بين التاريخ والاستراتيجية.. تفكيك سردية الصراع على الشرق الأوسط الكبير

بالنسبة لأوروبا، يبدو أن هذا التماثل الديني بين المسيحية واليهودية حديث العهد وفيه الكثير من النفاق..
بالنسبة لأوروبا، يبدو أن هذا التماثل الديني بين المسيحية واليهودية حديث العهد وفيه الكثير من النفاق..
شارك الخبر
الكتاب: عاصفة على الشرق الأوسط الكبير
الكاتب: ميشيل رامبو، ترجمة الدكتورة ابانة مشوَّح
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق ، الطبعة الأولى 2020، (عدد الصفحات 824 من القطع الكبير)


في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وعودة الصراعات الجيوسياسية إلى بؤر التوتر التقليدية، تكتسب قراءة الكتب المرجعية حول الشرق الأوسط أهمية متجددة تتجاوز الطابع الأكاديمي إلى فهم أعمق لبنية الصراع العالمي.

في هذا الإطار، تنشر "عربي21" هذا النص بوصفه الجزء الأول من قراءة كتبها خصيصاً الكاتب والباحث توفيق المديني، في كتاب السفير الفرنسي السابق ميشيل رامبو Storm over the Greater Middle East، الصادر بعنوانه العربي "عاصفة على الشرق الأوسط الكبير"، بهدف تعميم الفائدة وإغناء النقاش حول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الجغرافيا السياسية المعاصرة.

ولا تأتي هذه القراءة من باب العرض الأكاديمي فحسب، بل من محاولة تفكيك السرديات التاريخية التي حكمت تشكل المنطقة منذ انهيار الدولة العثمانية، مروراً باتفاقيات سايكس ـ بيكو ووعد بلفور، وصولاً إلى التحولات الراهنة التي تعيد طرح سؤال الهيمنة وإعادة تشكيل المجال الإقليمي في ضوء التنافس الدولي المتجدد.


الصراع على الشرق الأوسط الكبير بهدف الهيمنة عليه

أعادت الحرب الأمريكية ـ الصهيونية على إيران، التي أربكت النظام العالمي الليبرالي الأمريكي، وأسهمت في خلق أزمة كبيرة في الاقتصاد العالمي،  وأَحَلَّتْ عدم الاستقرار السياسي في بلدان المشرق العربي  المعقد، الذي يزداد أكثر فأكثر تعقيدًا،الإهتمام من جديد بدراسة معضلة الشرق الأوسط الكبير، ولهذا كان العودة إلى تقديم قراءة لهذا الكتاب المهم، الذي يحمل العنوان التالي: "عاصفة على الشرق الأوسط الكبير"، الذي يتألف من مقدمة، وأربعة أجزاء، و24 فصلاُ، وصدرعن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2020.

ويحتل هذا الكتاب المرتبة الأولى بين الكتب التي تؤرّخ للصراع على الشرق الأوسط، للمؤلف السفير الفرنسي السابق ميشيل رامبو، غير المعروف كثيرًا لدى جمهور القراء العرب، وإن كان قد ألف باللغة الفرنسية كتاباً مرجعياً عن السودان. فقد نجح السفير ميشيل رامبو بامتحان توظيف الأمناء العامين في وزارة الخارجية الفرنسية (إدارة دول المشرق)، ومعرفته الجيدة باللغة العربية أتاحت له أن يختبر حقول عمل عدة، فعين في جدَّة بالمملكة السعودية، كما عين مديراً للعلاقات الأفريقية والملقية، ثم في القاهرة وبرازيليا. وعين سفيراً في نواكشوط بين عامي2000 ـ 2003. وأنهى حياته المهنية کدبلوماسي سفير لفرنسا في زمبابوي بين عامي 2004 ـ 2006.

