمد تطبيقه في
الجزائر منذ 35 سنة دون مبرر معقول ومقبول من كل ذي عقل وضمير وطني حي غير معلول!؟
فبالنسبة لعلاقة اللغات الأجنبية بالبحث
العلمي، والتقدم التكنولوجي (حصان طروادة عند بعض ساستنا) الذي هو حق يراد به
باطل، بل وخيانة لبيان الشهداء كما أثبتنا مرارًا... فنقول بأن البحث العلمي في
مرحلة ما بعد التدرج، بقدر ما هو ضروري لكل دولة مستقلة تطمح إلى أن توجِد لها
مكانًا محترمًا تحت الشمس بين الدول المتقدمة في العالم، فإن هذا المسعى لا يتآتى
لها بلغة أجنبية واحدة ووحيدة!?
هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس بمقدور بشر أن
يتعلم كل المواد العلمية بكل اللغات الأجنبية، ولذلك فمنطق الدولة المستقلة
المتحضرة المنفتحة على العالم المتحضر والمتقدم في هذا المجال الحيوي، يقتضي من
ساستها المنتخبين الذين يفترض أن تتوفر فيهم صفة الوطنية (المعترف بها اصطلاحًا
علميًا وعالميًا) والتي اختصرناها في مقولة من صياغتنا منذ سنين مفادها (أن
المواطنة بالميلاد والجنسية، والوطنية بالإخلاص والنباهة والتضحية...) على هؤلاء
أن ينتهجوا أسلوب النحلة الشغالة، فيوجهون مجموعة موهوبة من أبناء الوطن النجباء
والنابهين المخلصين (وهم لا يتجاوزون نسبة 3% من مجموع أفراد المجتمع بالتقريب!?!)
إلى التخصص في اللغات الأجنبية الحية والمفيدة، ليتولوا مهمة الترجمة والنقل
العلمي من تلك اللغات المتقدمة تكنولوجيًا (كل فيما تتميز به من مخترعات) إلى
اللغة الوطنية والرسمية للبلد الطامح للسير في مدارج العلا والاستقلال العلمي
والتكنولوجي، والتي نصِرنا دائمًا في كل ما كتبناه منذ نصف قرن على أن تكون هي
وحدها لغة التعليم أو التحصيل داخل الوطن، (مثلما تفعل فرنسا وألمانيا واليابان
والصين وإنجلترا وروسيا في روسيا وكوريا في كوريا بجنوبها وشمالها)..
وليست هذه اللغة وحدها المتعلمة بطبيعة
الحال كما ذكرنا، عملاً بمقولة "لكل لسان إنسان" ومن تعلم لغة قوم أمن
مكرهم، المقولة المجترة التي يغالط بها بعض "الاستحلاليين" عندنا بدون
تفكير أو إمعان، وفي هذه الحالة، أي تعلم اللغات الأجنبية (وليس التعليم باللغات
الأجنبية كما أسلفنا) لا يوجد حد أقصى أو أدنى (على المستوى الفردي) لإتقان أي عدد
من اللغات الأجنبية بعد اللغة الوطنية بطبيعة الحال، (كما ذكرنا من أمثلة لشخصيات
علمية ووطنية موهوبة) إلا حد القدرة الذاتية للإنسان التي لها حدود بشرية لا تتعداها.
ولقد رأينا في أمثلتنا الوطنية الحية
المذكورة كمولود قاسم وسعد الله وبن حمودة.. ورشيد بن عيسى والمهدي المنجرة وعلي
فهمي خشيم، وهم على عكس أغلب هؤلاء "الاستحلاليين" الذين لا يكادون
يجيدون إلا لغة أمهم أو مرضعتهم (الفرنسية) التي يفرضونها فرضًا على كافة الشعب
باسم الانفتاح والانسياح أو التصالح على المصالح!!
