جدل الغيب والشهادة وإشكاليات القراءة المعاصرة.. في تفكيك الرؤية القرآنية للعالم

يعتبر القوماني أن محمد شحرور اعتمد نفي الترادف في الكتاب، وقاس دقة اللغة في المصحف بوصفه كتابا إلهيا مقروءا، على دقة خلق الله تعالى الكون بوصفه كتابا منظورا، وتوصّل إلى نتائج مهمّة في بيان الفوارق بين الألفاظ مستندا إلى المعنى اللغوي.
يعتبر القوماني أن محمد شحرور اعتمد نفي الترادف في الكتاب، وقاس دقة اللغة في المصحف بوصفه كتابا إلهيا مقروءا، على دقة خلق الله تعالى الكون بوصفه كتابا منظورا، وتوصّل إلى نتائج مهمّة في بيان الفوارق بين الألفاظ مستندا إلى المعنى اللغوي.
شارك الخبر
الكتاب: تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم
المؤلف: محمد القوماني
الناشر: مجمّع الأطرش لنشر الكتاب المختص وتوزيعه.
الطبعة الأولى: تونس 2025
عدد الصفحات: 245


هذا هو الجزء الثاني والأخير من القراءة التي كتبها خصيصاً لـ"عربي21" الإعلامي التونسي الحسين بن عمر لكتاب تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم لمؤلفه محمد القوماني، الصادر عن مجمّع الأطرش لنشر الكتاب المختص وتوزيعه (الطبعة الأولى، تونس 2025، 245 صفحة). وفي هذا الجزء تتعمّق القراءة في الرهان المعرفي الذي يقترحه القوماني، من خلال تفكيك جدل الغيب والشهادة في قصة ذي القرنين، باعتبارها نموذجاً مكثفاً لطبيعة القصص القرآني الذي لا يكتفي بسرد الحدث، بل يوظفه ضمن رؤية توحيدية تؤطر علاقة الإنسان بالعالم والمصير. فالقضية ليست في استعادة التفاصيل التاريخية أو الارتهان للمرويات، بقدر ما هي في استنطاق البنية الجدلية للنص، واستعادة راهنيته ضمن أفق العصر وأسئلته.

ومن هذا المنطلق، تنفتح القراءة على مشاريع معاصرة سعت إلى إعادة بناء الفهم القرآني، وفي مقدمتها مشروع محمد شحرور القائم على إعادة تعريف الجهاز المفاهيمي للنص، وإسهام توشيهيكو إيزوتسو في بلورة “الرؤية القرآنية للعالم” عبر التحليل الدلالي. غير أن التقييم لا يقف عند حدود العرض، بل يطرح سؤالاً أكثر جذرية: هل تكفي هذه المقاربات لتأسيس منظومة تفسيرية متكاملة تستوعب خصوصية النص القرآني وبنيته وأسلوبه وسياقه المعرفي؟ أم أن مشاريع التجديد، على أهميتها، ما تزال تبحث عن أفق جامع يحوّل الجهد النقدي إلى رؤية تفسيرية ناضجة وقابلة للاستمرار؟

جدل الغيب والشهادة في قصة ذي القرنين

في قراءته لجدلِ الغيب والشهادة من خلال قصّة ذي القرنين الواردة في سورة الكهف، يشير محمد القوماني إلى أنّه استفاد من أقوال علماء سابقين، ولكنه لم يتردد في نقد بعض قراءاتهم، خاصّة تلك التي يرى أنها تأثرت بنزعة تفكير خرافي، وغرقت في تفاصيل المرويات والإسرائيليات التي لا دليل على صحتها و تبدو متعارضة مع السياق القرآني.