يفرض هذا الكتاب نفسه بقوة من الآن فصاعداً كواحد من أكبر الكتب المرجعية التي تتناول موضوع الجغرافية السياسية للشرق الأوسط. وهو كتاب لا يستغني أي شخص كان عن قراءته، سواء أكان طالباً، أم باحثاً، أم صحفياً، أم دبلوماسياً، أم رحالة، أم مواطناً، إذا ما كان يرغب بفهم جوانب إحدى الأزمات الأكثر تعقيداً وتأثيراً في تاريخنا المعاصر.
لا شك أنه كان هناك سوء تفاهم تاريخي تراكم وتضاعف منذ اندلاع الثورة العربية الكبرى (1916) ـ (1918). فقد وعدت الإمبراطورية البريطانية شريف مكة الشريف حسين، بإقامة مملكة عربية كبرى عاصمتها بغداد، بينما وقعت في الوقت نفسه مع باريس اتفاقيات سرية تنظم تفكيك الإمبراطورية العثمانية واقتسامها. وقعت اتفاقية سايكس - بيكو في 16 أيار/مايو 1916  بموافقة كل من روسيا وإيطاليا، ونصت على إقامة منطقتين الأولى فرنسية وتضم سوريا، وكردستان العراق ـ وهي كناية عن أراض رملية شاسعة جرى التنازل عنها سابقاً إلى البريطانيين ـ ولبنان الحالي؛ والثانية بريطانية تضم المملكتين العربيتين في العراق والأردن اللتين أقيمتا للأسرة الهاشمية التي طردها من مكة وهابيو آل سعود، ومن بغداد. وبعد عام على توقيع الاتفاقية، في 2 تشرين الثاني1917۱۹۱۷.

وزاد الوحش الماكر الذي انطلق من عقاله الطين بلة عندما أطلق وعداً بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وذلك في رسالة وجهها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل ولتر روتشيلد. ويعد هذا الوعد أحد المراحل الأولى لإقامة "دولة إسرائيل""ونتج عن ذلك سلسلة الحروب التي نشبت بين العرب والكيان الصهيوني والنتائج الهدامة المستمرة على مجمل مناطق الشرق الأدنى، والشرق الأوسط، والشرق الأوسط الكبير. وما زال الشرُّ المسمى بـ "المجتمع الدولي" يدير حتى اليوم النتائج السلبية لانهيار "الباب العالي".

إن أساس التدخلات العسكرية الغربية التي تتالت منذ أن قضى مصطفى كمال على آخر خلافة في عام 1924، وكذلك المسار الموجه لهذه التدخلات، وجدت سنداً لها في اتفاق كوينسي المبرم في 14 شباط / فبراير 1945  على متن الطائرة الأمريكية كوينسي بين ابن سعود مؤسس المملكة السعودية والرئيس الأمريكي روزفلت أراد هذا الأخير وهو في طريق عودته من مؤتمر يالطا أن يؤمن أكبر قدر من السيطرة على أعظم احتياطي للوقود في العالم، مقابل تأمين حماية للأسرة السعودية الوهابية  والسهر على مصالحها.

هذا الاتفاق الأول لـ "النفط مقابل الأمن" وقع لفترة ستين عاماً، ثم جدَّده للمدة نفسها عام 2005 الرئيس جورج بوش الأب دون أن يثير اهتماماً كبيراً لدى وسائل الإعلام العالمية أو لدى خبرائنا المزعومين في شؤون العالم الإسلامي، رغم أنهم دائماً على استعداد للإسراع في اختراع الروايات المذهلة التي تحوكها عقولهم المهلوسة، وتلهث وراءها دون أدنى ترددٍ نشرات الأخبار المتلفزة التي باتت تبعث أكثر فأكثر على الكرب.

 لماذا هذه العودة إلى هذا الكتاب لمؤلفه ميشيل رامبو في ظل الإسقاطات المدمرة للحرب الأمربكية ـ الصهيونية على إيران، وبغض النظر عن تقلبات الزمن وميوله، لأنَّه يفرضُ نفسه دون شكٍّ كأحد الكتب المرجعية التي تتناول معضلة الشرق الأوسط بكل أبعادها التاريخية و الجغرافيا السياسية، وذلك لثلاثة أسباب أساسية: فهو يختلف ويلتقي بوضوح شديد وذكاء متقد مع السرديات  المحلية والإقليمية والدولية للأحداث التاريخية ، والتي تتناول الشرق الأوسط المعقد؛ ويضع على طاولة التشريح دولاً خرجت منذ زمن بعيد من شاشة الرادار العالمي، كالبحرين واليمن والسودان وموريتانيا؛ وهو أخيراً يعيد الصراع العربي ـ الصهيوني إلى موقعه المركزي الأساس على محور الأزمات في الشرقين الأدنى والأوسط، وهو موقع قامت الشعبوية الأمريكية الترامبية بإزاحته عن المركز، وتهميشه، لا بل إنكاره.

