الحزب السوري القومي الاجتماعي.. عقيدةٌ فوق الطوائف وممارسة تحت سقفها

هل ما زال الحزب قادراً على استعادة معنى "النهضة" كمشروع إصلاح وبناء دولة أم أنه صار أسيرَ لحظةٍ تاريخية تتغير فيها المحاور السياسية فيما يتنازع داخله جناحان على شرعية التمثيل؟
هل ما زال الحزب قادراً على استعادة معنى "النهضة" كمشروع إصلاح وبناء دولة أم أنه صار أسيرَ لحظةٍ تاريخية تتغير فيها المحاور السياسية فيما يتنازع داخله جناحان على شرعية التمثيل؟
شارك الخبر
في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن التجربة اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس ديموقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه.

يضاف إلى ذلك أنّ البنية الحزبية في لبنان ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب شريحة مذهبية أو جماعة أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر للطوائف، بدرجات متفاوتة من النجاح.

وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس أحزاب جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها شعبياً وسياسياً على نحو مستقر. من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية للأحزاب اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها، لفهم دورها في صناعة تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله.

سنعود إلى ظروف نشأة كل حزب والسياق الذي رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل المفصلية التي مرّ بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية الوطنية وبالانتماءات الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس ذلك على قاعدته الشعبية.

ولا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ، بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع. نخصص هذه الحلقة من سلسلة المقالات للتعرف إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان، بوصفه أحد أقدم الأحزاب وأكثرها إثارة للجدل في الحياة السياسية اللبنانية.

حزب عابر للحدود

الحزب السوري القومي الاجتماعي (ويُعرف اختصاراً بـ القومي) هو حزبٌ عابرٌ للحدود الوطنية اللبنانية في تعريفه الفكري، رغم أنه أُسِّس في بيروت عام 1932 في ظل الانتداب الفرنسي. حمل الحزب مشروعاً قومياً يرى سورية الطبيعية إطاراً للأمّة (تشمل لبنان، سوريا، فلسطين التاريخية بما فيها شرق الأردن، العراق، وقبرص)، وقدّم نفسه كحركةٍ علمانية تسعى إلى تجاوز الطائفية السياسية. وعلى امتداد 94 عاماً تنقّل بين السرّية والملاحقة، ومعارضة السلطة والتحالف معها، والانخراط العسكري المباشر في محطات مفصلية (منها محاولة انقلاب 1961 والحرب الأهلية 1975) وصولاً إلى حضوره ضمن "محور المقاومة" خلال الاحتلال الإسرائيلي وبعده.

بطاقة تعريف


النشأة والسياق التاريخي 

وُلد الحزب في لحظة تاريخية ملتبسة. لبنان وسوريا تحت الانتداب الفرنسي، وصعود أفكار القوميات الحديثة في المشرق، وتحوّل المدن الكبرى (بيروت تحديداً) إلى فضاءٍ للنقاشات الفكرية والتنظيمات السياسية. أعلن أنطون سعادة تأسيس الحزب في 16 تشرين الثاني 1932، وبدأ العمل سرياً قبل أن تصطدم حركته سريعاً بسلطات الانتداب الفرنسي والمتعاونين معها محلياً فبدأت حملة الاعتقالات والملاحقات في ثلاثينيات القرن الماضي وتكرّرت طوال عقود.

الحديث عن وجود لبنان وسوريا تحت الانتداب الفرنسي (1920–1943) ليس سياقاً زمنياً وحسب بل كان عاملاً مُنتِجاً للفكرة السياسية التي قام عليها الحزب: رفض ترسيم حدود جديدة وتقسيم "بلاد الشام" إلى كياناتٍ منفصلة يديرها الانتداب (الفرنسي والبريطاني) ومن بينها "دولة لبنان الكبير" (1920). كان النقاش محتدماً بين النخب: هل هذه الحدود نهائية؟ هل هي طبيعية؟ وهل تُبنى دولة حديثة على قاعدة طائفية ونظام محاصصة أم على قومية ونظام مدني؟ وهذا النقاش أنتج تيارات قومية متنافسة تُجيب كل منها عن الأسئلة بطريقة مختلفة:

1 ـ القومية العربية:  فكرة "أمة عربية واحدة" تتجاوز الأقطار

2 ـ القومية السورية: فكرة "أمة سورية" ضمن نطاق جغرافي - تاريخي لبلاد الشام أو ما يُعرف بـ الهلال الخصيب (وهنا يأتي مشروع أنطون سعادة)

3 ـ القومية اللبنانية: فكرة لبنان المختلف عن محيطه والمرتبط بالهوية الفينيقية المتوسطية، بطبيعة اجتماعية ـ سياسية ـ اقتصادية خاصة

يقدّم الحزب تعريفاً للأمّة بوصفها وحدة اجتماعية ـ تاريخيّة لها حقّ السيادة على مجالها، ويرى أن القضية هي قضية قومية مستقلة لا تُختزل بتحالفات عابرة ولا تُدار بوصفها ملحقاً لقضايا أخرى، فيما يُحدَّد الولاء كالتزامٍ تُقاس به السياسات والمواقف: مصلحة الأمّة معيارٌ لا يعلوه انتماء طائفي أو ولاء خارجي.
4 ـ الصهيونية (في فلسطين تحديداً): كحركة قومية إستيطانية حديثة

5 ـ القوميّة التركية (في النطاق المجاور): كان لها أثر غير مباشر بسبب قضايا ترسيم الحدود وأبرزها ضم لواء اسكندرون الذي تحوّل إلى محافظة هاتاي التركية.

هذه التيارات لم تكن مجرد أفكار، بل مشاريع دولة وتحالفات وخرائط، ما أوصل أنطون سعادة إلى قناعة ـ وفق السرديات ـ أن التفكك السياسي والحدودي الذي فرضته مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، واعتماد الطائفية كآلية تنظيم داخلي، سيصنعان مجتمعات عاجزة عن بناء دولة حديثة وعن مقاومة مشاريع التفتيت، ومنها المشروع الصهيوني في فلسطين.

سعادة والنهضة 

لُقّب أنطون سعادة بـ "الزعيم". عملياً، نشأ هذا اللقب داخل الحزب نفسه لتوصيف مؤسّس النهضة القومية السورية، ثم ثُبّت كعرفٍ حزبي تحت إشراف سعادة نفسه. وفي نصّ حزبي واضح (بلاغ عمدة الإذاعة 25 تشرين الأول 1947)، يُعرَّف اللقب بأنه يختص بـ "زعيم الحركة القومية الاجتماعية، ومؤسِّس النهضة، وقائدها السياسي والإداري والعسكري، ومُعلّمها العقائدي، لذلك لا يجوز استعماله في غير هذا الوضع".

والنهضة في أدبيات الحزب السوري القومي الاجتماعي، ليست مرادفاً عاماً للتقدّم بل هي اسم المشروع بكامله: مشروع نقل الأمّة السورية من حالة التفكّك إلى حالة الوعي القوميّ المنظّم، وبناء دولة ومجتمع جديدَين على أساس عقائدي مرتكز إلى حزمة أفكار مُقنَّنة في دستور الحزب وكذلك في كتابات سعادة، وتقوم هذه الأفكار على شقّين: مبادئ أساسية (تعريف الأمة والقضية والولاء) ومبادئ إصلاحية (شكل الدولة والمجتمع والاقتصاد) سنفصّلها ونشرحها لاحقاً في سياق هذا المقال.

