أكسفورد والذات.. استكشاف الطبقات والثقافة في عالم ميلفن براغ.. قراءة في كتاب

يقدّم "Another World" أكثر من مجرد مذكرات شبابية؛ إنه دراسة فلسفية واجتماعية متعمقة عن الهوية، الانتماء، والتكيف مع عالم سريع التغير..
يقدّم "Another World" أكثر من مجرد مذكرات شبابية؛ إنه دراسة فلسفية واجتماعية متعمقة عن الهوية، الانتماء، والتكيف مع عالم سريع التغير..
شارك الخبر
يقدم الكاتب البريطاني ميلفن براغ في كتابه الجديد "عالم آخر" "Another World"، صورة دقيقة للانتقال من عالم الطفولة في كُمبريا إلى أجواء أكسفورد في أواخر خمسينيات القرن العشرين، مستعرضًا تلاقي الفرد مع التحولات الثقافية والاجتماعية العميقة في فترة كانت على أعتاب تغييرات كبيرة في بريطانيا ما بعد الحرب.

ما يميز العمل ليس مجرد سرد ذكريات شخصية، بل تأمله في الطبقات الاجتماعية، الرموز الثقافية، والنظام التعليمي العميق الذي يحدد مسار الفرد داخل المجتمع.

براغ الشاب، وهو على وشك التاسعة عشرة، يصل أكسفورد بعيون المبتدئ المستكشف، فيجد المدينة “مسرحًا أكثر من كونها مدينة، وعرضًا أكثر من كونها مكان إقامة”، كما يصفها. ومن خلال اكتشافه للسينما الأوروبية (مثل إنغمار بيرغمان)، والانخراط في حوارات ثقافية حول الأدب والموسيقى، ومشاركته في الحركات الاجتماعية كالمسيرات ضد الأسلحة النووية والحركة المناهضة للأبارتهايد، يرسم براغ صورة عن شباب متعلم وواعي يسعى لتوسيع مداركه الفكرية والأخلاقية.

الكتاب يكشف أيضًا تعقيدات النظام الطبقي البريطاني التي ما زالت ماثلة حتى داخل جامعة أكسفورد، من خلال التفريق الرمزي في الملابس والغرف والسلوكيات، ولكنه يظهر كيف أن البيئة الأكاديمية، قبل التوسع الكبير في الستينيات، كانت تمنح مساحة مؤقتة للتنقل الاجتماعي والاندماج، على الأقل بالنسبة للموهوبين.

هذا المنظور يجعل من أكسفورد في ذهن براغ "عالمًا آخر"، حيث يمكن للطالب أن يختبر التجربة الإنسانية بمنظور قريب من الأنثروبولوجيا الثقافية، مع متابعة دقيقة للطقوس، التفاعلات، والرموز المحيطة به.

من الناحية الأدبية والفكرية، يقدم براغ، وفق لقراءة كتبها جو موران لصحيفة "الغارديان اليوم الجمعة، نموذجًا للفرد المتأمل الذي يوازن بين الذات والتقاليد، الطموح الشخصي والمسؤولية الاجتماعية، ويعيد إنتاج نفسه لاحقًا كصوت إعلامي وباحث يقدر الآخرين ويحتفي بمواهبهم، مع التسامح تجاه عيوبهم. كما يُبرز الكتاب محدودية بعض الذاكرة الشخصية، مثل تكرار الأحداث أو خلط المراجع، لكنه لا يقلل من القيمة الفكرية للعمل باعتباره مرآة لرؤية ثقافية واجتماعية للشباب البريطاني في مرحلة انتقالية تاريخية.

من منظور أوسع، يعكس الكتاب تجربة التلاقي بين الفرد والتغيرات التاريخية الكبرى، وكيف يشكّل التعليم والبيئة الثقافية شخصيات قادرة على التفاعل مع العالم بعقل منفتح، ما يجعله مثالاً على الأثر المعرفي للتنشئة الاجتماعية والطبقية على مسار الفرد، وضرورة قراءة التحولات الثقافية بعين نقدية ومتعاطفة.
من منظور أوسع، يعكس الكتاب تجربة التلاقي بين الفرد والتغيرات التاريخية الكبرى، وكيف يشكّل التعليم والبيئة الثقافية شخصيات قادرة على التفاعل مع العالم بعقل منفتح، ما يجعله مثالاً على الأثر المعرفي للتنشئة الاجتماعية والطبقية على مسار الفرد، وضرورة قراءة التحولات الثقافية بعين نقدية ومتعاطفة.

في النهاية، يقدّم "Another World" أكثر من مجرد مذكرات شبابية؛ إنه دراسة فلسفية واجتماعية متعمقة عن الهوية، الانتماء، والتكيف مع عالم سريع التغير، ما يجعله كتابًا مهمًا لكل من يهتم بفهم العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين الماضي والحاضر، وبين الحرية الشخصية والنظام المؤسسي.

وميلفن براغ هو كاتب وصحفي ومقدم برامج بريطاني مشهور، وُلد عام 1939 في مدينة Wigton في كُمبريا، إنجلترا. يُعرف براغ بمساهماته الكبيرة في الإعلام والثقافة البريطانية، حيث قدم سلسلة طويلة من البرامج الثقافية على هيئة الإذاعة والتلفزيون، أبرزها على قناة بي بي سي، وعرف بأسلوبه التحليلي العميق في مناقشة الأدب والفنون والتاريخ.

كما كتب عدة مذكرات وسير ذاتية، بينها "Back in the Day"، مستعرضًا فيها نشأته، تجربته الأكاديمية في أكسفورد، وتحولاته الفكرية والاجتماعية. يشتهر براغ بقدرته على الجمع بين الثقافة الشعبية والفكرية، وباحتفائه بالمواهب المعاصرة وبالفكر النقدي المتوازن.
التعليقات (0)