يهتم كثير من الباحثين في
العلوم الشرعية
بتحصيل علوم
الحديث، ودراسة أمهات الكتب، ومنهج المحدثين في تخريج الأحاديث،
ومعرفة الصحيح من السقيم، ودراسة جهود العلماء في ضبط مصطلح الحديث، وتعديل الرواة
وتجريحهم، والتعرف على شرط كل محدث في ذلك، ويعتبرون أن النهاية في علم الحديث هو
الاشتغال على ما خلفه المحدثون من آثار ضخمة، في فروع علمية دقيقة ومتعددة،
والنبوغ فيه، بما يعني في المحصلة، حفظ الحديث، وضبط رواته وما قال العلماء فيهم
من تعديل وتجريح، وفي الحد الأقصى، ممارسة قدر من الترجيح إذا اختلفت عبارات
العلماء في الراوي بين التعديل والجرح، وما ينتج عن ذلك من أثر محدود في تصحيح
الحديث بضم طرقه بعضها إلى بعض، أو تحسين الضعيف، أو العكس.
وتبعا لذلك، يكون أفق علم الحديث هو إعادة
إنتاج ما ألفه العلماء، والاشتغال على مادته، وعدم مغادرة ما يسمى في
الإيبستمولوجيا بمرحلة استيعاب العلم السابق، مع قدر محدود من النقد، دون الوصول
إلى المرحلة التي يطرح فيها سؤال الأفق وما يسمى إيبستمولوجيا بمرحلة تجاوز العلم
بإنتاج علم جديد أو منهج جديد لدراسة العلم القائم.
في هذه المقالة العلمية، سنحاول أن ندخل
مضمارا حساسا، نطرح فيه أسئلة على نشأة العلم وتطوره ومآله، ونتساءل عن المسارات
المفتوحة لتطوره، والإكراهات العلمية، التي جعلت من هذا العلم علما تاريخيا، غير
قادر على التطور.
علم الحديث.. أول خطوة في سياق تنهيج العقل
المسلم
يربط المحققون من علماء الحديث النشأة
الأولى لمصطلح الحديث بكتاب الرامهرمزي(ت 360 هـ) المسمى بـ"المحدث
الفاصل"، ويؤرخ ابن حجر العسقلاني في كتابه اللطيف "نخبة الفكر
"مسار تطور هذا العلم، وذلك من القرن الرابع الهجري إلى القرن السابع الهجري،
ويعتبر أن نضج هذا العلم واكتماله، كان مع ابن الصلاح في مقدمته في علوم الحديث،
وإن كان انتقد عليه الترتيب الذي جاء عليه الكتاب.
مرحلة النهضة التي عرفها العالم العربي، أحدثت تغييرا مهما في مناهج تدريس العلوم، إذ تأثرت عدد من المؤسسات العلمية بالآراء الإصلاحية، سواء منها السلفية أو التجديدية، فنشط إثر ذلك اتجاهان مختلفان، الأول توثيقي، اتجه في مسار تحقيق التراث وإخراج عدد من المخطوطات من حيز المجهول، وهو بذلك يستأنف نفس الدور السابق الذي اندرج ضمن خدمة السنة النبوية، ونشر مختلف جهود العلماء الذين اعتنوا بها. والثاني، انصرف إلى بحث سؤال الفائدة المعاصرة من علوم الحديث، خاصة بعدما عرف الصحيح والحسن والضعيف،
لكن هذا التأريخ إنما يهم فرعا واحدا من
فروع علم الحديث، ولا يهم الفروع الأخرى، لاسيما رواية الحديث وتخريجه مما يسمى
بأمهات كتب الحديث، فهذا الفرع، وما ارتبط به من فقه الحديث يعتبر أقدم من سابقه،
لأن الأمر هنا لا يتعلق بالقرن الرابع الهجري، وإنما بمسار تراكمي من التأليف، تنوعت فيه طرق
العناية بجمع الحديث وتدوينه، فألفت
المسانيد التي تجمع حديث كل صحابي على حدة، وألفت الجوامع التي تجمع حديث النبي
صلى الله عليه وسلم في الكتب الثمانية المعروفة، وألفت كتب السنن التي اهتمت بجمع أحاديث الأحكام، وصنفت كتب ما يسمى
بالمستدركات التي حاولت أن تستدرك على البخاري ومسلم، أحاديث على شرطهما، وهي ليست
في الصحيحين مثل ما فعل الحاكم في مستدركه، ثم ألفت كتب أخرى اهتمت بترتيب الحديث
بحسب أسماء الصحابة أو الشيوخ سماها العلماء بالمعاجم، وتفرعت أقسام أخرى من فنون
التأليف في أمهات الكتب، فظهرت كتب الأطراف، التي تعنى برواية طرف من الحديث، وكتب المستخرجات التي حاول فيها بعض الحفاظ
رواية صحيح البخاري أو صحيح مسلم بالسند إليهما، وغيرها من الكتب الأخرى.