يبقى "السياق المعرفي"، أو "الوعي التاريخي"، كما يطلق عليه محمد أبو القاسم حاج حمد (1941-2004) في كتابه "العالمية الإسلامية الثانية"، وتحديد "طبيعة النص القرآني" وأية وظيفة رئيسية له، وأولوياتنا المعاصرة في تدبّره، من أهم المسائل وأكثرها حساسية في تناول التفاسير المنجزة والمشاريع المقترحة.
وقد توصّل القوماني إلى أنّ القصص القرآني احتوى من الآيات المتشابهات التي تقبل التأويل والقراءات المختلفة، وهو حقل خصب للتفكير والتجديد. لكن النزوع إلى التفاصيل التي لا دليل عليها وترديد المرويات غير المؤكدة وتغليب الطابع الأسطوري عوائق منهجية تحول دون تحقيق مقاصد القصص القرآني. كما رأى أنّ القصص القرآني لا يروي أحداثًا تاريخية فقط، وإنّما "يوظّفها في إطارٍ جدليٍّ تتداخل فيه حقائق الغيب مع وقائع الشهادة. وكل تجديد في قراءة القرآن، وفق سقف العصر المعرفي وقضاياه، يكسب القرآن راهنيّة ويعزّز صلاحيته لكل زمان ومكان".

كما أشار القوماني إلى أنّه يمكن توظيف القصص القرآني في بناء عقلية نقدية معاصرة، والاهتداء بالقرآن في تحسين السلوك والأداء. وتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور يتيح لنا قراءة عقلانية يمكن من خلالها رصد جدل الغيب والشهادة في قصّة ذي القرنين عليه السلام، لتوجيه الإنسان نحو الفهم الإيماني للوجود، وموقعه فيه، ومصيره.

وفي ذات الإطار، يرى القوماني أنّه يمكن اعتماد قصّة ذي القرنين مثالًا في الأخذ بأسباب العلم وفهم الطبيعة، وتخطيط العمل، واستثمار الإمكانيات الذاتية، وإشراك الجماعة في الفعل الإيجابي. فالأخذ بالأسباب والاجتهاد في خدمة الناس، والحرص على النجاح والتألق، لا يُنسي المؤمن شكر الله تعالى في تواضع. والرؤية التوحيدية تؤطر جدل الغيب والشهادة في كلّ نواحي الحياة.

محمد شحرور والتأكيد على عالمية الإسلام وإنسانيته

 يشير القوماني إلى أنّ محمد شحرور يشدّد  على أنّ "الفكر الإسلامي ذو طابع عالمي إنساني"، وبذلك يكون كتابه غير مخصوص بفئة معيّنة وإنّما هو موجّه "إلى كلّ إنسان عربي أو غير عربي، مؤمن أو ملحد، وإلى كافة الاتجاهات العقائدية حيث نعتقد بأن كل إنسان سيجد شيئا ما في هذا الكتاب يدخل ضمن قناعاته الخاصة، وقد يجد فيه شيئا ما كان يبحث عنه". فهو تجاوز في كتابه كل أنواع التعصّب المذهبي والطائفي وهدفُه هو البحث عن الحقيقة بشكل موضوعي. فمحمد شحرور يحاول في مشروعه تجاوز مشكلة جوهرية تواجه الفكر الإسلامي التقليدي، ألا وهي القصور عن مخاطبة العالم على أساس تصالحي وتعددي رغم الاتفاق على عالمية الإسلام. ويظهر هذا الهاجس جلياً في حرص شحرور على إعادة تعريف المسلمين من جهة والمؤمنين من جهة أخرى، وهو ما تناوله في آخر كتابه.