بعبارة أخرى، يفرض هذا الكتاب نفسه بقوة من الآن فصاعداً كواحد من أكبر الكتب المرجعية التي تتناول موضوع الجغرافية السياسية للشرق الأوسط. وهو كتاب لا يستغني أي شخص كان عن قراءته، سواء أكان طالباً، أم باحثاً، أم صحفياً، أم دبلوماسياً، أم رحالة، أم مواطناً، إذا ما كان يرغب بفهم جوانب إحدى الأزمات الأكثر تعقيداً وتأثيراً في تاريخنا المعاصر.

تتسع حدود الشرق الأوسط الكبير وفقاً للنزوات الأمريكية. قهي تمتد اليوم على أكثر من خمسين خط طول، من الأطلسي إلى إندونيسيا، ويمتلك هذا الحزام الأخضر الإسلامي الهائل قدرات ونقاط قوة كبيرة لما له من موقع إستراتيجي على التخوم الأوروبية الآسيوية، ونظراً لغناه بالثروات الغازية والنفطية، وهو يمثل رهاناً وتحدياً كبيرين، وسيكون لمستقبله المهدد بالعواصف الحالية أكبر الأثر في إعادة تشكيل عالم الغد.

فهل سيصيح هذا العالم أحادي القطب، فينصاع لأوامر الغرب كما كان حاله منذ انتهاء الحرب الباردة؟ أم سيغدو عالماً متعدد الأقطاب كما تبشر بذلك الدول الصاعدة؟ ذاك هو السؤال المطروح.

يتوجه هذا الكتاب إلى كل المهتمين بالشعوب العربية و/أو الإسلامية وتاريخها ومستقبلها، ويستهدف أيضاً جمهوراً أوسع من القراء، ونعني بذلك كل من يرغب في فهم ما يجري اليوم من أحداث، ويحرص على تبديد الأوهام، وفضح الضلال الذي يغرق فيه هذا العالم القديم حيث يبذر الموت والدمار بسهولة بالغة باسم الخير إن لم يكن باسم الرب.

جذور الصراع التاريخي بين الشرق  المسلم و الغرب المسيحي.. مد وجذر

في أحد الفصول المهمة من هذا الكتاب التي تعني بالتاريخ، يقدم لنا الكاتب ميشيل رامبو استعراضًا تاريخيا لجذور الصراع ، لما نطلق عليه هنا صفة إمبراطورية،  وهو وريث الغرب المسيحي الذي انتصر ـ وإن مؤقتاً على الأقل ـ على الإسلام بعد أن استرد منه غنيمتين مزدوجتين: استعادة الأندلس، أي إسبانيا العربية ـ المسلمة بعد مواجهة بين المسيحيين والأسبان المسلمين دامت لأكثر من أربعمائة عام؛ ثم استعادة أوروبا العثمانية بعد صراع جديد دام أربعة قرون انتهى بتفكيك الإمبراطورية العثمانية التي شيدها الباب العالي وكانت منتشرة على ثلاث قارات. .