بمعنى آخر لم كن سعادة زعيم طائفة ولا حتى حزب بالمعنى اللبناني الشائع، بل كان مؤسِّساً وقائداً ومرجعاً يُقدَّم كرمز تمثيلي للقوميين. كيف لا، وقد أسّس حزباً عقائدياً في ظروفٍ استثنائية، وسط حربين عالميّتين وحدودٍ متبدّلة وصراعات على الهوية. ورغم الملاحقة الدائمة والاعتقال والسجن، يروي الذين عايشوه أنه كان هادئ الطباع وشديد الانضباط، ومنظّراً صارماً يتسم بالعقلانية في التعامل مع مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، حتى أن العائلة في نظره كانت "وحدة/خلية اجتماعية" وفي المراسلات بينه وبين زوجته جولييت المير قدّم سعادة الزواج على أنه "شراكة في التفاني للقضية" بلغةٍ تكشف شخصيته في حياته الخاصة: العاطفة موجودة، لكنها مؤطَّرة دائماً بالالتزام والهدف العام.

ترك سعادة نصوصاً ومحاضرات ومؤلّفات تُعدّ مرجعاً تأسيسياً في تاريخ الحزب، ووسّع حضوره عبر الصّحافة والعمل بين الجاليات في الاغتراب. لكن المشروع الذي أراده "نهضة" لم يُسمح له أن يكتمل، ففي صيف 1949 وبعد فشل حركة مسلّحة نُسبت إلى الحزب في لبنان، توجّه سعادة إلى دمشق حيث ألقي القبض عليه وسُلّم للسلطات اللبنانية، ليُحال إلى محكمة عسكرية في إجراءات سريعة وشكليّة انتهت بإعدامه رمياً بالرصاص فجر 8 تموز يوليو 1949.

ومنذ ذلك التاريخ، لم يُقرأ إعدامه كحدثٍ قضائي فحسب، بل كصفحة أخلاقية إشكالية في تاريخ الدولة: فحتى الذين أقروا بخطورة مشروع واعتبروه تمرداً، انتقدوا السرعة الاستثنائية في المحاكمة والتنفيذ، وحرمانه حق الدفاع وعلنية الإجراءات، ورأوا فيها سبباً دائماً للجدل حول ما إذا كانت العدالة قد أُنجزت فعلاً أم أنّ الحكم كان سياسياً. إعدام سعادة يمثل حتى اليوم لحظةً فاصلة تركت الحزب أمام فراغٍ قيادي وتحوّلاتٍ داخلية جعلت مساره عرضةً للتخبّط والانقسام في ظل الصدام المتكرر مع الدولة التي رأت فيه خطراً على الكيان اللبناني، فلاحقت القوميين السوريين وزجّت بهم في السجون في مراحل مختلفة.

المبادئ والخط العام

يقوم الحزب السوري القومي الاجتماعي على "أساس عقائدي" يميّز بين مبادئ أساسية تُعرّف الهوية والغاية، ومبادئ إصلاحية ترسم شكل الدولة والمجتمع والاقتصاد.

في المستوى الأول، يقدّم الحزب تعريفاً للأمّة بوصفها وحدة اجتماعية ـ تاريخيّة لها حقّ السيادة على مجالها، ويرى أن القضية هي قضية قومية مستقلة لا تُختزل بتحالفات عابرة ولا تُدار بوصفها ملحقاً لقضايا أخرى، فيما يُحدَّد الولاء كالتزامٍ تُقاس به السياسات والمواقف: مصلحة الأمّة معيارٌ لا يعلوه انتماء طائفي أو ولاء خارجي.

وفي المستوى الإصلاحي، يقدم الحزب مشروع دولة مدنية حديثة تقوم على فصل الدين عن الدولة بوصفه شرطاً لتوحيد المواطنين تحت قانون واحد، وعلى رفع الحواجز التي تكرّس الانقسام الأهلي والطائفي، مع رؤية اجتماعية–اقتصادية تُعلن الانحياز إلى الاقتصاد المنتِج واعتبار العمل قيمةً مركزية، والسعي إلى عدالة اجتماعية تُصنف الإقطاع والاحتكار والريع كـ معوّقات أمام بناء مجتمع متوازن.

