عنوان الكتاب: الأمّة الممكنة
المؤلف: محسن مرزوق
الناشر: دار الكتاب ـ تونس
سنة النشر: صادرة سنة 2025
هذا هو الجزء الأول من قراءة خاصة يقدّمها
الكاتب والإعلامي عامر عياد لـ"عربي21" لكتاب "الأمة الممكنة"
للكاتب والسياسي التونسي محسن مرزوق، الصادر عن دار الكتاب ـ تونس سنة 2025.
تسعى هذه القراءة إلى تفكيك الأفكار
المركزية للكتاب، واستكشاف الإطار النظري الذي يقف وراء مشروع "الأمة
الممكنة"، وطرح الأسئلة النقدية حول الدولة، والأمة، والتنمية، والسلطة،
والعلاقة بين المجتمع والنخبة في تونس والعالم العربي. هذا الجزء يركز على مفاهيم
التقدّم، الدولة، والأمة، ويفتح الباب أمام تحليل نقدي أعمق لبقية محاور الكتاب في
الأجزاء التالية.
في معنى أن نفكّر في الدولة بعد
خرابها
لا يأتي كتاب "الأمة الممكنة" للسياسي
والكاتب التونسي محسن مرزوق في فراغ سياسي أو فكري، بل يصدر في لحظة تاريخية
مأزومة من عمر الدولة التونسية الحديثة، لحظة تتقاطع فيها نهاية الانتقال
الديمقراطي، وتفكك الثقة في النخب، وانكشاف حدود النموذج التنموي الذي تأسست عليه
الدولة الوطنية منذ الاستقلال. من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة هذا الكتاب بوصفه
مجرد اجتهاد نظري أو مساهمة في النقاش العمومي، بل ينبغي التعامل معه باعتباره
محاولة لإعادة صياغة سردية شاملة حول معنى الدولة، والأمة، والتنمية، والسلطة،
والمستقبل.
يطمح صاحب الكتاب إلى ما هو أكثر من
التشخيص؛ إنه يقترح مشروعًا متكاملًا لما يسميه "الأمة الممكنة"، أي أمة
يُفترض أن تُبنى بإرادة سياسية واعية، وبإصلاحات عميقة تطال الاقتصاد، والثقافة،
والتعليم، ونمط الحكم، وعلاقة الدولة بمجتمعها وبالعالم. هذا الطموح، في ذاته،
يحسب للكتاب، خاصة في سياق باتت فيه الكتابات السياسية إمّا انفعالية، أو تبريرية،
أو أسيرة السجال الظرفي. غير أن طموح المشروع واتساع مجاله لا يعفيه من المساءلة
النقدية الصارمة، بل يجعله أكثر استحقاقًا لها.
تنطلق هذه المقالة من فرضية بسيطة في
ظاهرها، إشكالية في عمقها: ليست أزمة تونس، ولا أزمة الدولة الوطنية العربية
عمومًا، أزمة برامج أو كفاءات أو إرادات فحسب، بل هي أزمة نموذج كامل في التفكير
في التقدم، وفي الدولة، وفي العلاقة بين النخبة والمجتمع، وبين السلطة
والديمقراطية. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه على كتاب "الأمة
الممكنة" لا يتعلق فقط بمدى واقعية مقترحاته أو قابليتها للتنفيذ، بل بطبيعة
الإطار النظري والفلسفي الذي يؤسس لها: ما تصوره للإنسان والمجتمع؟ ما مفهومه
للدولة والقوة والنجاعة؟ ما موقع الديمقراطية في هذا البناء؟ وما حدود الإرادة
السياسية في سياق تابع بنيويًا للنظام العالمي؟
يضع محسن مرزوق في قلب مشروعه سؤالًا يبدو للوهلة الأولى بديهيًا ومكرورًا في الفكر العربي الحديث: لماذا تأخرنا وكيف نتقدم؟ وهو سؤال رافق نشأة الدولة الوطنية منذ القرن التاسع عشر، وتناوبت على معالجته مدارس فكرية متعددة، من الإصلاحية الدينية إلى القومية والليبرالية والماركسية. غير أن خطورة هذا السؤال لا تكمن في بساطته الظاهرية، بل في كونه يحمل في طياته افتراضًا معياريًا صامتًا: هناك نموذج جاهز للتقدّم، هناك مسار واحد للتاريخ، ونحن متأخرون عنه وعلينا اللحاق به.