من المهم الإشارة هنا إلى أن الفصلين التاريخيين ليسا متزامنين، بل على العكس من ذلك متتاليين. ففي عام 1492 سقطت مملكة غرناطة، آخر إمارة إسلامية في إسبانيا؛ بينما سقطت القسطنطينية قبلها في يد الأتراك عام 1453 الأمر الذي كرس عودة المسلمين واستقرارهم على الأرض الأوروبية. استمر تمسك الأسبان المسلمين بالأندلس قرابة القرن قبل أن يطردوا منها - كما طرد اليهود - من قبل ملوك إسبانيا الجديدة الغارقين في كاثوليكيتهم. وفي الطرف الآخر من القارة الأوروبية والبحر المتوسط، دعم الأتراك إمبراطوريتهم وبسطوا سيطرتهم على أوروبا الشرقية والبلقان، متقدمين في زحفهم حتى فيينا. وهكذا، أتى الرد على تراجع الأسبان - العرب باتجاه المغرب تقدماً مظفّراً للأتراك - المسلمين نحو وسط أوروبا. تكاد فصول الحروب الصليبية تبدو بسيطة تافهة بالمقارنة مع هذه الاضطرابات العظيمة، لولا أنها تركت ذاك الأثر العميق في ذاكرة شعوب الإسلام والمسيحية.

في هذه السياق التاريخي، يقول الكاتب ميشيل رامبو:"اليوم، منذ أن دخل الغرب والعالم العربي - الإسلامي في مرحلة جديدة من المواجهات، ما زالت المغامرات العسكرية الأمريكية - الأوروبية بالمعنى الواسع جداً للكلمة توصف في المشرق حتى اليوم بأنها حروب صليبية جديدة. إنَّ العودة لاستخدام عبارة عمرها 900 عام تعيد إلى الذاكرة حملات شنّها طوال قرنين من الزمن مسيحيو أوروبا على الأراضي المقدسة بحجة استعادة القدس؛ وهذا ليس محض مصادفة لغوية. فتلك عبارة تحمل شحنة عاطفية قوية. إنها توقظ نفحات من الضغينة، حتى لا نقول من الكراهية، تتجاوز إلى حدٍّ بعيدٍ مجرد إثارة ذكرى تاريخية مؤلمة.

تتسع حدود الشرق الأوسط الكبير وفقاً للنزوات الأمريكية. قهي تمتد اليوم على أكثر من خمسين خط طول، من الأطلسي إلى إندونيسيا، ويمتلك هذا الحزام الأخضر الإسلامي الهائل قدرات ونقاط قوة كبيرة لما له من موقع إستراتيجي على التخوم الأوروبية الآسيوية، ونظراً لغناه بالثروات الغازية والنفطية، وهو يمثل رهاناً وتحدياً كبيرين، وسيكون لمستقبله المهدد بالعواصف الحالية أكبر الأثر في إعادة تشكيل عالم الغد.
من يتأثر اليوم في أوروبا العجوز التي أُتْخِمَتْ بالنزاعات والحروب ومزقت بوحشيةٍ لمجرد ذكر حرب المئة عام؟ أما بالنسبة للمسلمين، فإن الحملات الصليبية التسع  من عام 1096 حتى عام 1271 هي إحدى مستنسخات الحرب المقدسة التي شنتها المسيحية على دار الإسلام، ومنها استعادة شبه الجزيرة الأيبيرية من المسلمين. إن هذا الوجود لـ الدول اللاتينية على الأرض المقدسة أو أرض الميعاد خلال قرنين من الزمن 1096 ـ 1291 قدم رؤية مسبقة لثاني غزو أوروبي للأراضي العربية وما خلفه الاستعمار فيها من تجزئة وجرح بليغ تمثل في إقامة دولة "إسرائيل". في إطار هذه المأساة، لا يمكن اختزال الحفاظ على القدس أولى القبلتين وثالث أقدس المقدسات الإسلامية، هذه المدينة المقدّسة في الديانات التوحيدية الثلاث التي تناوب الصليبيون والمسلمون على فقدها واستعادتها، لا يمكن اختزاله على أنه مجرد رهان عسكري، فهو رمز للتجذر والحقوق"(ص235).