وبين هذين المستويين، يتكوّن الخط العام للحزب: نزعة قومية عابرة للحدود اللبنانية بالمعنى الفكري، علمانية في تعريف الدولة، تؤمن بالتنظيم والانضباط، مع ميل تاريخي إلى قراءة الصراعات الإقليمية ـ خصوصاً الصراع مع إسرائيل ـ ضمن منظور وجودي يُقدّم "المقاومة" أو المواجهة كجزء من تعريف الأمن القومي، لا كخيار ظرفي.

يقدم الحزب مشروع دولة مدنية حديثة تقوم على فصل الدين عن الدولة بوصفه شرطاً لتوحيد المواطنين تحت قانون واحد، وعلى رفع الحواجز التي تكرّس الانقسام الأهلي والطائفي، مع رؤية اجتماعية–اقتصادية تُعلن الانحياز إلى الاقتصاد المنتِج واعتبار العمل قيمةً مركزية، والسعي إلى عدالة اجتماعية تُصنف الإقطاع والاحتكار والريع كـ معوّقات أمام بناء مجتمع متوازن.
قد يربط بعض المؤرخين بين صعود الفاشيات الأوروبية وبين تبلور حزب سعادة، خصوصاً على مستوى الشكل التنظيمي والانضباط والرمزية، لكن في المقابل ينبّه أكاديميون إلى وجود تضخيم لأثر الفاشية الأوروبية على فكر سعادة ويرون أن فهمه يتطلب العودة إلى سياق الاستعمار وبناء الهويات السياسية الجديدة في المشرق. بمعنى آخر، يرون أن سعادة استلهم من توجهات ذلك العصر ومن قراءاته في الفلسفة والتاريخ والاجتماع، لكنه لم يقدّم نسخة مطابقة عن أي نموذج أوروبي محدد (لا الفرانكية الإسبانة ولا النازية الألمانية ولا الموسولينية في إيطاليا).

محطات مفصلية

تظهر المحطات المفصلية في تاريخ لبنان إنتقال الحزب السوري القومي الاجتماعي بين "العقيدة"  وضرورات السياسة. وفي ما يلي أبرز المحطات:

ـ استقلال لبنان 1943:

اعتبر الحزب أنه استقلال غير مكتمل قام على أنقاض الانتداب الفرنسي، ورأى في بروز "الميثاق الوطني" كصيغة حكم غير مكتوبة تأسيساً لتوازنات طائفية تعيق الاستقرار. لم يتبنَّ "نهائية الكيان اللبناني" لكنّه تعامل مع الدولة اللبنانية كواقع سياسي، مع تركيزٍ دائم على أن السيادة ليست شعاراً بل مشروعاً لم تكتمل شروطه بعد (التحرير/ مؤسسات الدولة/ بناء المجتمع)

 ـ أزمة العام 1958:

مثّلت صراعاً أهلياً (سياسياً تخللته مواجهات مسلحة) لتحديد تموضع لبنان بين نزعة التحالف مع الغرب (مبدأ آيزنهاور) والميل إلى العروبة التي جسدها يومذاك الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وقف الحزب القومي إلى جانب الرئيس كميل شمعون (السلطة) وحلفائه بمن فيهم حزب الكتائب المؤمن بالقومية اللبنانية. ما يشي بأن تموضعه يومها كان محكوماً بحسابات داخلية تتعلق بالخصومة مع التيارات القومية العربية.

ـ محاولة الانقلاب 1961:

كانت محاولة انقلاب خاطفة وفاشلة ضد حكم الرئيس فؤاد شهاب، نُسبت تنظيمياً إلى الحزب (المدنيين) ومناصرين له داخل الجيش. ونتيجة لفشل المحاولة تعرض القوميون لحملة قمع واسعة: إعادة حظر الحزب، إعتقالات، أحكام بالسجن، نفي لبعض القيادات، ما أدخل الحزب في مرحلة انكفاء طويلة نسبياً حتى صدور العفو العام لاحقاً عام 1969. شكلت هذه المحطة مفصلاً طبع الصورة الأمنية والسياسية للحزب لعقود طويلة وسمتها العامة أنه عدو الدولة اللبنانية.