تهدف هذه المراجعة إلى تقديم قراءة نقدية
بنيوية لا تكتفي بتلخيص أفكار الكتاب أو مناقشة توصياته، بل تسعى إلى تفكيك جهازه
المفاهيمي، وكشف افتراضاته الضمنية، واختبار اتساقه الداخلي، ووضعه في سياق تقاليد
فكرية وتجارب تاريخية أوسع، خاصة تلك التي حكمت مشاريع "التحديث من فوق"
في العالم الثالث. وهي تنطلق من أطروحة مركزية مفادها أن كتاب "الأمة الممكنة"،
رغم ما يحتويه من تشخيصات دقيقة واقتراحات ذكية، يظل أسيرًا، في جوانب أساسية منه،
لمنطق إرادوي-دولتوي يعيد إنتاج بعض مسلّمات الدولة التنموية السلطوية، ويختزل
تعقيدات اجتماعية وسياسية عميقة في مقاربات تقنية ومؤسساتية.
ولا تهدف هذه القراءة إلى إصدار حكم نهائي
أو إلى تصفية حساب سياسي مع صاحب الكتاب، بل إلى التعامل مع نص يطمح إلى أن يكون "مشروعًا
للبلاد" بوصفه نصًا فكريًا يجب أن يخضع لأقصى درجات النقد، لأن أخطر ما يمكن
أن يصيب الأفكار الكبيرة هو أن تُناقش بخفة أو تُستقبل بمنطق الاصطفاف لا بمنطق
المساءلة.
المحور الأول ـ سؤال التقدّم والتأخّر ـ نقد
الإطار التفسيري
يضع محسن مرزوق في قلب مشروعه سؤالًا يبدو
للوهلة الأولى بديهيًا ومكرورًا في الفكر العربي الحديث: لماذا تأخرنا وكيف نتقدم؟
وهو سؤال رافق نشأة الدولة الوطنية منذ القرن التاسع عشر، وتناوبت على معالجته
مدارس فكرية متعددة، من الإصلاحية الدينية إلى القومية والليبرالية والماركسية.
غير أن خطورة هذا السؤال لا تكمن في بساطته الظاهرية، بل في كونه يحمل في طياته
افتراضًا معياريًا صامتًا: هناك نموذج جاهز للتقدّم، هناك مسار واحد للتاريخ، ونحن
متأخرون عنه وعلينا اللحاق به.
يندرج كتاب "الأمة الممكنة" بوضوح
داخل هذا الأفق التصوري. فالتأخر، في نظر صاحبه، ليس بنيويًا بقدر ما هو نتيجة سوء
إدارة، ورداءة سياسات، وفشل نخب، وخلل في الثقافة والتعليم، وتفكك في المشروع
الوطني. وبالمقابل، يُطرح التقدم بوصفه ثمرة لإرادة سياسية واعية، ولحسن تخطيط،
ولإصلاحات عميقة في الدولة والمجتمع. هذا الإطار التفسيري، على وجاهته الجزئية،
يعاني من محدودية مزدوجة: فهو، من جهة، يميل إلى ردّ أزمة تاريخية مركبة إلى أسباب
داخلية أساسًا، ومن جهة أخرى، يفترض ضمنًا أن الخروج من الأزمة ممكن أساسًا عبر
تصحيح السياسات العمومية وإعادة هندسة الدولة.
المشكل في هذا المنظور أنه يعيد إنتاج سردية
تنموية كلاسيكية ترى في التأخر خللًا في الأداء لا في البنية، وفي الإرادة لا في
الموقع. فقلّما نجد في الكتاب مساءلة جذرية لمكانة تونس داخل تقسيم العمل الدولي،
أو لطبيعة اندماجها التابع في الاقتصاد العالمي، أو للقيود البنيوية التي تفرضها
منظومات الدين، والتجارة، والتمويل، والمعايير المفروضة من المؤسسات الدولية. وكأن
التقدم مسألة قرار سيادي داخلي بالأساس، لا معركة طويلة ومعقدة مع نظام عالمي غير
متكافئ.