وبهذه المنطلقات النظرية، يرى القوماني أن شحرور يضع الإنسان المعاصر أمام نصّ الوحي المنزل (الكتاب) وجهًا لوجه دون مُسبقات. وكانّه يتنزّل للتوّ. فلا يعتمد أيّ تفسير سابق ولو كان منسوبًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك عكس منهج أهل التراث التفسيري من وجهة نظره. ومن هذه المنطلقات النظرية أيضا يضع شحرور مضامين جديدة تماما لجملة من المصطلحات التي تجد سندها في التنزيل الحكيم، وهو يميّز بينها بناء على رفضه للقول بالترادف. وقد خصّص الباب الأول من مؤلفه تعريف بجهازه الاصطلاحي المستنبط من القرآن  والاستدلال عليه. ومن أبرز تلك المصطلحات الكتاب، الذكر، النبوة، الرسالة، الآيات المحكمات، الآيات المتشابهات، الفرقان، أمّ الكتاب، القرآن العظيم، السبع المثاني، تفصيل الكتاب، الآيات البينات، أحسن الحديث، القرآن المجيد، الكتاب المبين، الإنزال، التنزيل، الترتيل، السنة، والحدود.

في ضرورة إعادة قراءة شحرور وتقييمها

يعتبر القوماني أن محمد شحرور اعتمد نفي الترادف في الكتاب، وقاس دقة اللغة في المصحف بوصفه كتابا إلهيا مقروءا، على دقة خلق الله تعالى الكون بوصفه كتابا منظورا، وتوصّل إلى نتائج مهمّة في بيان الفوارق بين الألفاظ مستندا إلى المعنى اللغوي. و"فتح أبوابا ربما كانت مغلقة من قبل، أمام البحث الجاد في النص القرآني، مستفيدا من المزج بين النظرية النحوية العربية القديمة وما توصلت إليه اللسانيات الحديثة. وقد انفرد بجهاز اصطلاحي (معجم جديد) يفتح آفاقا واعدة في فهم كتاب الله تعالى". في مقابل ذلك، يرى أنّ "من أهم أسباب الاحتراز عليه، فضلا عن مهاجمة رافضيه له، عدم الاطلاع أصلا على مؤلفاته، واجتزاء أقواله أو تصريحاته من سياقها وعدم الاطلاع على المعجم الخاص به. فهو حين يقول لا وجود لمسألة ما في القرآن، شأن الميراث على سبيل المثال، إنّما يعني القرآن كما يعرّفه جزءا مخصوصا من كتاب الله تعالى، وليس القرآن كما ألفنا استعمال المصطلح الذي يدلّ عليه".

كما يشيد المؤلّف بما حققه شحرور من إضافة نوعية وتقديم اقتراحات عملية، في العقيدة وفي الفقه، عكس سابقيه. فقد كان مستحضرا لهذا التحدّي. إذ يذكر في مقدمة "الكتاب والقرآن" قوله: " إنّ المسلمين في العصر الحاضر يعيشون أزمة فقهية حادة، وهناك صيحات صادقة تقول: إننا بحاجة إلى فقه جديد معاصر، وبحاجة إلى فهم جديد معاصر للسنة النبوية، وقد تم تشخيص هذه المشكلة، ولكن دون وضع حلّ لها. فإذا أردنا أن نخترق الفقه الإسلامي الموروث "الفقهاء الخمسة"، وجب علينا إعطاء البديل، وهذا ما فعلناه في هذا الكتاب، حيث طرحنا منهجا جديدا في الفقه الإسلامي وطبقناه على أحكام المرأة فنتجت لدينا أحكام لم تكن عند الفقهاء كلّهم".

كما نأى محمد شحرور بقراءته المعاصرة للكتاب عن الخوض في "أصل القرآن" وفي "مصادره" اليهودية والمسيحية أو غيرها ممّا أثاره بعض المستشرقين وتبعهم فيه باحثون عرب ومسلمون. ولم يبحث في حقيقة الوحي وفي كيفية حصوله، ولم يتوقّف عند قضايا تدوين المصحف وما أثاره المستشرقون وغيرهم من تشكيك في "القرآن". فتلك التوجّهات في التعاطي مع القرآن لم تنل من ثقة المسلمين به، وهم يتداولون المصحف نفسه، ويعتقدون جازمين في أنّه وحي الله إلى الرسول الخاتم محمد   وأنّه مضمون رسالته ومعجزته الخالدة في آن. وأنّه وصلهم بالتواتر الشفاهي والكتابي وتولّى الله تعالى حفظه من التحريف. فقد تعاطى شحرور مع المصحف بصفته نصّا منجزا وأمرا واقعا، فضلا عن عقيدته الشخصية فيه، وكان اهتمامه منصرفا إلى القراءة التي يستهدف من خلالها تغيير تفكير المسلمين وسلوكهم، وهذا البُعد أهمّ من الجدال في الفرضيات الذهنية. وهو ممّا يُحسب له.