وباختصار يمكن حصر المقاييس الوطنية
والسيادية (الأساسية) للتعامل باللغات الأجنبية كالعملات الأجنبية بالنسبة للعملة
الوطنية فيما يلي:
1 ـ أن يكون للغة
الوطنية والرسمية مكان الصدارة في الإدارة والحياة العامة والاستعمال اليومي
الشفهي والتحريري، كما هو الحال السائد على سبيل المثال في "جزيرة" أو
جزائر وزارة الدفاع الوطني والداخلية والعدل منذ بداية الثمانينيات حتى الآن
تقريبًا فيما أعلم، فضلًا عن وزارة الشؤون الدينية والتربية بطبيعة الحال..!؟
2 ـ أن تغرس
المناهج التربوية الوطنية في نفوس الناشئة حب الوطن بكل رموزه المقدسة، وفي
مقدمتها حب اللغة الوطنية، كمبدأ لا يقبل المساومة والنقاش، مثل العلم والنشيد
الوطني والعملة، إن لم يكن حب اللغة وتقديسها أكثر من ذلك كله لكونها مرتبطة
ارتباطًا عضويا بالهوية كما أثبتنا مرارًا في أكثر من مناسبة ومقال كما يذكر
المتابعون من القراء لما نكتب منذ عقود؟؟
3 ـ إعطاء
الأولوية القصوى في سلم كشف النقاط على مستوى التعليم المتوسط والثانوي للغة
الوطنية مثلها مثل الرياضيات أو أكثر، بالتوازي مع رفع مستوى العلامة المقصية
للطالب بالنسبة للغة الوطنية في الامتحانات العامة، كما هو الحال في ألمانيا
والصين واليابان وكوريا حيث ينقصون من المعامل التنقيطي لمواد اللغات الأجنبية
ويرفعون من الحد الأدنى للرسوب بالنسبة للغة الوطنية للحث والحض على التمكن منها
وإعطائها الأهمية التي تليق بها عند الناشئة.
4 ـ أن يُفضل من يجيد اللغة الوطنية على
اللغة الأجنبية عند الاختيار في التوظيف العمومي وغيره.
5 ـ أن يقتصر استعمال اللغة الأجنبية على
المجال الدراسي والبحث العلمي، وتُبعد اللغة الأجنبية من الاستعمال في الحياة
العامة والإدارة والإعلام والثقافة بكل فروعها، كما هو الوضع في فرنسا مثلا
بقانونها السمعي البصري للإذاعة والتلفزيون والذي يمنع منعا باتا تمرير البرامج،
وحتى الإشهار باللغات الأجنبية دون ترجمة ولو مكتوبة.
نؤكد للمرة المليون ونصف المليون أن لا وحدة وطنية حقيقية (ترابية وشعبية) دون وحدة دينية ولغوية وطنية ورسمية، قولًا واستعمالًا فعليًا مثل الدولة الفرنسية ذاتها، في التعليم والإدارة والحياة المدنية والعسكرية ومجال السيادة والثقافة والحضارة!؟
6 ـ أن تُطبق التعليمات الخاصة بقانون اللغة
الوطنية بصرامة كما تطبقها بعض الوزارات السيادية كوزارة الداخلية والدفاع الوطني
والعدل والتربية وغيرها في كل أو جل الهيئات والفروع التابعة لها كما هو معلوم.
فإذا توفرت هذه الشروط، وراعيت بإخلاص،
وطبقت بنزاهة من طرف المعنيين بشؤون البلاد والعباد، كما هو منصوص عليها في قانون
اللغة الوطنية المقبور منذ أكثر من ثلث قرن، ولم يُلغ رسميًا كما أنه لم يُطبق
رسميًا إلى اليوم في مؤسسات الدولة، منذ أن سنه الرئيسان المجاهدان الشاذلي بن
جديد رحمه الله واليامين زروال حفظه الله وأطال عمره في رضاه!؟
فإذا طبقت هذه الشروط مثل كل الدول المستقلة
ذات السيادة، قولًا وفعلاً، فلن ينجم عن الانفتاح اللغوي أو إتقان اللغات الأجنبية
أي ضرر على السيادة والهوية الوطنية، بل وعلى الاستقلال والوحدة الاجتماعية
والسياسية للمجتمع على وجه العموم.