لا يعني هذا التقليل من شأن العوامل
الداخلية أو تبرئة النخب المحلية من مسؤولياتها، بل يعني فقط أن اختزال التأخر في
الفشل الداخلي وحده يفضي، في أحسن الأحوال، إلى حلول تقنية جزئية، وفي أسوأها إلى
خطاب لوم ذاتي جماعي يُعفي البنى الدولية من أي مساءلة جدية. هنا يقترب خطاب "الأمة
الممكنة"، من حيث لا يقصد، من أدبيات "ما بعد التنمية" التي
انتقدها مفكرون كُثر لأنها تنتهي غالبًا إلى تحميل الضحية مسؤولية وضعها.
ثم إن سؤال "لماذا تأخرنا؟" ذاته
ليس سؤالًا بريئًا إبستمولوجيًا. فهو يفترض أن مسار التاريخ خطّي، وأن هناك مركزًا
ومعيارًا واحدًا للتقدم، وأن بقية المجتمعات تقاس عليه بمقياس النقص أو الفائض.
وهو من هذه الزاوية سؤال وُلد في حضن التجربة الأوروبية الحديثة، ثم عُمّم بوصفه
قانونًا كونيًا للتاريخ. والمفارقة أن كثيرًا من مشاريع الدولة الوطنية العربية،
منذ الاستقلال، تبنّت هذا السؤال وهذه الرؤية، وانتهت ـ رغم اختلاف الأيديولوجيات ـ
إلى نماذج متشابهة من التحديث السلطوي.
يبدو أن مرزوق، وهو ينتقد فشل هذه التجارب،
لا يذهب بعيدًا بما يكفي في نقد الإطار الذهني الذي حكمها. فهو يراجع السياسات،
لكنه لا يراجع نموذج التفكير في التقدم ذاته. والنتيجة أن "الأمة الممكنة"
تُبنى داخل نفس الأفق الذي بُنيت داخله "الدولة الممكنة" البورقيبية أو "الدولة
التنموية" البنعلية: أفق اللحاق، والاختزال، وهندسة المجتمع من فوق.
لا يطرح كتاب "الأمة الممكنة" سؤال: لماذا يُعاد إنتاج التخلف داخل نظام عالمي غير متكافئ؟ بل يطرح سؤالًا أضيق: كيف نحسن إدارة ما لدينا؟ وهذا فرق جوهري بين نقد بنيوي للتأخر، ونقد إصلاحي ـ إداري له.
الأخطر من ذلك أن هذا التصور يجعل من التقدم
مسألة تقنية وإدارية أكثر مما هي مسألة صراع اجتماعي وسياسي وتاريخي. فالتاريخ، في
هذا المنظور، لا تصنعه التوترات الاجتماعية ولا التناقضات الطبقية ولا التحولات في
موازين القوى، بل تصنعه جودة السياسات وذكاء المخططين ونجاعة الدولة. وهنا ينتقل
الفكر السياسي من تحليل المجتمع إلى تدبيره، ومن فهم التاريخ إلى إدارته.
بعبارة أخرى، لا يطرح كتاب "الأمة
الممكنة" سؤال: لماذا يُعاد إنتاج التخلف داخل نظام عالمي غير متكافئ؟ بل
يطرح سؤالًا أضيق: كيف نحسن إدارة ما لدينا؟ وهذا فرق جوهري بين نقد بنيوي للتأخر،
ونقد إصلاحي ـ إداري له.
من هنا يمكن القول إن الإشكال الأول في
مشروع مرزوق ليس في تشخيصه لبعض مظاهر الأزمة، بل في الإطار النظري الذي يؤطر هذا
التشخيص: إطار يُبقي سؤال التقدم داخل أفق الدولة والنخبة والإرادة، ولا ينقله إلى
مستوى البنية، والتاريخ، والصراع، والموقع في العالم.