لقد جعل شحرور الكتاب الكريم مركزا لاهتماماته ومقترحاته، وهو مرجعه الوحيد تقريبا في حجاجه لأطروحته. وكان كما يقول عن نفسه أوّل من طبق القول بأنّ "القرآن يفسر بعضه بعضا". وهذا يحسب له أيضا، بعد أن تاه المسلمون زمنا طويلا بين المرويات وأقوال المتقدمين على حساب كتاب الله تعالى. واستطاع أن يبلور رؤية قرآنية متكاملة تبدو مكتفية بذاتها، في معالجة القضايا التي تصدّى لها. دون تجاهل استفادته الواضحة بلا شك من مجمل التراث العربي الإسلامي والغربي عموما.

ولم تكن إضافته النوعية في مستوى الجهاز الاصطلاحي الذي استخدمه لفهم أسرار الكتاب انطلاقا من الكتاب ذاته، أو في الاشتقاقات اللغوية التي اعتمدها لتغيير فهمنا لبعض المسائل، وإنّما بدت الإضافة النوعية في تداعيات المنهج الذي اختاره في فهم التنزيل الحكيم على مجالات مختلفة في الفكر الإسلامي، ذات صلة بالواقع والممارسة، نخص بالذكر منها قضايا الفقه لا سيما الأحوال الشخصية، والقصص القرآني، وبعض مسائل العقيدة.

إيزوتسو والنظرة العالمية للقرآن

يشير القوماني في دراسته لمشروع إيزوتسو الياباني إلى أنّه يؤكد "أنّ التصور القرآني لـ "الله" أحدث تحولًا عميقًا في رؤية العرب للعالم. فالتوحيد في القرآن لم يكن مجرد تغيير لفظي، وإنما كان تغييرا جذريًا لنظام القيم والمفاهيم السائدة. فقد كان له تأثير في كافة المجالات الفردية والاجتماعية والسياسية، وأدى إلى إعادة تنظيم شاملة لكل القيم والمعاني في "الرؤية القرآنية للعالم".

فالنظرة القرآنية للعالم بحسب "إيزوتسو" رؤية شاملة ذات جوانب مترابطة هي: الله، والإنسان، والمجتمع، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والمفاهيم الأخروية. ويعتبر " الله" العنصر الأهمّ في هذه الرؤية. فكلّ ما هو موجود في الكون، بما في ذلك الإنسان، يرتبط مباشرة بالله من خلال كونه الخالق، المتحكم، والمربي. كما يربط القرآن بين الإنسان والكون، فهما مرتبطان بعلاقة تفاعل وتكامل، حيث يُعتَبر الإنسان مسؤولاً عن تعامله مع العالم الذي خلقه الله. في حين تبرز أهمية الآخرة والدنيا في هذه الرؤية، فهما يشكلان إطارًا لفهم الإنسان لمصيره ودوره في العالم.

وتشمل العلاقة بين الله والإنسان حسب "إيزوتسو" أبعادًا متعددة منها: العلاقة الوجودية، والتواصلية، والأخلاقية. فالعلاقة الوجودية تعبّر عن الارتباط الأساسي بين الله خالقا والإنسان مخلوقا. أما العلاقة التواصلية فتشمل التواصل غير اللغوي من خلال الدلائل والآيات الطبيعية، والتواصل اللغوي من خلال الوحي والرسالة القرآنية. وأخيرًا، العلاقة الأخلاقية التي تُعنى بالمعايير الأخلاقية التي يفرضها الله على الإنسان وكيفية استجابة الإنسان لها.