ـ الحرب الأهلية 1975 ـ 1990:

قاتلت مجموعات الحزب إلى جانب قوى الحركة الوطنية اللبنانية في وجه القوى المسيحية ضمن "الجبهة اللبنانية" وتحالفت مع القوى العربية واليسارية المناهضة لإسرائيل. وقد نقلت تلك الحربُ الحزبَ من تنظيم عقائدي إلى لاعبٍ يمتلك خبرة ميليشياوية وشبكات تحالف ميدانية، ما انعكس لاحقاً على علاقته بالمحاور الإقليمية (محور المقاومة). وشارك الحزب في انطلاق جبهة المقاومة الوطنية في لبنان "جمول" في تموز يوليو 1982، ونفذ عمليات نوعية ضد الاحتلال الاسرائيلي أشهرها إطلاق النار على جنود إسرائيليين في مقهى "الويمبي" (خالد علوان) وتفجير سيارة مفخخة بقافلة جنود إسرائيليين في جزين (سناء محيدلي). واتُهم الحزب القومي باغتيال رئيس الجمهورية المنتخَب عام 1982 بشير الجميّل (مؤسّس القوات اللبنانية) لأن القضاء اللبناني نسب التنفيذ إلى شبكة داخل الحزب ضمّت حبيب الشرتوني ونبيل العلم وقد صدرت أحكام بالإعدام غيابياً بحقهما في القضية.

ـ مرحلة الطائف (1990 ـ 2005):

انتهت الحرب الأهلية بموجب اتفاق الطائف الذي أعاد تركيب النظام، ومعه تعزز الدور السوري في لبنان. دخل الحزب ضمن شرعية النظام الجديد بتحالفات سمحت له بالمشاركة السياسية ضمن توازنات مرحلة ما بعد الحرب، وتموضع غالباً في بيئة سياسية قريبة من دمشق وحلفائها. وانتقل إلى مرحلة الاندماج داخل الدولة (بخلاف المراحل السابقة حين كان في مواجهة دائمة معها) وكان له تمثيلٌ نيابي في بعض الدورات غير أنه فقده في دورة العام 2022.

ـ خروج سوريا من لبنان 2005:

بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، إنقسم لبنان عمودياً بين معسكرين هما تحالف قوى 8 آذار المؤيدة لسوريا وتحالف قوى 14 آذار المطالبة بإنهاء وصايتها على لبنان. إنخرط الحزب في تحالف 8 آذار الذي ضم أيضاً حب الله وحركة أمل وآخرين فتبلورت علاقته بالمكونين الأساسيين من مكونات ما يُعرف بمحور المقاومة أو الممانعة.

ـ تبلور محور المقاومة 2000 ـ 2011:

تشكلت شبكة قوى سياسية ـ عسكرية في المنطقة تُعرّف نفسها عبر مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وتنسج تحالفات مع إيران وسوريا وحركات فلسطينية. وصار موقف الحزب القومي يُقرأ غالباً كجزء من هذا الفضاء السياسي في لبنان، ولكن مع تعاظم تداخل الملفات اللبنانية بالسورية والإقليمية ضاق هامش الاستقلالية الداخلية، ووجد الحزب نفسه أمام تناقضات: حزب يدّعي بناء دولة مدنية حديثة، لكنه يتحرك داخل منظومة طائفية ويتعاون مع أحزاب دينية ومع محاور فوق-دولتية.

الانقسام والتوحيد

ليس الانقسام الراهن داخل الحزب السوري القومي الاجتماعي حدثاً طارئاً أو سابقة في تاريخه، لكنه من أكثرها حدّةً وعلنيةً في لبنان لأنّه تحوّل إلى نزاعٍ على الشرعية ذاتها: جناحان يتبادلان قرارات الطرد ويقدّمان نفسيهما كقيادةٍ تمثيلية، ويتنازعان على المراكز والموارد وحق مخاطبة الدولة والرأي العام.