المحور الثاني ـ الدولة، الأمة، والسلطة.. تفكيك
النموذج الضمني
يشكّل مفهوم "الدولة" العمود
الفقري لمشروع محسن مرزوق كما يتبدّى في كتاب "الأمة الممكنة". فالدولة
ليست مجرد إطار قانوني أو جهاز إداري، بل هي، في تصوره، الأداة المركزية لصناعة
الأمة، وتحقيق التقدم، وقيادة المجتمع نحو الحداثة. من هنا يتكرر في الكتاب حديث
عن "الدولة القوية"، و"استعادة هيبة الدولة"، و"بناء
الأمن الذاتي للأمة"، و"قدرة الدولة على الفعل والحسم". غير أن هذا
التمركز الشديد حول الدولة ليس بريئًا نظريًا، بل يكشف عن نموذج ضمني للسلطة
وللعلاقة بين الدولة والمجتمع يستحق التفكيك.
ينطلق هذا النموذج من فرضية أساسية: المجتمع
التونسي، كما هو، عاجز عن إنتاج تماسكه الذاتي وعن قيادة تحوله التاريخي، ولذلك
يحتاج إلى دولة قوية تتولى مهمة التوحيد، والتحديث، والتأطير، والتوجيه. هكذا تصبح
الدولة، مرة أخرى، الفاعل التاريخي المركزي، فيما يُختزل المجتمع إلى موضوع
للإصلاح لا إلى ذات فاعلة فيه. هذا التصور يعيد، في العمق، إنتاج نفس المخيال الذي
حكم بناء الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال، مهما اختلفت اللغة والمفردات.
يستعمل مرزوق مفهوم "الأمة الممكنة"
في مقابل "الأمة المتخيلة" أو "الأمة المعطوبة"، لكنه لا يخرج
بهذا المفهوم عن منطق صناعة الأمة من فوق. فالأمة لا تظهر، في هذا التصور، بوصفها
ثمرة مسار تاريخي طويل من الصراعات والتسويات وبناء المجال العمومي، بل بوصفها
مشروعًا ينبغي للدولة أن تُنجزه عبر السياسات العمومية، والتعليم، والثقافة،
والهندسة المؤسساتية. الأمة، هنا، ليست نتيجة دينامية اجتماعية بقدر ما هي هدف
إداري ـ سياسي.
أما مفهوم "الدولة القوية" فيحمل،
بدوره، حمولة إشكالية ثقيلة في السياق التونسي والعربي. فالتجربة التاريخية تُظهر
أن الدولة القوية كانت، في أغلب الأحيان، دولة قوية على المجتمع لا به، وقوية في
الضبط لا في التنمية، وقوية في القهر أكثر مما هي قوية في الإنتاج والعدالة. ومع
ذلك، لا نجد في الكتاب مساءلة عميقة لهذا الإرث ولا تفريقًا نظريًا صارمًا بين "قوة
الدولة" و"تغوّل السلطة". تُطرح القوة بوصفها شرطًا للتقدم، دون أن
تُطرح في الوقت نفسه بوصفها خطرًا دائمًا على الحرية.
يضاف إلى ذلك أن خطاب "الأمن الذاتي
للأمة" و"الحسم" و"النجاعة" يشي بنزعة سيادية ـ قراروية
تجعل من الفعل السياسي مسألة إرادة وتنفيذ أكثر مما هي مسألة شرعية وتفاوض
وتوازنات. هذا النوع من الخطاب، تاريخيًا، هو الذي مهّد الطريق لنماذج "الاستبداد
التحديثي" التي حكمت باسم التنمية وبنت دولًا قوية ومجتمعات ضعيفة.
