بين الملائكة والسحرة.. رواية تكشف الطغيان والخيال في لندن المقصوفة

عنوان الرواية، "نونستش"، يعني بالعربية "لا مثيل له" أو "فريد من نوعه"، في إشارة إلى عالم الرواية الغريب والاستثنائي.
عنوان الرواية، "نونستش"، يعني بالعربية "لا مثيل له" أو "فريد من نوعه"، في إشارة إلى عالم الرواية الغريب والاستثنائي.
شارك الخبر
يظل الأدب الغربي الحديث والمعاصر مرآة حية لتأمل العلاقة بين الفن والفكر في أزمات الإنسان، وفضاءً لإنتاج الأفكار وصناعة الأعلام حتى في أحلك الفترات التي يسيطر فيها الموت والخراب على حياة الناس، مثل الحروب. هنا تكمن مهمة المفكر والمبدع: تحويل الظلام إلى مجال للتخيّل النقدي، وإظهار كيف يمكن للخيال أن يفضح السلطة ويعيد رسم حدود الممكن، تجربة يمكن أن تلهم المفكر العربي اليوم.

فرانسيس سبوفورد.. المزج بين التاريخ والفانتازيا والفكر


الروائي البريطاني فرانسيس سبوفورد (مواليد 1964) يجسد هذه القدرة بامتياز. مشهور بقدرته على المزج بين التاريخ والفانتازيا والفلسفة والمتعة الأدبية، كتب روايات مثل "الضوء الدائم" (2021)، الذي يعيد سرد حياة أطفال قتلوا في قصف لندن خلال الحرب العالمية الثانية، و"نونستش" (2026)، الرواية الفانتازية التي تجمع السحر الأسود والفاشية والرومانس في لندن المقصوفة بالغارات، مع معالجة عميقة للسلطة والعلاقات الإنسانية والخيال الإبداعي في أزمنة الأزمات.

وفي مراجعة نقدية نشرتها صحيفة الغارديان اليوم الثلاثاء، تشير الكاتبة إيه كيه بلاكمور إلى أن سبوفورد يحوّل "نونستش" إلى فضاء للتأمل الفلسفي والاجتماعي، حيث يتقاطع البهاء الأدبي مع الظلام التاريخي، والسحر مع إرادة القوة، والرومانس مع الفاشية. الرواية ليست مجرد حكاية مشوقة، بل تمرين فكري على مواجهة الطغيان، ودرس في قدرة الخيال والبهجة على مساءلة أبشع أنماط السلطة حتى في أكثر الأزمنة ظلمة.

"نونستش".. العنوان والهوية


عنوان الرواية، "نونستش"، يعني بالعربية "لا مثيل له" أو "فريد من نوعه"، في إشارة إلى عالم الرواية الغريب والاستثنائي. يحمل الاسم إحساساً بالغرابة والتميّز، ويعكس أسلوب سبوفورد في مزج الواقع التاريخي للفترة الحربية مع الفانتازيا والسحر، ليخلق تجربة قراءة فريدة، لا يمكن مقارنتها بأي عمل أدبي آخر، ويحوّل الرواية إلى فضاء مفعم بالدهشة والمغامرة، حيث يصبح كل حدث أو شخصية استثناءً يثري العالم الروائي.

لندن تحت القصف.. حيث يصبح السحر أداة المقاومة


تدور أحداث الرواية في أغسطس/آب 1939، قبيل أن تتجسّد الحرب فعلياً في شوارع لندن. البطلة، إيريس هوكينز، موظفة طموحة تشق طريقها في "الويست إند" تحت شمس صيفية لاهبة، قبل أن يقودها موعد عاطفي فاشل إلى تعارفين حاسمين: جيفري هيل، مهندس تلفزيوني خجول في هيئة الإذاعة البريطانية، وليدي لالاج كاننغهام، أرستقراطية فاتنة ذات ميول سياسية مريبة.

سرعان ما تنقلب الحكاية إلى فانتازيا جامحة: مؤامرة "سحرية فاشية" للسفر عبر الزمن بهدف اغتيال ونستون تشرشل. تتشابك الرومانسية مع الغيبيات، والهندسة اللاإقليدية مع المغامرات الجوية فوق أسطح لندن المقصوفة. المدينة هنا ليست مجرد خلفية، بل استعارة عن عالم فقد منطقه، حيث تتساقط القنابل كما المطر، ويبدو الواقع أكثر جنوناً من أي تعويذة.

من "الضوء الدائم" إلى الفانتازيا الحرة


ليست هذه المرة الأولى التي يعود فيها سبوفورد إلى أجواء "البلتز" (الغارات الألمانية على لندن). ففي روايته السابقة "الضوء الدائم"، استعاد مصائر خمسة أطفال قتلوا في قصف حقيقي عام 1944. لكن "نونستش" تتخفف من ثقل ذلك المشروع، وتنطلق نحو فانتازيا صريحة، دون أن تفقد بعدها التأمل العميق في السلطة والشر.

في هذا العالم، تتجاور "الملائكة والأعمال المكتبية"، وتتحول الطاقة السحرية إلى استعارة عن "إرادة القوة" النيتشوية التي تغذي الفاشية. هل كل ساحر متنمّر؟ هل الرغبة في السيطرة في السحر تعكس الرغبة نفسها في السلطة السياسية؟ الرواية لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح فضاءً للتأمل النقدي.

الشخصيات بين الكاريكاتور والرمزية


تسجل المراجعة بعض التحفظات: طموح إيريس الصاخب لا يبدو دائماً مقنعاً، فيما تظل ليدي كاننغهام أقرب إلى شخصية كاريكاتورية شبيهة ببعض نماذج بي جي وودهاوس، أكثر من كونها تهديداً درامياً حقيقياً. ومع ذلك، لا ينتقص ذلك من التأثير الكلي للرواية، التي تبقى ممتعة ومثيرة، وتلمس أعماق التفكير في السلطة والشر والفانتازيا.

فانتازيا مقاومة.. الخيال كأداة لمساءلة السلطة


في خلاصة المراجعة، تُظهر "نونستش" كيف يمكن للفانتازيا أن تتحول إلى أداة لمساءلة السلطة والشر، وكيف يمكن للخيال أن يضيء حتى أكثر الأزمنة ظلمة. إنها رواية عن حرب عالمية، نعم، لكنها أيضاً عن قدرة الإنسان على الابتكار والتفكير والتخيل، وعن البهجة واللعب الأدبي كوسائل فكرية لمواجهة الطغيان، ودعوة للقارئ العربي لتأمل التاريخ والخيال من زاوية نقدية تفضح السلطة وتفتح أبواب التفكير الحر.
التعليقات (0)