في
كتابه "محمد السادس: اللغز"،
الصادر حديثًا عن دار فلاماريون الفرنسية، يقدّم الصحفي الفرنسي المتخصص في شؤون
المغرب العربي تييري أوبيرليه قراءة معمّقة في شخصية العاهل المغربي محمد السادس،
وفي طبيعة الحكم بالمملكة خلال أكثر من ربع قرن. لا يندرج الكتاب ضمن أدبيات
السيرة التقليدية، ولا يكتب من موقع الخصومة المباشرة، بل يأتي أقرب إلى تحقيق
سياسي طويل، يحاول تفكيك بنية السلطة، وحدود القرار، ومناطق الصمت التي تحيط
بالقصر.
ينطلق أوبيرليه من سؤال مركزي: كيف يُحكم
المغرب فعليًا في ظل ملك نادر الكلام، كثير الغياب، شديد الحضور الرمزي؟ ويقترح
إجابة تقوم على فكرة “التفويض الصامت”، حيث لم يؤدّ تراجع حضور الملك في تفاصيل
الحكم اليومية إلى فراغ سياسي، بل إلى إعادة توزيع غير معلنة للسلطة داخل دائرة
ضيقة من مستشاري القصر.
ملك الصمت
يخصّص الكاتب فصولًا لافتة لما يسميه "ملك
الصمت"، مشيرًا إلى أن محمد السادس، منذ اعتلائه العرش، اختار الابتعاد شبه
الكامل عن الإعلام، مكتفيًا بخطابات رسمية تُقرأ في مناسبات محددة، ومن دون حوار
مباشر مع الصحافة. ويقارن هذا النهج بأسلوب والده الحسن الثاني، الذي كان حاضرًا
بقوة في المشهد الإعلامي والسياسي.
"محمد السادس.. اللغز" كتاب تحليلي هادئ في لغته، ثقيل في دلالاته. لا يهدف إلى الإثارة بقدر ما يسعى إلى الفهم، ويقدّم للقارئ العربي نافذة مهمة لفهم آليات الحكم في المغرب المعاصر، بعيدًا عن الخطاب الرسمي أو الاختزال الإعلامي. وهو بذلك يندرج ضمن الكتب المرجعية التي تساعد على قراءة الدولة لا من خلال شعاراتها، بل من خلال ممارساتها الفعلية.
ويرى أوبيرليه أن هذا الصمت ليس سمة شخصية
فحسب، بل جزء من أسلوب الحكم، إذ يسمح بإبقاء القرار السياسي غامضًا، والمساءلة
محدودة، والسلطة موزّعة دون إعلان أو مساءلة واضحة.
المرض والغياب بوصفهما عاملين سياسيين
يتناول الكتاب الحالة الصحية للملك بوصفها
عنصرًا سياسيًا مؤثرًا، لا مجرد شأن شخصي. فالغياب المتكرر، وتقليص الظهور العلني،
واختصار الطقوس الرسمية، كلها عوامل ساهمت ـ بحسب المؤلف ـ في تعزيز دور الحلقة
المحيطة بالقصر، ودفعت نحو إدارة الدولة من خلف الستار، مع تأجيل النقاش العلني
حول مسألة الخلافة.
من "ملك الفقراء" إلى ملك
المشاريع
يتتبع أوبيرليه التحوّل في صورة محمد السادس
من “ملك قريب من الفقراء” في بدايات حكمه، إلى حاكم ارتبط اسمه بالمشاريع الكبرى
والنموذج الاقتصادي الليبرالي. غير أن الكاتب يشير إلى أن هذه السياسات لم تُترجم
إلى عدالة اجتماعية ملموسة، بدليل تكرار الاحتجاجات الاجتماعية في مناطق مختلفة،
واتساع الفجوة بين المركز والأطراف.
المخزن.. الاستمرارية بدل القطيعة
يرى المؤلف أن دستور 2011، رغم أهميته
الرمزية، لم يُحدث قطيعة حقيقية مع بنية الحكم التقليدية، بل أعاد إنتاج “المخزن”
بصيغة أكثر حداثة. فالسلطة، وفق هذا التحليل، ما تزال متمركزة في القصر، فيما بقيت
المؤسسات المنتخبة محدودة التأثير، وعاجزة عن فرض رقابة فعلية.
يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالعلاقة
الفرنسية-المغربية، معتبرًا أن باريس تظل شريكًا مركزيًا في تثبيت توازنات النظام
المغربي، مقابل تعاون أمني واقتصادي وثيق. كما يتوقف عند ملف الصحراء باعتباره
ورقة استراتيجية في إعادة ترتيب العلاقات بين البلدين بعد فترات توتر.
