في ظل الصعود المتواصل لتيارات
الشعبوية في
الغرب، وما يرافقه من عودة متزايدة لليمين إلى صدارة المشهد السياسي في عدد من
الدول الغربية، تتكثف النقاشات الفكرية والسياسية حول أسباب هذه الظاهرة وسبل
مواجهتها. وفي هذا السياق نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، اليوم،
قراءة
تحليلية للكاتب والصحفي البريطاني آندي بيكيت لكتاب السياسي العمالي البريطاني
ليام بيرن المعنون: لماذا يفوز الشعبويون وكيفية هزيمتهم "Why Populists Are Winning and How to Beat Them".
وتنشر
"عربي21" هذه
القراءة في
إطار توسيع النقاش الفكري حول أسباب تصاعد ظاهرة الشعبوية في العالم الغربي،
ومحاولة فهم العوامل التي أسهمت في صعودها خلال العقد الأخير، بما في ذلك تراجع
الثقة في النخب السياسية التقليدية وصعود الحركات اليمينية في عدد من الديمقراطيات
الغربية. وتتناول القراءة التي كتبها بيكيت تحليلاً لأطروحة بيرن حول أسباب انتصار
الشعبويين، كما تناقش حدود الوصفة السياسية التي يقترحها الوزير السابق في حكومة
غوردون براون لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية.
تتصاعد الشعبوية اليمينية في الغرب بوتيرة
لافتة خلال العقد الأخير، من
بريطانيا إلى الولايات المتحدة وأوروبا. وبينما
تتباين التفسيرات حول أسباب هذا الصعود، يحاول
كتاب لماذا يفوز الشعبويون وكيفية
هزيمتهم “Why Populists Are Winning
and How to Beat Them” للسياسي البريطاني ليام بيرن تقديم
إجابة طموحة على سؤال بات مركزياً في السياسة المعاصرة: لماذا ينتصر الشعبويون،
وكيف يمكن إيقافهم؟
الشعبوية اليوم ليست مجرد خطاب انتخابي، بل تعبير عن أزمة ثقة واسعة في المؤسسات السياسية والاقتصادية. ولهذا قد يكون الحد الأقصى الممكن حالياً هو تقليص قوتها الانتخابية ومنعها من الوصول إلى السلطة، ريثما تتبلور مشاريع سياسية بديلة أكثر إقناعاً.
الكتاب، الذي يأتي من وزير سابق في حكومة غوردن براون العمالية، يمثل محاولة
فكرية لمراجعة تجربة السياسة الوسطية في مواجهة المد الشعبوي. غير أن هذه
المراجعة، رغم ما تحمله من أفكار لافتة، لا تخلو من نقاط عمياء تعكس مأزق التيار
الوسطي ذاته في الغرب.
مفارقة المؤلف.. من رمز للأزمة إلى محلل لها
قد يبدو اختيار بيرن لتفسير صعود الشعبوية
مفارقة بحد ذاته. فالرجل ارتبط اسمه بواحدة من أشهر العبارات السياسية في بريطانيا
عندما ترك رسالة مقتضبة لخلفه في وزارة الخزانة عام 2010 تقول: "أنا آسف، لم
يعد هناك مال". هذه الجملة استُخدمت لاحقاً من قبل المحافظين لتبرير سياسات
التقشف التي أعقبت الأزمة المالية.
وقد أسهمت تلك السياسات ـ بحسب كثير من
المحللين ـ في تعميق السخط الشعبي على النخب السياسية، وهو السخط الذي شكّل البيئة
المثالية لنمو الحركات الشعبوية. من هنا يبدو الكتاب، في جانب منه، محاولة غير
مباشرة من بيرن لإعادة تفسير تلك المرحلة وربما التكفير عن إرثها السياسي.
كيف يفكر الخطاب الشعبوي؟
أحد أكثر فصول الكتاب إقناعاً هو تحليله
للغة الشعبوية. يرى بيرن أن السياسيين التقليديين غالباً ما يتحدثون بلغة معقدة
ومجردة، بينما يعتمد الشعبويون خطاباً بسيطاً ومباشراً.
ويضرب مثالاً بالسياسي البريطاني نايجل فراج الذي ينجح ـ
بحسب الكتاب ـ في الجمع بين أسلوب حديث غير رسمي يشبه لغة الأصدقاء، وبين أفعال
قوية وحاسمة تعطي الانطباع بالحزم والقيادة. وبهذا الأسلوب يبدو الشعبويون، كما
يصفهم بيرن، "كأصدقاء يتحدثون بلهجة الجنرالات".
هذه القدرة على صياغة خطاب بسيط وحاد تمنح
الشعبوية ميزة تنافسية في عصر الإعلام السريع والشبكات الاجتماعية.