هذا التنوع من التأليف في أمهات الكتب، مع
اختلاف في السياق الزمني، تسمح بالحديث عن مرحلة جد متقدمة ابتدأت في القرن الثاني
الهجري، وهي بالمناسبة تأسست على جهود تراكمية انطلقت من عهد الصحابة رضوان الله
عليهم ثم عهد التابعين فتابعيهم، إلى أن ظهرت الطبقة الثالثة من المحدثين على حد
تحقيق الإمام الذهبي في كتابه "المعين في طبقات المحدثين".
يعود التأريخ الفعلي الذي وصلتتا فيه أعمال
بعض المحدثين في أمهات كتب الحديث، لاسيما المسانيد، والموطآت، إلى القرن الثاني
الهجري، فقد وصلنا مسند الإمام أبي حنيفة (تـ150 هـ) برواية أبي نعيم، وموطأ
الإمام مالك (تـ179 هـ) بروايات مختلفة، أهمها رواية محمد بن الحسن الشيباني (ت
189 هـ)، ورواية يحيى الليثي (ت 234 هـ). فإذا أضفنا إلى ذلك معطى آخر، يتعلق
بظهور التصانيف الحديثية (الكتب التي تجمع أحاديث الرسول والصحابة والتابعين في
أبواب الحديث المختلفة) في وقت جد مبكر مثل مصنف عبد الرزاق (ت211 هـ) ومصنف ابن
ابي شيبة (ت 235 هـ)، يتضح بأن التأليف في هذا الفن كان الأقدم تاريخا، وهو على كل
حال يتزامن مع تبلور الحركة المذهبية الفقهية أو يسبقها بقليل إذا اعتبرنا أن ما
ألف من أمهات الكتب في هذه المرحلة انبنى أساسا على كتب أخرى تعود لرجال الطبقة
الثالثة من المحدثين بعد الصحابة والتابعين وتابعيهم، لم يصلنا منها شيء إلى اليوم.
نورد هذا التأريخ، ونقيس إليه تاريخين
اثنين، يتعلق الأول بتأخر تبلور علم مصطلح الحديث، ويتعلق الثاني بتقدم نسبي
للتأليف في كتب الرجال خاصة الضعفاء مع يحي ابن معين (ت 233هـ) وعلي ابن المديني
(ت 234هـ) والبخاري (ت 256هـ)، ونثير التساؤل عن سبب تقدم التأليف في أمهات الكتب
وفي الرجال، وتأخره في مصطلح الحديث، مع أن شرط التأليف في أمهات الكتب والرجال،
يقوم أساسا على قواعد الحديث واصطلاحاته.
في واقع الأمر، لا يختلف هذا الإشكال، عن
إشكال آخر يتعلق بتقدم كتب الفقه على كتب الصول، مع أن الفقيه يعتمد القاعدة
الأصولية التي يتوصل بها إلى معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها
التفصيلية كما هو تعريف الأصوليين للعلم، والجواب عن ذلك، أن القواعد سواء في
الفقه أو الحديث كانت اشتغالية، قبل أن تصير نظرية مؤصلة في كتب مستقلة، تماما كما
في الأصول، كما في مصطلح الحديث، فكما سبق الفقه الأصول، سبقت أمهات الكتب مصطلح
الحديث.
يهمنا في هذا النظر أن نقرأ تطور علوم
الحديث باعتبار علاقة الموضوع (حديث رسول الله) بمختلف طرق وأدوات التأكد من صحته،
بدءا من علم الرجال والجرح والتعديل، ومرورا بعلم المصطلح، وانتهاء بعلم العلل.