وفي تقييمه لـعمل  "توشيهيكو إيزوتسو"، يرى القوماني أنّ الباحث أعرض عن الخوض في "أصل القرآن" ومصادره اليهودية والمسيحية أو غيرها، التي أثارها بعض المستشرقين وتبعهم فيها باحثون عرب ومسلمون. ولم يبحث في حقيقة الوحي وكيفية حصوله، ولم يتوقف عند قضايا تدوين المصحف وما أثاره المستشرقون وغيرهم من تشكيك في "القرآن"، الذي يظل موثوقًا عند أكثر من ملياري مسلم يؤمنون بأنه وحي الله إلى النبي محمد، وأنه آياته الخالدة. وقد وصل المصحف بالتواتر الشفاهي والكتابي، وتولى الله حفظه من التحريف: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر/9). وقد تعامل "إيزوتسو" مع المصحف كنصّ منجز وأمر واقع، وركز اهتمامه على قراءة القرآن من خلال علم الدلالة، ساعيًا إلى الموضوعية العلمية وتجنب الجدال في الفرضيات الذهنية، مما يُحسب له.

المؤلف محمد القوماني اجتهد على غرار الكثير من المهتمّين بالظاهرة القرآنيّة وما تعلّق بها من دراسات. ولكنّ السؤال الحادّ الذي يظلّ مطروحا يتمثّل في مدى قدرة القراءات المعاصرة على بلورة رؤية واضحة بوسعها أن تعكس منظومة تفسيريّة تُقدّم المعنى القرآني بأكثر منطقيّة تضمن قابليته عند المتلقي. ولماذا تبدأ مشاريع القراءات المعاصرة للقرآن ولا تكتمل؟.
وجعل "إيزوتسو" القرآن الكريم مركز اهتماماته العلمية ومصدرا أساسيا في حجاجه لأطروحته. وهذا يُحسب له أيضاً، بعد أن تاه المستشرقون والمسلمون أنفسهم وقتا طويلا بين المرويات وأقوال المتقدمين على حساب الكتاب. وقد استطاع أن يبلور رؤية قرآنية للعالم تبدو مكتفية بذاتها في معالجة القضايا التي تصدى لها، دون تجاهل استفادته من التراث العربي الإسلامي والغربي عموماً. وكانت إضافته نوعية من خلال استخدامه لجهاز اصطلاحي لتجلية دلالات القرآن، انطلاقًا من القرآن ذاته.

وتميّز كتاب "الله والإنسان في القرآن" بلغته السهلة وأسلوبه المبسط، بعيدًا عن التعقيد، رغم أن غير المختص قد يجد صعوبة في المقدمات المنهجية نظرا لجدّتها. ورغم ذلك، حرص الباحث على الضبط المنهجي المفصل للقارئ. ومما يُحسب له أيضاً دقته العلمية واعتماده المباشر على اللغة العربية وإتقانه لتفاصيلها. فقد رفض دراسة المفاهيم القرآنية بلغات أخرى، وعاد إلى الشعر الجاهلي، حيث أظهر معرفة جيدة بمعانيه ومفرداته الغريبة، وهي معرفة نادرة حتى لدى بعض الباحثين العرب.

في ضرورة الانتباه إلى خصوصية الأسلوب القرٱني وأسراره

 يرى القوماني أنه على أهمية ما تطلع إليه إيزوتسو من رؤية قرآنية للعالم من خلال علم الدلالة، وما يشتغل عليه القائلون بـ "التفسير الموضوعي للقرآن" عموما يظلّ مهمّا، لكن لا ينبغي أن يحجب ذلك الأسئلة الكبرى المتعلّقة بشكل النص القرآني وبنيته. فمن السهل تتبّع الموضوع الذي تتوزع مؤشراته هنا وهناك في السور. لكن هذا الافتراض يعني أمرين: إمّا أنّ السورة، والآية، وترتيب المقاطع داخل السورة، والانقطاع، والتكرار، وغير ذلك من أساليب البناء والتنظيم لا معنى لها، أو هي اعتباطية، وأنّ المعنى يتحدّد حسب السياق في مختلف الموضوعات، وإمّا أنّ كل ذلك له معنى ولكننا لا نعرف عنه إلا القليل.