في كل منعطف، بدا أنّ الحزب يدفع ثمن الفجوة بين عقيدةٍ لا تجد مجالاً للتطبيق وممارسةٍ تُحاصرها شبكة المحاصصة والتحالفات البراغماتية، حتى انتهى اليوم إلى أزمةِ شرعيةٍ داخلية تُذكّر بأن أزمة "القومي" ليست فقط مع الكيان والدولة اللبنانية، بل أيضاً مع تعريف الحزب نفسه لوظيفته وحدوده وقدرته على إنتاج قيادة موحَّدة وخط سياسي قابل للحياة.
لا بد من الإشارة إلى أن جذور التشقق أقدم من اللحظة الحالية؛ فمنذ فترات غياب المؤسّس في المنفى ثم صدمة إعدامه عام 1949، ظلّ الحزب يختبر أزمات قيادة وتفسيرات متنافسة للعقيدة وحدود العمل السياسي: هل هو حركة نهضوية عابرة للكيانات أم حزبٌ لبناني ينخرط في لعبة التحالفات والانتخابات؟ وقد عاد هذا السؤال بقوة بعد تراجع النفوذ الانتخابي وخسارة التمثيل النيابي في دورة العام 2022، ما فتح نقاشاً داخلياً قاسياً حول جدوى التموضع والتحالفات.

لذلك لا تبدو الأزمة الحالية التي بلغت ذروتها عام 2023 مجرّد خلافٍ على أسماء، بل اختباراً لآليات الحكم الحزبي (انتخابات، محاكم داخلية، صلاحيات) وربما تكون اختباراً لـ"وظيفة الحزب" نفسها: بين عقيدة تدّعي بناء دولة مدنية فوق الطوائف، وواقع سياسي يجرّه إلى التموضع داخل شبكات النفوذ الطائفي والمناطقي. والنتيجة المباشرة هي فقدان القدرة على إنتاج موقف موحّد، وتآكل الانضباط التنظيمي، وتحوّل الانتماء من ولاءٍ للعقيدة إلى اصطفافٍ مع جناح أو قائد وهي كلفةٌ تُصعّب أي مشروع توحيد ما لم تُحسم شرعية القيادة وتُعاد صياغة خطّ سياسي مقنع يعيد للحزب دوره الفعال.

الخلاصة

يُظهر هذا العرض أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي لم يكن مجرّد حزبٍ لبناني تقليدي، بل مشروع هوية مثيرة للجدل وحدود تغيرت مع الزمن ودولةٍ أشبه بالسراب في منطقة تتنازعها الصراعات الطائفية، وُلد تحت الانتداب وراهن على نهضة تتجاوز الكيانات والولاءات. غير أنّ مساره في لبنان انحنى مراراً تحت ثقل الواقع: من الصدام مع الدولة ومحاولة الانقلاب، إلى العمل العسكري خلال الحرب، ثم الاندماج في نظام ما بعد الحرب، فالانخراط في اصطفافات ما بعد خروج سوريا من لبنان 2005 وصولاً إلى التموضع داخل محور المقاومة.

وفي كل منعطف، بدا أنّ الحزب يدفع ثمن الفجوة بين عقيدةٍ لا تجد مجالاً للتطبيق وممارسةٍ تُحاصرها شبكة المحاصصة والتحالفات البراغماتية، حتى انتهى اليوم إلى أزمةِ شرعيةٍ داخلية تُذكّر بأن أزمة "القومي" ليست فقط مع الكيان والدولة اللبنانية، بل أيضاً مع تعريف الحزب نفسه لوظيفته وحدوده وقدرته على إنتاج قيادة موحَّدة وخط سياسي قابل للحياة. فهل ما زال الحزب قادراً على استعادة معنى "النهضة" كمشروع إصلاح وبناء دولة أم أنه صار أسيرَ لحظةٍ تاريخية تتغير فيها المحاور السياسية فيما يتنازع داخله جناحان على شرعية التمثيل؟
التعليقات (0)