محصلة النظر في هذه القضية أن اهتمام علماء
الحديث بهذه الثنائية، ضبط المتن، واجتراح مبادئ وأدوات علمية لإثبات موثوقيته، قد
أثمر عددا من الفنون العلمية، وأنتج عددا هائلا من التآليف التي تطورت في مسار
زمني ممتد، بلغ نضجه العلمي أو ربما نهايته في القرنين الثامن والتاسع الهجري، مع
جهود الإمام الذهبي (تـ748هـ) وابن حجر العسقلاني (852هـ)، إذ لم يعد التأليف في
المصطلح أو في علم الرجال والجرح والتعديل بعدهما سوى إعادة إنتاج للعمل السابق.
البعض قد يعترض علينا، ويدرج ضمن علم الحديث
ما يسمى بـ"فقه الحديث"، ويزعم أن هذا العلم استمر، وبقي ممتدا في
الزمن، مشكلا بذلك إيرادا علميا على فكرة انسداد الأفق في تطور علم الحديث.
والحال، أنه مع التسليم الجدلي بوجود علم بهذا الاصطلاح مستقلا عن الفقه بمعناه
العلمي، وهو ما لا نقر به، فإن ما كتب في فقه الحديث من شروح المصنفات الحديثية،
لم يضف جديدا عما ذكره شراح المصنفات الحديثية قبل هذين القرنين، وهو الإشكال الذي
يسمح بطرح سؤال الأفق، وهل توقف الإنتاج العلمي في علوم الحديث، وهل هناك ما يبرر
العطاء العلمي في هذه العلوم، أم أن طبيعة هذا العلم أنه قام بوظيفته في خدمة
السنة النبوية وتحصينها، ومن ثمة تحصين الشريعة التي تنبني على النص القرآني
والنصي الحديثي، وأن الغاية من العلم بعد
نضجه واكتماله، هي تحصيل العلم السابق وإعادة إنتاجه، وتجديد الاهتمام به، حتى لا
تفقد الأمة القدرة على محاورة ما ألف فيه، وحتى يتعرف طلبة العلم وغيرهم على الجهود التي قام بها العلماء لحفظ السنة،
وعلى العقلية العلمية والمنهجية التي أنتجوها لأداء هذه المهمة.
علوم الحديث والمسارات المجهضة
ينبغي أن نقر بأن مرحلة النهضة التي عرفها
العالم العربي، أحدثت تغييرا مهما في مناهج تدريس العلوم، إذ تأثرت عدد من
المؤسسات العلمية بالآراء الإصلاحية، سواء منها السلفية أو التجديدية، فنشط إثر
ذلك اتجاهان مختلفان، الأول توثيقي، اتجه في مسار تحقيق التراث وإخراج عدد من
المخطوطات من حيز المجهول، وهو بذلك يستأنف نفس الدور السابق الذي اندرج ضمن خدمة
السنة النبوية، ونشر مختلف جهود العلماء الذين اعتنوا بها. والثاني، انصرف إلى بحث
سؤال الفائدة المعاصرة من علوم الحديث، خاصة بعدما عرف الصحيح والحسن والضعيف،
وألفت كتب الفقه، ولم تعد هناك من فائدة كبيرة في إعادة ورش التصحيح والتضعيف، إذ
ظهر على هذا المستوى أكثر من اتجاه ينطلق أساسا من محاولة فهم العقلية العلمية
والنقدية لعلماء الحديث، ويسعى أن يحقق لهذا العلم، على الأقل لمنهجه، هدف الامتداد في حقول أخرى.
ويمكن أن ندرج في هذا الإطار الاتجاه الذي
حاول أن يقنع بأهمية اعتماد منهج علماء الحديث في التعامل مع الواقعة التاريخية،
وتصحيح الأخبار وتمييزها عن المرويات التاريخية المكذوبة أو غير السليمة، باعتماد
منهجية المحدثين في التعامل مع الإسناد ورجاله.
وقد نشط عدد من الباحثين للدعوة إلى جعل
مصطلح الحديث ومنهج المحدثين في نقد الرجال وتوثيق السند أداة لتقويم علم التاريخ
وضبط مروياته، وتوثيق رواته، معتبرين أن اهتداء علم التاريخ بمنهج المحدثين هو
الذي سيصحح التاريخ، ويضفي عليه موثوقية أكثر، وهو الذي يعين في تجريح روايات
المؤخرين إذا تعارضت.
بيد أن هذا الأفق الواعد، كان يتطلب العمل
على مسارين متوازيين: تقويمي وتجديدي، فالأول، يُعنَى بتقويم القائم من كتب
التاريخ المشهورة، والثاني، يُعنَى بإعادة كتابة التاريخ وفقا لمنهج المحدثين.