بعد هذه اللمحة التاريخية، سقطت آخر إمارة عربية - إسلامية في عام 1492، وكانت كارثة بالنسبة للأسبان المسلمين. وفي العام نفسه وانطلاقاً من المكان نفسه لكن ألم يحرف التاريخ ويُجمَّل؟، ذهب الأيبيريون لغزو أمريكا 1492 هو عام اكتشاف العالم الجديد وبدؤوا عمليات مضايقة أرض الإسلام في أفريقيا، ثم انتهى بهم المطاف أن استوطنوا فيها منذ بداية القرن التاسع عشر. من جهتهم، وبعد أن استولى الأتراك على القسطنطينية انقضوا على أوروبا، كما هاجموا الفضاء الإسلامي، فحققوا تقدماً أول الأمر، ثم تراجعوا استمرت مواجهاتهم مع الأوروبيين أكثر من أربعة قرون 1453 -1920. ما كان من الممكن ألا يترك هذا التحرك الجيو -سياسي العظيم الذي سيطر على ثمانمئة عام من التاريخ المشترك بين الغرب المسيحي والشرق المسلم أي أثر في الذاكرات والمفاهيم المتبادلة.

لا تقتصر المغامرة المشتركة بين الإسلام والمسيحية على هذا المد والجزر، ولا على إعادة الفتح والانتقام الاستعماري في الغرب، ولا على الخوف الكبير الذي شعر به الغرب في مواجهته للأتراك العثمانيين، أو على تمزيق الرجل المريض في الشرق بالنسبة للتاريخ المعاصر، النتيجة الإجمالية وحدها هي التي تترك أثرها في الوعي الجمعي. هناك رابح وخاسر في نهاية هذه المواجهة بعد عام 1920 والحرب العالمية الأولى التي تصارعت فيها القوى والإمبراطوريات في مجزرة هائلة أشبه بانتحار جماعي أصبح الغرب الأوروبي هو المسيطر على دار الإسلام واحتله لفترة غير محددة.

بدا أن الناجين من الأتراك مثلاً، لم يعد بإمكانهم الخلاص إلا بإنكار حضارتهم، وهذا ما أثلج صدر المنتصرين عليهم. لم تنقلب الموازين إلا بعد نحو أربعين أو خمسين عاماً مع انبثاق حركة التحرر الوطني العربية الكبرى من الاستعمارالأوروبي، ومحاولات التحرر الاقتصادي. لكن النفوذالأمريكي الذي ورث النفوذ الأوروبي الاستعماري  كان قوياً ومؤثراً إلى حد أنه كان على الدول العربية ـ الإسلامية أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة تحرير العقول وما زالت في هذه المعركة مستمرة، وتدل الحرب الأمريكية ـ الصهيونية على إيران بكل أبعادها على مدى صعوبة تحقيق السيطرة على الشرق الأوسط الكبير.

النزاعات التاريخية سايكس ـ بيكو، إسرائيل، السويس

يواصل الكاتب ميشيل رامبو في عملية تحقيبه التاريخي لأهم المحطات التاريخية الكبرى التي تتسم بها العلاقات بين الغرب المسيحي والشرق المسلم ، وهذا أمر مألوف بالنسبة لعالمين متقاربين وغريبين في آن واحد.فهناك اضطرابات الجوار التي تتميز بها حياة الشعوب كما حياة الأفراد، يُضاف إليها في الواقع حالة من عدم الفهم لطالما سممت وجود ديانتين متزاحمتين خرجتا من منبع واحد، والطبيعة التنازعية لاحتكاك حضارتين متنافستين تدعي كل منهما الأممية. تشكل حديثاً المظهر الأيديولوجي المعاصر الذي يأخذ شكل مواجهة بين العالم العربي ـ الإسلامي والعالم اليهودي ـ المسيحي، ولا سيما فيما يتعلق بشقه اليهودي ـ المسيحي، وقد خرجت صورة هذا الصراع مباشرة من الانطلاقات الصوفية الكبيرة للمحافظين الجدد الأورو أمريكيين المطبوعين بالفكر الأصولي المسيحي ـ الصهيوني.

بالنسبة لأوروبا، يبدو أن هذا التماثل الديني بين المسيحية واليهودية حديث العهد وفيه الكثير من النفاق، هذا إذا ما أردنا النظر في أصول قارة أوروبا العجوز وكنيستها الكاثوليكية من وجهة نظر النزعة الموالية لليهود. ويبدو أن العلاقات بين الإسلام واليهودية كانت أكثر انسجاماً بكثير، وإن لم تكن مثالية.