يُختتم الكتاب بسؤال مفتوح حول مستقبل الحكم
في المغرب: ماذا بعد محمد السادس؟ لا يقدّم المؤلف إجابة قاطعة، لكنه يلمّح إلى أن
الغموض المقصود في هذا الملف جزء من هندسة السلطة نفسها، حيث يُفضَّل الانتقال
الهادئ على النقاش العلني.
خلاصة
"محمد السادس..
اللغز" كتاب تحليلي هادئ في لغته، ثقيل في دلالاته. لا يهدف إلى الإثارة بقدر
ما يسعى إلى الفهم، ويقدّم للقارئ العربي نافذة مهمة لفهم آليات الحكم في المغرب
المعاصر، بعيدًا عن الخطاب الرسمي أو الاختزال الإعلامي. وهو بذلك يندرج ضمن الكتب
المرجعية التي تساعد على قراءة الدولة لا من خلال شعاراتها، بل من خلال ممارساتها
الفعلية.
ملاحظات نقدية على الكتاب
مع أهمية المقاربة التحليلية التي يعتمدها
تييري أوبيرليه، يظل من الضروري التوقف عند عدد من الملاحظات النقدية التي قد
تُسهم في إعادة ضبط بعض استنتاجاته ضمن السياق المغربي الخاص.
لا يمكن إنكار أن المغرب شهد خلال العقدين الأخيرين تحولات تنموية وبنيوية حقيقية، كان لها أثر مباشر في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية، وما رافق ذلك من تعقيد في العلاقات بين الدولة والمجتمع. وبالتالي، فإن تغيّر صورة الملك لا يمكن فصله عن تحوّل المجتمع نفسه، وعن الانتقال من خطاب الرمزية الاجتماعية إلى منطق الدولة التنموية بمحدودياتها وتناقضاتها.
أولى هذه الملاحظات أن الاكتفاء بالملاحظات
العامة، أو قراءة مسار الحكم في المغرب بأدوات التحليل التقليدية، أو حتى من خلال
المقارنة المستمرة مع تجربة حكم الراحل الحسن الثاني، قد لا يكون كافيًا للوصول
إلى استنتاجات دقيقة. فالمغرب، بخلاف تجارب أخرى في المنطقة، طوّر نمطًا خاصًا في
إدارة التحولات السياسية، يقوم على المرونة، وتفادي القطيعة، وتفكيك الأزمات بدل
الصدام معها. ويُعدّ دستور 2011 مثالًا بارزًا على ذلك، إذ شكّل استجابة سياسية
مغربية محسوبة لمخرجات حراك 20 فبراير في نسخته المحلية، وعبّر عن سلوك سياسي إبداعي
غير مسبوق، يُحسب للملك محمد السادس في طريقة امتصاص موجة الربيع العربي دون
الانزلاق إلى الفوضى أو القمع الواسع.
الملاحظة الثانية تتعلق بما يخلص إليه
الكتاب من تحوّل محمد السادس من “ملك الفقراء” إلى “ملك النخبة”. فهذه الخلاصة
تبدو، أقرب إلى استنتاج مُسقَط من نماذج تفسيرية جاهزة،
منها قراءة واقعية للسياق المغربي. إذ لا يمكن إنكار أن المغرب شهد خلال العقدين
الأخيرين تحولات تنموية وبنيوية حقيقية، كان لها أثر مباشر في إعادة تشكيل البنية
الاجتماعية والاقتصادية، وما رافق ذلك من تعقيد في العلاقات بين الدولة والمجتمع.
وبالتالي، فإن تغيّر صورة الملك لا يمكن فصله عن تحوّل المجتمع نفسه، وعن الانتقال
من خطاب الرمزية الاجتماعية إلى منطق الدولة التنموية بمحدودياتها وتناقضاتها.
أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بإثارة مسألة
الخلافة، التي يمنحها المؤلف حيزًا رمزيًا في خاتمة الكتاب. ففي السياق المغربي،
تبدو هذه المسألة محسومة من حيث المبدأ، ويُنظر إليها بوصفها جزءًا من تقاليد
ملكية مستقرة ونهج معروف وثابت في انتقال السلطة. وعليه، فإن إعادة طرحها لا تضيف،
في تقدير كثيرين، جديدًا تحليليًا ذا قيمة، إلا إذا كان الهدف هو الإبقاء على عنصر
الإثارة والغموض، أكثر منه تفكيكًا فعليًا لإشكالية قائمة.
في المحصلة، يظل "محمد السادس.. اللغز"
كتابًا مهمًا في مقاربته، لكنه يعكس أيضًا حدود القراءة الخارجية حين لا تُستكمل
بفهم أعمق للخصوصية السياسية المغربية، التي كثيرًا ما أفلتت من القوالب الجاهزة،
وفرضت مسارها الخاص في إدارة الدولة والتحولات.