ففي المسار الأول، لم يحقق هذا الاتجاه أي
تراكم يذكر، إذ لم نر جهودا علمية في تقويم كتب السير المرجعية، مثل سيرة ابن
هشام، وكتب الطبقات مثل طبقات ابن سعد، وكتب التواريخ الكبرى، مثل تاريخ الطبري،
والكامل لابن الأثير، ومروج الذهب للمسعودي، وهي كتب تحتاج لجهد كبير في توثيق
مروياتها وترجيح بعضها على بعض.
والظاهر أن عدم القدرة على تحقيق تلك الوعود
الحالمة يرجع أساسا إلى الفروق الدقيقة بين كتب التوايخ وكتب الحديث، فالثانية،
خضعت لمسار علمي دقيق من توثيق حلقات الإسناد، حتى ظهرت كتب رجال الصحيحين، وكتب
رجال الكتب الأربعة، ثم الستة ثم العشرة، وغير ذلك، بينما لم تعرف كتب التواريخ
هذا الزخم المنهجي، ثم إن رواة الحديث ليسوا ضرورة هم رواة التاريخ، ولعل هذا
بالتأكيد ما جعل الوعود بإمكان تحقيق امتداد علم الحديث أو منهجه في حقل التاريخ
إمكانا غير واقعي.
هناك مساران مهمان ينبغي التفكير فيهما لرسم أفق ممكن لعلم الحديث في الواقع المعاصر، أوله داخلي يخص بناء منهج جديد في التعامل مع علم الحديث، والثاني خارجي، يتعلق بإمكان الإفادة من علم الحديث ومنهجه النقدي في العلوم الأخرى.
أما على مستوى الاتجاه الثاني، أي إنتاج علم
تاريخ قائم بذاته، منضبط لمنهج المحدثين، فقد قام عدد من العلماء المُحدثين بجهد
في هذا السياق، مثل ما فعل عبد الرحمان ابن الجوزي في "المنتظم في تاريخ
الملوك والأمم"، والذهبي في "تاريخ الإسلام"، وابن كثير في
"البداية والنهاية"، لكن على الرغم من الجهد الذي قام به هؤلاء، لاسيما
منهم الذهبي في الاستعانة بالنقد الحديثي في تقويم الروايات، فإن كتبهم لم تسلم من
الرواية الكثيفة عن الإسرائيليات لاسيما البداية والنهاية لابن كثير، كما لم تسلم من أخطاء وأوهام تتعلق بعض الرواة
كما هو الشأن في "المنتظم"، ولم يستطع ابن الجوزي أن يعمل منهج المحدثين
في توثيق الرواة إلا في عدد محدود لا يتجاوز 187 راويا حسب بعض الدارسين،
فيما تعرض تاريخ الإسلام للذهبي لانتقادات
كثيرة، تعلقت أساسا بأخطاء ارتكبها الذهبي فيما يخص إعمال منهج المحدثين في علم
التاريخ، حيث كتبت في ذلك رسائل مختصة ذكرت أكثر من اثني عشر وجها لهذه الأخطاء
كما هو الشأن في دراسة المنهج الحديثي للإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام لعمر
مكي صغير.
على أن ما يهمنا في هذا المقال ليس الجهد
الذي بذله بعض العلماء المُحدثين في كتابة التاريخ، والإضافة النوعية التي قدموها
لعلم التاريخ، وإنما يهمنا في ذلك الأفق الواعد الذي فتحه عصر النهضة والصحوة في
تدريس علم الحديث، وكيف تداعى عدد من المفكرين، بل وحتى المؤرخين، للحديث عن إعادة
كتابة التاريخ الإسلامي، من أمثال سيد قطب ومحمد قطب وعماد
الدين خليل، وعبد
العظيم الديب وغيرهم، دون أن يتحقق من ذلك شيء كبير يذكر، قياسا إلى ما قام به
الذهبي وابن كثير وابن الجوزي وغيرهم.