ثم إن الأسئلة تتولّد على نحو مثير: ما هي وحدة المعنى في القرآن؟ هل هي الآية؟ هل الآية وحدة نحوية أم وحدة خطابية؟ هل يمكن مقارنتها بالبيت في الشعر؟ كيف يمكننا أن نفسّر البناء والتغيّر في طول الآيات أو قصرها؟ على أيّة قاعة تحدّد الآيات؟ كيف تُبنى السور؟ هل هناك إيقاع داخلي في السورة؟ وكيف يتمّ الانتقال بين الموضوعات؟ ما دور الخطاب والسرد في السورة؟ من الذي يتكلّم في القرآن؟ ما المسافة التي يقيمها النص مع المخاطَبين؟ هل هو فاعل أم مُنشئ للخطاب فقط؟ ما الفرق بين "أنا" و"نحن" في القرآن؟

في المحصلة، يؤكد القوماني على ضرورة اعتبار السياق في تجلية دلالات آيات القرآن الكريم، وقدم شواهد على ذلك. وأشار إلى اهتمامات القدامى المعتبرة على هذا الصعيد. وناقش بعض مواطن الخلل أو النقص في المدونة التفسيرية السنية والشيعية من خلال أمثلة دقيقة. وخلص إلى الإضافة التي تقدمها اللسانيات الحديثة، خاصة النظرية الدلالية والسياقية والتداولية، والآفاق التي تفتحها والحاجة إلى استخدامها في قراءة النص القرآني من خلال أنموذج تطبيقي. ويضيف بالقول إنّه مهما كانت ملاحظاته النقدية في أثر "الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم" لـ “إيزوتسو"، فإن الاستفادة من المقدمات المنهجية التي وضعها والنتائج التي توصل إليها مؤكدة.

ويبقى "السياق المعرفي"، أو "الوعي التاريخي"، كما يطلق عليه محمد أبو القاسم حاج حمد (1941-2004) في كتابه "العالمية الإسلامية الثانية"، وتحديد "طبيعة النص القرآني" وأية وظيفة رئيسية له، وأولوياتنا المعاصرة في تدبّره، من أهم المسائل وأكثرها حساسية في تناول التفاسير المنجزة والمشاريع المقترحة. فقد ألمّ بعض المفكرين المعاصرين بهذه المسألة الخطيرة، لكن الجهود في هذا الصعيد لا تزال محدودة، مما يجعل الأسئلة أكثر من الأجوبة، ويترك الأبواب مشرعة على مصاريعها لتجديد الدرس التفسيري وتقديم قراءات معاصرة للقرآن الكريم، خلافًا لما قدّره الذهبي في كتاب “التفسير والمفسّرون" من أنّ السلف لم يتركوا للخلف كبير جهد في تفسير القرآن.

ختاما، نقدّر أن المؤلف محمد القوماني اجتهد على غرار الكثير من المهتمّين بالظاهرة القرآنيّة وما تعلّق بها من دراسات. ولكنّ السؤال الحادّ  الذي يظلّ مطروحا يتمثّل في مدى قدرة القراءات المعاصرة على بلورة رؤية واضحة بوسعها أن تعكس منظومة تفسيريّة تُقدّم المعنى القرآني بأكثر منطقيّة تضمن قابليته عند المتلقي. ولماذا تبدأ مشاريع  القراءات المعاصرة للقرآن ولا تكتمل؟.

إقرأ أيضا: القرآن والعقل المعاصر.. قراءة جديدة لتحديات الفكر الإسلامي الحديث.. كتاب جديد

التعليقات (0)