من الناحية المفاهيمية، يظل التفريق بين
الدولة والأمة والشعب ملتبسًا في الكتاب. فتارة تُقدَّم الدولة بوصفها أداة الأمة،
وتارة تُقدَّم الأمة بوصفها ما ينبغي أن تصنعه الدولة، وتارة يُستعمل مفهوم الشعب
استعمالًا أخلاقيًا أو تعبويًا أكثر منه سياسيًا دقيقًا. هذا الالتباس ليس مسألة
لغوية، بل هو علامة على غموض في تصور مصدر الشرعية: هل الشرعية تأتي من المجتمع؟
من الأمة بوصفها كيانًا متخيّلًا؟ أم من الدولة بوصفها عقلًا منظمًا للتاريخ؟
عندما تُمنح الدولة هذا الدور المركزي في
«صناعة» الأمة والتقدم، يصبح السؤال الحاسم هو: من يراقب هذه الدولة؟ ومن يضبط
حدودها؟ ومن يضمن ألا تتحول من أداة بناء إلى أداة هيمنة؟ هنا يصل النقاش بالضرورة
إلى مسألة الديمقراطية، لا بوصفها مجرد آلية حكم، بل بوصفها حدًّا بنيويًا لسلطة
الدولة. غير أن منطق الكتاب، في مجمله، يميل إلى النظر إلى الديمقراطية من زاوية
وظيفية: هل تساعد على الإنجاز أم تعرقل؟ لا من زاوية مبدئية: كيف نضمن بها ألا
تبتلع الدولة المجتمع؟
تاريخ الدولة الوطنية في تونس ـ كما في
غيرها من بلدان الجنوب ـ يعلّمنا أن المشكلة لم تكن في غياب المشاريع ولا في ضعف
الدولة، بل في اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي تحويل الدولة إلى ذات
تحتكر تعريف المصلحة العامة، وتحتكر توجيه المجتمع، وتحتكر حتى تعريف "التقدم".
ويبدو أن مشروع "الأمة الممكنة"، رغم نقده لتجربة الدولة الوطنية، لا
يقطع جذريًا مع هذا المخيال، بل يعيد صياغته بلغة جديدة أكثر تقنية وأقل
أيديولوجية.
بعبارة مكثفة: نحن أمام مشروع يريد إصلاح
الدولة لكي تُصلح المجتمع، لا أمام مشروع يريد تمكين المجتمع لكي يعيد تشكيل
الدولة. وهذا فرق فلسفي وسياسي عميق.
المحور الثالث ـ الاقتصاد والتنمية بين
الإرادوية والتبعية البنيوية
يحتل سؤال الاقتصاد و"خلق الثروة"
موقعًا مركزيًا في كتاب "الأمة الممكنة". بل يمكن القول إن الوعد
الحقيقي الذي يقوم عليه المشروع كله ليس سياسيًا بقدر ما هو تنموي: الخروج من
الأزمة عبر إعادة بناء نموذج اقتصادي منتج، قائم على الاستثمار، والميزات
المقارنة، وإصلاح القطاعات الكبرى مثل الفلاحة، والسياحة، والصناعة، والعمران،
والتحول الرقمي. هذا التركيز يحسب للكتاب من حيث خروجه من أسر الخطاب الهوياتي
والإيديولوجي، وانتقاله إلى لغة الإنتاج والتنمية. غير أن الإشكال لا يكمن في
تشخيص أهمية الاقتصاد، بل في الإطار النظري الذي يُقارب به هذا الاقتصاد.
تاريخ الدولة الوطنية في تونس ـ كما في غيرها من بلدان الجنوب ـ يعلّمنا أن المشكلة لم تكن في غياب المشاريع ولا في ضعف الدولة، بل في اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي تحويل الدولة إلى ذات تحتكر تعريف المصلحة العامة، وتحتكر توجيه المجتمع، وتحتكر حتى تعريف "التقدم". ويبدو أن مشروع "الأمة الممكنة"، رغم نقده لتجربة الدولة الوطنية، لا يقطع جذريًا مع هذا المخيال، بل يعيد صياغته بلغة جديدة أكثر تقنية وأقل أيديولوجية.
ينطلق مرزوق من فرضية واضحة: تونس ليست
فقيرة بطبيعتها، لكنها فاشلة في إدارة مواردها، وفي تنظيم اقتصادها، وفي توجيه
سياساتها العمومية. ومن ثمّ، فإن الحل يكمن في حسن التخطيط، وجودة الحوكمة،
واستعادة الدولة لدورها القيادي في توجيه الاستثمار وخلق الثروة. هذه المقاربة،
مرة أخرى، تنتمي إلى ما يمكن تسميته "الإرادوية التنموية": الاعتقاد بأن
الإرادة السياسية والتصميم التقني كفيلان بتجاوز الاختلالات العميقة.