وقريب من هذه التجربة المجهضة، وعود أخرى
بمد علوم الحديث إلى حقول معرفية تتقاطع معه في الرواية والسماع، ومن ذلك الإعلام،
بوصفه يقوم أساسا على تقديم الخبر، وتنوير
الرأي العام به، وذلك نقلا عن مصادر
رواة، وأن علم الحديث بما امتاز به من دقة منهجية ونقدية كفيل بتصحيح آفات الإعلام
وما يعج به مشهده من هيمنة كثيفة للخبر المكذوب، والروايات المزيفة، خاصة وأن المبادئ الأساسية للصنعة الإعلامية، وما يتعلق
بأدبياتها وقواعدها المهنية والأخلاقية، هي في أمس الحاجة لقواعد المحدثين في
توثيق الرواية وتمييز صحيحها من سقيمها.
والحال، أن هذه الوعود انطلقت من محض
المشابهة النظرية بين موضوعي كل من الحديث وعلم الإعلام، ولم تعمق النظر فيما يمكن
أن يكون محل تثاقف بين العلمين، وما لا يمكن فيه استعارة قواعد علم الحديث، بحكم
أن الخط الأحمر في علم الحديث هو النقل عن المجهولين، بينما يسوغ الإعلام إخفاء
المصدر وعدم إظهاره حماية له، وتأمينا لتدفق المعلومة، فلم يستصحب أصحاب هذه الوعود أن علم الحديث قائم أساسا على خبر
النبي الذي يطلب نشره، ويُساءل العلماء على كتمانه، بينما يقوم الإعلام على مبدأ
نقل الخبر والمعلومة التي تحرص السلطة على
كتمانها والتستر عليها، وتحيط حبل الرقابة على من يبلغ بها، لأن موضوع الخبر الذي
يثير الإعلام هو ما يزعج السلطة. ولذلك، لم يساعد الجهل بهذا التمييز، في أن يحقق
علم الحديث الامتداد المطلوب إلى علم الإعلام، كما لم يحقق امتداده إلى علم
التاريخ.
علوم الحديث وسؤال الأفق.. مسارات للمستقبل
قد يبدو هذا العمل النقدي بمثابة قطع الطريق
أمام أي فرصة لامتداد علم الحديث خارج حقله، وحكم على أفقه بالانسداد، لكن عند
التأمل، تشكل هذه المقالة جهدا معرفيا ونقديا يمهد الطريق لطرح سؤال الأفق طرحا
بعيدا عن الوعود التبشيرية غير المدروسة، فالمؤكد من خلال دراسة التراكم المنهجي
والنقدي الذي خلفه علماء الحديث، أن هناك مسارات واقعية مفتوحة يمكن أن ترسم أفقا
جديدا للبحث في هذا العلم ومد صلته بالعلوم الأخرى.
وتقديري أن هناك مساران مهمان ينبغي التفكير
فيهما لرسم أفق ممكن لعلم الحديث في الواقع المعاصر، أوله داخلي يخص بناء منهج
جديد في التعامل مع علم الحديث، والثاني خارجي، يتعلق بإمكان الإفادة من علم
الحديث ومنهجه النقدي في العلوم الأخرى.
في المسار الداخلي، نعرض لثلاثة مستويات،
يخص الأول إعادة بناء منهج نقدي في دراسة علم الحديث، يحاول تركيب الصورة المنهجية
والنقدية التي اشتغل بها المحدثون قبل أن ينضج المنهج النقدي الحديثي في أبعاده
النظرية والاصطلاحية، وهو ما يعني، مراجعة الطريقة التي تعتمد على الذاكرة في
تحصيل علم الحديث، ولفت الانتباه ابتداء إلى قضايا المنهج النقدي عند المحدثين،
وذلك لتحصيل الملكية النقدية عند طلبة العلم، قبل حفز ذاكرتهم على حفظ متون الكتب
الحديثية.
الإمكان اليوم، إعادة الكرة في وصل الحديث لعلم التاريخ، ولكن ليس بمنهج نقد الإسناد، فهذا العمل ربما بلغ منتهاه وأفقه مع الذهبي وابن الجوزي، وإنما بمنهج نقد المتن، وذلك على شاكلة ما فعل ابن خلدون حينما نصب علم العمران أداة لتقويم المرويات صحيحها من سقيمها.
أما المستوى الثاني، فيخص، الاستعانة
بالأدوات الحديثة في إعادة بناء الأدبيات الحديثية، بما يعني ذلك حوسبة علم الرجال
وعلم الجرح والتعديل، واستثمار الترميز الذي اعتمده علماء الجرح والتعديل، بما
يمكن بسهولة من التعرف على أوجه الانقطاع والإعضال والإرسال في الحديث، وييسر
معرفة الراوي، ومرتبته في التعديل والتجريح، ومن أخرج له، والأحاديث التي رواها
وما إلى ذلك.