مفارقات الشعبوية
يسلط الكتاب الضوء أيضاً على التناقضات
البنيوية داخل الحركات الشعبوية. فهي تعلن العداء للنخب لكنها غالباً ما تُقاد أو
تُموَّل من قبل أثرياء. كما تقدم نفسها كحركة جماهيرية عارمة، رغم أن نجاحها
الانتخابي يعتمد أحياناً على نسب مشاركة منخفضة.
كذلك ترفع شعار الحرية، لكنها تميل إلى
سياسات سلطوية في قضايا الهجرة والأمن والثقافة. ويرى بيرن أن هذه المفارقات تكشف
هشاشة المشروع الشعبوي رغم قوته الانتخابية.
جذور فكرية غير متوقعة
من الجوانب اللافتة في الكتاب إشارته إلى
تأثير المفكر الإيطالي أنطونيو
غرامشي في بعض الحركات الشعبوية الأوروبية، خاصة في فرنسا خلال ثمانينيات القرن
الماضي. فقد استلهمت تلك الحركات فكرة غرامشي الشهيرة بأن “الحس المشترك” ليس
محايداً بل نتاج صراع سياسي وثقافي طويل.
هذه الإشارة تكشف أن الشعبوية ليست مجرد رد
فعل عفوي على الأزمات، بل تمتلك أيضاً أدوات فكرية وخطابية واعية لإعادة تشكيل
الثقافة السياسية.
حدود التحليل.. غياب اليسار
لكن الكتاب يواجه نقداً أساسياً يتمثل في
تركيزه شبه الكامل على الشعبوية اليمينية، مع إغفال واضح لتجارب الشعبوية اليسارية
أو الحركات الراديكالية التقدمية.
ففي الوقت الذي شهدت فيه بعض المدن الغربية
صعود شخصيات يسارية جديدة، يتعامل بيرن مع الشعبوية باعتبارها ظاهرة يمينية حصراً.
هذا الاختزال ـ بحسب منتقدي الكتاب ـ يسمح للتيار الوسطي بتجاهل أحد الأسباب
الجوهرية لصعود الشعبوية: تفاقم عدم المساواة الاقتصادية.
فالسياسات الاقتصادية التي تبنتها حكومات
وسطية خلال العقود الماضية أسهمت في تعميق الفوارق الاجتماعية، وهو ما وفّر أرضية
خصبة لخطاب الغضب والتمرد الذي تتبناه الحركات الشعبوية.
وصفة "الوسط الراديكالي"
في الفصل الأخير يقدم بيرن ما يسميه
استراتيجية “الوسط الراديكالي” لمواجهة الشعبوية. وتشمل هذه الاستراتيجية عدة
خطوات، أبرزها: فضح علاقات قادة الشعبويين
بالأثرياء والنخب الاقتصادية، تشديد قوانين تمويل الأحزاب السياسية، محاولة
استعادة الناخبين الأقل تشدداً داخل المعسكر الشعبوي، زيادة الضرائب على الأغنياء
لتمويل الخدمات العامة.
قد يبدو اختيار بيرن لتفسير صعود الشعبوية مفارقة بحد ذاته. فالرجل ارتبط اسمه بواحدة من أشهر العبارات السياسية في بريطانيا عندما ترك رسالة مقتضبة لخلفه في وزارة الخزانة عام 2010 تقول: "أنا آسف، لم يعد هناك مال". هذه الجملة استُخدمت لاحقاً من قبل المحافظين لتبرير سياسات التقشف التي أعقبت الأزمة المالية.
ويؤكد بيرن أن النظام الضريبي الحالي في
بريطانيا لا يعكس القيم الأخلاقية للمجتمع، معتبراً أن العدالة الضريبية قد تكون
جزءاً من استعادة الثقة في السياسة.
مع ذلك، يبقى السؤال الأكبر: هل تكفي هذه
الحلول لإيقاف المد الشعبوي؟
الإجابة التي يلمح إليها النقاش الفكري حول
الكتاب هي أن الظاهرة أصبحت عميقة ومتجذرة عالمياً، وأن مواجهتها قد تتطلب تحولات
سياسية واقتصادية أوسع من مجرد إصلاحات وسطية.
فالشعبوية اليوم ليست مجرد خطاب انتخابي، بل
تعبير عن أزمة ثقة واسعة في المؤسسات السياسية والاقتصادية. ولهذا قد يكون الحد
الأقصى الممكن حالياً هو تقليص قوتها الانتخابية ومنعها من الوصول إلى السلطة،
ريثما تتبلور مشاريع سياسية بديلة أكثر إقناعاً.
يقدم كتاب ليام بيرن قراءة ذكية في بعض
جوانب الشعبوية، خصوصاً في تحليل خطابها السياسي ومفارقاتها الداخلية. غير أن
محدودية رؤيته الاقتصادية وتجاهله لدور اليسار في مواجهة الظاهرة يعكسان أزمة أعمق
يعيشها التيار الوسطي في الغرب: إدراك المشكلة دون امتلاك تصور جذري لمعالجتها.