رمضان ليس مجرد محطة زمنية يمتنع فيها
المسلم عن الطعام والشراب من الفجر إلى غروب الشمس، بل هو في عمقه التربوي تجربة
فريدة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، فإذا كان الصوم عبادة فردية في ظاهرها، فإن
آثارها الحقيقية يمكن أن تمتد لتلامس المجال العام، بل لتطال
السياسة نفسها
باعتبارها أرقى صور التدبير الإنساني للشأن المشترك.
أول تحول يحدث في سلوك الصائم هو علاقته
بالقرآن، فهناك علاقة وطيدة بين
القرآن وشهر الصيام، وهي علاقة نلمسها منذ اليوم
الأول في رمضان، فترى الناس يقبلون بشغف كبير على القرآن الكريم يتدبرون آياته
ويتأملون قصصه ويتدارسون أحكامه، وتلاحظ امتلاء المساجد بالمصلين، ولاسيما في صلاة
التراويح التي هي تهجد بالقرآن، كما يزداد عدد المقبلين على قراءة الحزب الراتب
بعد صلاة العصر وصلاة الفجر، وهي من العادات التاريخية للمغاربة التي تبرز مدى
تعلقهم بالقرآن.
رمضان وإعادة تشكيل العلاقة مع القرآن
باعتباره المصدر الأول..
لقد لاحظ العلامة ابن خلدون هذا الارتباط
بالقرآن من طرف المغاربة، وعلق عليه بقوله: "وأما إقامتهم لمراسم الشريعة،
وأخذهم بأحكام الملة، ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين لكتاب
الله لصبيانهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم..
ما يدل على رسوخ إيمانهم، وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم، التي كانت ملاكا لعزهم،
ومقادا إلى سلطانهم وملكهم".
القرآن يعالج بناء الشخصية والضمير، ويؤسس لقيم العدل والشورى والمساواة، ويذكر بقصص الأمم السابقة في علاقتها بالأنبياء المرسلين وفي صراعها ضد الظلم والاستبداد، كما يضع أيضا قواعد العمران الاجتماعي والسياسي، بحيث لا يفصل بين الأخلاق الخاصة والنظام العام، بل يجعل من تهذيب النفس مدخلًا لإصلاح المجتمع.
كما نوه في "المقدمة" بالتبكير
بتحفيظ القرآن لولدانهم، وجعله أصل التعليم ومدار أمره عليه: "فأما أهل
المغرب فمذهبهم في الولدان، الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء الدراسة
بالرسم ومسائله، واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس
تعليمهم، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن
العلم في الجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم
المغرب في ولدانهم، إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا مذهبهم في الكبير
إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره".
فشهر رمضان هو شهر القرآن بنصه الصريح:
"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هدى للناس وبينات من
الهدى والفرقان". ولذلك لم يكن إقبال المسلمين على القرآن في رمضان إقبال ختم
شكلي، بل كان إقبال تدبر في معاني القرآن وفهم أسراره وكنوزه، بحيث يُروى أن كبار
الأئمة كانوا إذا دخل رمضان تركوا الاشتغال ببعض العلوم وتفرغوا للقرآن، إدراكا
منهم أن القرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، بل كتابا لبناء الإنسان وفهم الغاية من وجوده
في الحياة الدنيا ووضع التوجيهات التي يحقق بها هذا الإنسان عمارة الأرض ليكون
خليفة الله فيها بحق "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ
فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً.." الآية.
فالقرآن يعالج بناء الشخصية والضمير، ويؤسس
لقيم العدل والشورى والمساواة، ويذكر بقصص الأمم السابقة في علاقتها بالأنبياء
المرسلين وفي صراعها ضد الظلم والاستبداد، كما يضع أيضا قواعد العمران الاجتماعي
والسياسي، بحيث لا يفصل بين الأخلاق الخاصة والنظام العام، بل يجعل من تهذيب النفس
مدخلًا لإصلاح المجتمع.
وفي الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب رضي
الله عنه، أن النبي ﷺ قال عن القرآن: "هو حبل الله المتين.. من حكم به عدل،
ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم". إنها معادلة واضحة:
العدل في الحكم مشروط بالاهتداء بقيم الوحي، لا بالانفصال عنها.
يقول الله تعالى في سورة الإسراء:
"إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ"، والهداية
إلى "التي هي أقوم" ليست هداية فردية روحية فحسب، وإنما هي هداية في
الفكر والسلوك والنظام والعمران. ومن هنا يثور السؤال: هل يمكن أن يكون لرمضان أثر
في تصحيح مسار حياتنا السياسية كما يسهم في تصحيح مسار حياتنا الشخصية؟
لكن قبل الجواب عن هذا السؤال، دعونا نتوقف
عند المقصود بالسياسة في هذا المقال.
مفهوم السياسة بين منطق القوة ومنطق الإصلاح..
عبر التاريخ، تأرجح مفهوم السياسة بين
اتجاهين: اتجاه يعتبرها صراعا على السلطة ومراكمة للقوة. واتجاه يراها تدبيرا
للإصلاح وتحقيقا للصالح العام. المذهب الواقعي الذي ارتبط باسم نيكولو ميكيافيلي
في كتابه الأمير دعا إلى فصل السياسة عن الأخلاق، وجعل معيارها الأوحد هو النجاح
في الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها، وقد أصبح هذا التصور مؤثرا في الممارسة
السياسية الحديثة، حيث تختزل السياسة في فن السيطرة وإدارة التوازنات، ولو على
حساب القيم.