وإذا حبا الله المجتمع كما قلنا، ببعض
المتفوقين ذهنيًا من ذوي القدرات اللغوية العالية، فيجب أن يُستغلوا علميًا
(بمخططات إصلاحية تربوية وطنية مدروسة) كالنحلات الشغالة لإنتاج العسل للجميع، بما
ينقلونه من شتى اللغات الأجنبية عبر القارات إلى اللغة الوطنية، ليتمثلها الملايين
من أفراد الشعب العاديين في المؤسسات التعليمية والتكوينية باللغة الوطنية وحدها
كما سبق التحديد.
وهنا نؤكد بأن الدراسات والبحوث العلمية
والنفسية واللغوية حتى في فرنسا ذاتها تثبت أن العلم لا يمكن أن يُفهم وأن ينتشر
إلا في نطاق اللغة الأصلية أو (اللغة الأم) القومية، وليست "لغة الأم"،
لأن هذه الأم قد تكون أجنبية أصلًا (متزوجة بمواطن جزائري) وكذلك قد تكون أمية (لا
تقرأ ولا تكتب)، انظر تفصيل ذلك في مقال مستفيض لنا هنا حول هذا الموضوع..
فالعلماء الكبار وحدهم هم الذين يحتاجون إلى
إتقان اللغات الأجنبية لإتمام بحوثهم ودراساتهم العليا المتبحرة، أما الذين دونهم
من كافة المواطنين على جميع المستويات، فلا يدركون المعرفة العلمية إلا بلغتهم
الوطنية الأصلية ويكتفون بالتعمق فيها وحدها دون تشتيت أذهانهم بغيرها في التحصيل
وانشغالهم بلغات غيرهم كبديل!?
وهنا يحق لنا أن نتساءل عن الاقتداء بتجارب
الدول والأمم المتطورة والمتحضرة، هل يكون بالصعود إلى الأعلى وارتقاء المعالي،
وتجشم التضحيات، كما كان شأننا مع الاستقلال السياسي الغالي الذي لم يُعرف لتضحيات
شعبنا من أجله مثيل في التاريخ المعاصر، أم أن هذا الاقتداء يكون بالهبوط إلى ما
دون الحضيض بالدعوة إلى الإدمان على مص ضرع البقرة الفرنسية بالذات! والتشبث
بذيلها، والتبرك بزبلها في منتهى الذل والتبعية، تحت غطاء مغالطة الانفتاح
والمصلحة العليا للوطن والأمة!؟
نعم، هي مصلحة عليا، لكن السؤال المطروح هو
مصلحة من وأي وطن وأية أمة!؟
والخلاصة أن لا انفتاح على العالم المعاصر
إلا باللغة الإنجليزية في الوقت الحاضر، مثلما فعلت كل الدول الغربية الحالية مع
اللغة العربية لعدة قرون، في قرطبة وغرناطة وفاس والقيروان وبجاية وتلمسان، عندما
كنا أمة باللسان والفعل الحضاري في الميدان.
ولا بقاء لوحدة الهوية الوطنية الترابية
والشعبية في الجزائر إلا باللغة العربية كلغة أساسية في الجامعة والجامع والمعمل
والشارع، مثل جميع اللغات الوطنية في الدول المتوسطية المستقلة عن الهيمنة
الأجنبية!
ونؤكد للمرة المليون ونصف المليون أن لا
وحدة وطنية حقيقية (ترابية وشعبية) دون وحدة دينية ولغوية وطنية ورسمية، قولًا
واستعمالًا فعليًا مثل الدولة الفرنسية ذاتها، في التعليم والإدارة والحياة
المدنية والعسكرية ومجال السيادة والثقافة والحضارة!؟