أما المستوى الثالث، فيهم استثمار المنهج
التاريخي في دراسة علم الحديث، وبشكل دقيق، تاريخ الأحاديث النبوية، والأمكنة التي
اشتهرت فيها أحاديث مخصوصة، مقابل أحاديث أخرى اشتهرت في أماكن أخرى، والمشترك بين
المناطق من الأحاديث، ومحاولة تفسير ذلك، وأيضا تتبع ظاهرة الوضع، ودراستها دراسة
تاريخية، فالثابت عند العلماء أنهم كانوا يقرون بمعرفة بعض الأقاليم لأحاديث لا
تعرفها أقاليم أخرى، مثل ما صرح بذلك المزني الشافعي، فالمنهج التاريخي، سيقدم
بدون شك خدمة أساسية لعلم الحديث، وسيثمر نتائج مهمة، يمكن أن تساهم في فهم منهج
العلماء في الجرح والتعديل، ومنهج أصحاب أمهمات الكتب في تخريج الحديث.
في المسار الخارجي، المعني بدراسة صلة علم
الحديث بالعلوم الأخرى، فالظاهر أنه بالإمكان اليوم، إعادة الكرة في وصل الحديث
لعلم التاريخ، ولكن ليس بمنهج نقد الإسناد، فهذا العمل ربما بلغ منتهاه وأفقه مع
الذهبي وابن الجوزي، وإنما بمنهج نقد المتن، وذلك على شاكلة ما فعل ابن خلدون
حينما نصب علم العمران أداة لتقويم المرويات صحيحها من سقيمها. فعلم العلل، خاصة
منه ما يرتبط بنقد المتن من جهة دراسة توافقه مع الوقائع التاريخية، يمكن أن يفيد
كثيرا في تقويم بعض المصادر التاريخية، فإذا كان حلم إعادة كتابة التاريخ مجرد وعد
حالم، فلا أقل من ان يتم الاشتغال بجزء آخر من منهج المحدثين في تقويم التاريخ،
يشغل نقد المتن أساسا في هذا العمل.
أما العلاقة مع علم الإعلام، فنحتاج معه أن
ندرس خصوصية كل علم على حدة، وندرس سياق الاختلاف، وندرس ما يمكن أن يقوم القواعد
المهنية والأخلاقية في العمل الصحفي. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تعتمد سابقة نشر
المرويات المكذوبة أساسا علميا في عدم النقل عن الراوي الصحفي، ويمكن أن توضع
معايير دقيقة للتميز بين ما يجوز فيه النقل عن المجهول، وما لا يجوز، بحيث يكون
تكذيب النقل عن المصادر غير المعلومة أساسا للشك في الصحفي في كل عمل آخر يقوم به
من هذا الصنيع، وغيرها من القواعد التي ينبغي استحضار عنصر التكيف في بناء جسر التواصل
بين علم الحديث والإعلام.
ويمكن أيضا إقامة جسور التواصل بين علم
الحديث والأدب، وذلك من جهة العناية بالتراجم والسير، بما في ذلك السيرة الذاتية،
فهذا الفن صار له مكانة مهمة في الأدب، ولا يخفى أن جزءا كبيرا من جذوره ممتدة في
علم الحديث.
خاتمة
وبعد فقد قطعت بنا هذه المقالة العلمية،
رحلة طويلة في تتبع مسار علم الحديث، من
نشأته ومسار تطوره، إلى طرح سؤال الأفق، ومستقبل العلم في الواقع الراهن، وهل نحكم
عيله بالانسداد، ونكتفي بتحصيل العلم الذي نضج واكتمل واحترق في القرنين الثامن
والتاسع الهجري، أم نفتح له مسارات
للتجديد واستئناف المهمة من جديد، بحيث تتحول البوصلة من الحفاظ على السنة، وتحصين
الشريعة، إلى استلهام الملكة المنهجية النقدية في هذا العلم ومحاولة الإفادة منها في حقول علمية مختلفة، مع
الانفتاح على المنهج التاريخي في إعادة دراسة معطيات هذا العلم، بما يدعم بدون شك
مختلف المسلمات التي انطلق منها المحدثون، وفي مقدمة ذلك، موثوقية النص الحديثي،
وصرامة المنهج النقدي الذي اعتمده المحدثون لإثبات ذلك.