غير أن هذا التصور، وإن بدا
"واقعيا"، يحمل في داخله بذور التآكل؛ لأن السياسة حين تجرد من بعدها
الأخلاقي تتحول إلى صراع محض، وتفقد مشروعيتها الرمزية في أعين المجتمع.
ليست الأخلاق ـ إذن ـ ترفا وعظيا، بل شرطا بنيويا لاستمرار العمران السياسي، ويؤكد الحديث النبوي هذا المعنى بقول الرسول الكريم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"، فالربط بين كمال الإيمان وحسن الخلق يعني أن الأخلاق ليست قشرة اجتماعية، بل امتدادا لعقيدة راسخة، وإذا كان الإيمان يحرر الإنسان من عبودية الشهوة والخوف، فإنه يؤهله لممارسة السلطة بوصفها أمانة لا غنيمة.
في المقابل، نجد في التراث الإسلامي تعريفات
مغايرة للسياسة. فقد عرّفها ابن عقيل الحنبلي بأنها: "ما كان الناس معه أقرب
إلى الصلاح وأبعد عن الفساد". واعتبرها ابن خلدون: "القيام على الشيء
بما يصلحه". هنا تُقرن السياسة بالإصلاح لا بالتحكم، وبالعمران لا بالغلبة.
وفي مقدمته الشهيرة، حذر ابن خلدون من أن
الظلم واستشراء الجبايات والمكوس الجائرة مؤذن بـ"خراب العمران". وهو
تعبير بالغ الدلالة، إذ يجعل من الانحراف الأخلاقي في السلطة سببا مباشرا في
انهيار الدولة.
ليست الأخلاق ـ إذن ـ ترفا وعظيا، بل شرطا
بنيويا لاستمرار العمران السياسي، ويؤكد الحديث النبوي هذا المعنى بقول الرسول
الكريم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"، فالربط بين كمال الإيمان
وحسن الخلق يعني أن الأخلاق ليست قشرة اجتماعية، بل امتدادا لعقيدة راسخة، وإذا كان
الإيمان يحرر الإنسان من عبودية الشهوة والخوف، فإنه يؤهله لممارسة السلطة بوصفها
أمانة لا غنيمة.
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ـ في سياق
مغاير ـ يربط بين الأخلاق ووجود "قانون داخلي" يضبط السلوك الإنساني،
وذلك من خلال تصوره للعقل العملي بوصفه مصدرا للإلزام الأخلاقي. هذا "القانون
الداخلي" هو ما صاغه كانط في صورة الأمر المطلق، الذي يقتضي أن يتصرف الفرد
وفق قاعدة يريد لها أن تصبح قانونا عاما كليا. وبذلك تصبح قيمة الفعل الأخلاقي
مرتبطة بصدوره عن احترام الواجب لا عن الميل أو المنفعة. إن القانون الأخلاقي عند
كانط هو تعبير عن العقل الكوني الكامن في الذات الإنسانية، وهو الذي يضبط السلوك
من الداخل عبر شعور الاحترام للواجب، كما رأى أن الكرامة الإنسانية تتأسس على
احترام هذا القانون الأخلاقي. والفرق أن المنظور القرآني يجعل هذا القانون متجذرا
في علاقة الإنسان بالله، لا في مجرد عقل عملي مستقل.
رمضان والسياسة.. إمكان اللقاء
إذا كان رمضان مدرسة لتجديد الإيمان، فإن
تجديد الإيمان يعني، بالضرورة، تجديد الأخلاق، وتجديد الأخلاق ينعكس على المجال
العام كما ينعكس على السلوك الفردي.
إن أزمة السياسة المعاصرة ليست فقط أزمة
مؤسسات أو قوانين، بل أزمة معنى. فحين تختزل السياسة في اللهث وراء المنصب، ويتحول
الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية، ويغيب الضابط الأخلاقي في الخطاب والممارسة،
فإننا نكون أمام مؤشرات "خراب عمران" جديد.
بينما رمضان يذكرنا بأن السلطة زائلة، وأن
الإنسان مسؤول أمام الله، وأن العدل قيمة مطلقة لا نسبية، وهو بذلك يعيد وصل
السياسة بأفقها الأخلاقي، ويمنحها بعدا إصلاحيا يتجاوز البراغماتية الضيقة.
والخلاصة.. نحو سياسة بعمق إيماني..
الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها هي أن
السياسة، إذا أريد لها أن تكون إصلاحا لا إفسادا، تحتاج إلى سند أخلاقي متين. وهذا
السند، في التصور الإسلامي، لا يكتمل إلا بالإيمان العميق.
فالعلاقة السليمة بالله تؤسس لعلاقة سليمة
بالناس، والعمران لا يقوم إلا على العدل، والعدل لا يستقر إلا في ضمير حي.
رمضان ليس موسما روحيا عابرا، بل فرصة
لإعادة تأسيس الضمير الفردي والجماعي، وإذا استطعنا أن ننقل بعض معانيه من المسجد
إلى المجال العام، فقد نكون وضعنا لبنة في طريق استعادة السياسة لرسالتها الأصلية:
خدمة الإنسان، وتحقيق الصالح العام، وصون العمران من الخراب.
"إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ
شَهِيدٌ".
رمضان كريم، وكل عام وأنتم بألف خير.