غير أن هذا التصور يصطدم بحدّ بنيوي كبير لا
يبدو أنه مأخوذ بما يكفي من الجدية في الكتاب: الاقتصاد التونسي ليس مجرد اقتصاد
سيئ الإدارة، بل هو اقتصاد مدمج على نحو تابع في منظومة عالمية غير متكافئة.
فبنيته الإنتاجية، وتركيبته التجارية، واعتماده على التمويل الخارجي، وشروط
اندماجه في السوق الأوروبية، كلها عناصر تجعل من "حرية القرار الاقتصادي"
وهمًا نسبيًا على الأقل.
إن الحديث عن "اقتصاد الميزات المقارنة"
مثلًا، يبدو تقنيًا ومحايدًا، لكنه في الواقع يُخفي سؤالًا سياسيًا حاسمًا: من
يحدد هذه الميزات؟ وضمن أي تقسيم دولي للعمل؟ وهل نحن أحرار فعلًا في اختيار
موقعنا فيه، أم أننا نُدفع إلى إعادة إنتاج نفس الأدوار: مزوّد للمواد الخام، أو
للخدمات السياحية، أو لليد العاملة الرخيصة؟
ثم إن التركيز على القطاعات (فلاحة، سياحة،
صناعة، عمران، رقمنة) يوحي بأن المشكلة في اختيار القطاعات لا في نمط التراكم
نفسه. وكأن الأزمة هي أزمة "محفظة مشاريع" لا أزمة نموذج اقتصادي
واجتماعي. لكن تجارب عديدة في الجنوب العالمي تُظهر أن تغيير القطاعات دون تغيير
علاقات الإنتاج، ونمط توزيع الثروة، وموازين القوى بين العمل ورأس المال، لا يؤدي
إلا إلى إعادة إنتاج نفس الاختلالات بأشكال جديدة.
يضاف إلى ذلك الغياب شبه الكامل لتحليل دور
الديون، والمؤسسات المالية الدولية، وشروط الإقراض، واتفاقيات الشراكة غير
المتكافئة. فكيف يمكن الحديث عن مشروع وطني لخلق الثروة دون وضع مسألة السيادة
الاقتصادية في قلب النقاش؟ وكيف يمكن تصور سياسة تنموية مستقلة نسبيًا دون مواجهة
صريحة مع القيود التي يفرضها صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي ومنظومة
التمويل العالمية؟
هنا يظهر مرة أخرى الطابع التقني ـ الإداري
للمقاربة: الإصلاح الاقتصادي يُطرح بوصفه مسألة حوكمة وكفاءة وتخطيط، لا بوصفه
ساحة صراع اجتماعي وسيادي. تختفي من الصورة الأسئلة المتعلقة بمن يدفع كلفة
الإصلاح، ومن يستفيد من النمو، ومن يتحكم في القرار الاقتصادي، وكيف تُوزَّع
الثروة والفرص.
إن التنمية، في النهاية، ليست مسألة نمو
فحسب، بل مسألة عدالة أيضًا. وهي ليست مسألة استثمارات فقط، بل مسألة علاقات قوة
داخل المجتمع وفي علاقته بالعالم. وفي هذا المستوى بالذات، يبدو مشروع "الأمة
الممكنة" أقرب إلى خطاب "الدولة التنموية الذكية" منه إلى مشروع
تحرر اقتصادي واجتماعي.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب، حين
يفشل ـ وغالبًا ما يفشل بسبب قيود لا يعترف بها ـ يميل إلى البحث عن شماعات
داخلية: ثقافة العمل، ذهنية المجتمع، ضعف الإنتاجية، مقاومة الإصلاح. وهكذا يُعاد
تحويل الأزمة البنيوية إلى أزمة أخلاقية أو ثقافية، ويُعاد توجيه اللوم من البنية
إلى الضحية.
لا يعني هذا أن الكتاب مخطئ في دعوته إلى
الإنتاج وخلق الثروة، بل يعني أن هذه الدعوة تظل ناقصة ما لم تُربط بسؤال السيادة،
وبسؤال العدالة الاجتماعية، وبسؤال الموقع في العالم. بدون ذلك، يتحول "مشروع
التنمية" إلى مجرد إدارة أفضل لنفس التبعية.
يتبع..