يقول الكاتب ميشيل رامبو: "على أي حال، تظهر لنا العلاقات بين الغرب والشرق العربي - المسلم في تاريخنا المعاصر علاقات مواجهة ذات طابع جيو - سياسي؛ وهي مواجهة تغذى باستمرار عن طريق إحياء ذكرى المنازعات السياسية العديدة وتأكيد أثرها. لن نأتي هنا إلا على ذكر بعض منها ترسخت في الذاكرة التاريخية للشعوب ترسخاً عميقاً ودائماً، مما جعل أثرها السلبي المنحرف لا يُمحى ولا يضعف. ولا شك أن من بين أكثر هذه المنازعات رسوخاً وعناداً ما هو مرتبط بسقوط الإمبراطورية العثمانية منذ قرابة القرن، وعودة تركيا إلى مهدها في المشرق العربي، واتفاقية سايكس - بيكو، والانتدابات، وإقامة دولة إسرائيل. تلك كانت حتماً بالنسبة للعرب أقسى فصول هذه الاضطرابات، وأكثر ما أثار فيهم ألماً لا تنطفئ ناره"(ص239).

 لقد شهد العالم العربي -الإسلامي أوّل تقسيم له  إثر الحرب العالمية الأولى وكان إعلاناً مدوّياً لتصفية الإمبراطورية العثمانية بعد تاريخ عمره أكثر من خمسمئة عام، وقيام القوتين الاستعماريتين فرنسا وإنجلترا بتقاسم أشلائها، وكانتا تظنان في ذاك الزمن الجميل أنهما تحكمان العالم. بينما حدث التقسيم الثاني في نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، فكرس قيام دولتين عظميين وهما الولايات المتحدة الأمريكية ذات النزعة الليبرالية ، والاتحاد السوفياتي الاشتراكي ، وزوال الدولتين العظميين السابقتين فرنسا وبريطانيا العظمى، وإن كانت هذه الأخيرة توحي بأنها ما زالت قوة عظمى. قسم العالم الجديد في يالطا بين العالم الحر وبين ما سيطلق عليه لاحقاً اسم إمبراطورية الشر. وبعد أكثر من سبعين عاماً، أصبح من الصعب تعرف وجه العالم، وبدا أن الوقت قد حان لإعادة خلط الأوراق من جديد. لكن يبدو أن القوى العظمى لم تتخل بعد عن أطماعها القديمة، وأنها ظلت تتحين الفرص لتحقيق بعض مطامحها بالاستفادة من حالة الضوضاء وعدم الاستقرار السائدة.

يقول ميشيل رامبة في هذا الصدد:"ينطوي الحديث عن اتفاقية سايكس - بيكو على مغالطة تاريخية فاسم بيكو الذي يعود للسياسي الفرنسي مطلق الصلاحية يعني بالفرنسية الفقر والعوز: فأي عظمة جيو - إستراتيجية يمكن أن نتوقع من رجل يحمل هذا الاسم؟! يمكننا القول بلا أي سوداوية: إن شريكنا البريطاني الذي تواطأنا معه عرف كيف يدير الأمور، لأن فرنسا كانت أقل المستفيدين من هذه الصفقة. لم تصل الأمور بين البلدين إلى أن تكون فاشودة جديدة، لكنها كانت أشبه بحادثة برلين بنسخة رخيصة.

لم يكن وضع الإمبراطورية العثمانية، ذلك الرجل المريض، أفضل حالاً في الشرق الأوسط: أصبح الباب العالي مهتزاً، وبات يسمح بمرور مجرى الهواء. أخذت العاصمتان الاستعماريتان منذ مؤتمر فيينا 1815، تقضّان مضجع السلطان الذي كان يواجه صعوبات كبيرة، وتضايقانه باسم حماية الأقليات، وهي حجة لتجريده من صلاحياته وتمزيق الإمبراطورية. وصفت المعاهدات التي كان الهدف منها إدارة الامتيازات الأوروبية على الأرض العثمانية بـ الاستسلام، ولم تحمل أي خير لإسطنبول. لا شك في أن منافذ المشرق كانت تذكر الدنيويين بأدوات الحصار التي تسمح لهم بتسلق جدران قلاع الخلافة(ص 240).
التعليقات (0)