في معركة بدر الكبرى ثبت أن رسولَ الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ بشّر أصحابَه بالنّصر مرّتين، على الأقل، وهي واقعة تستوقف
الباحث في السيرة لا من حيث بُعدها الإيماني فحسب، بل كذلك من حيث ما تنطوي عليه
من دلالات قيادية ونفسية وتنظيمية؛ إذ يطرح هذا الحدث سؤالا مركزيا: كيف يُمارَس
التبشيرُ بالنصر داخلَ سياقٍ تاريخي كان
المسلمون فيه قلّةً عددا وعدّة في مواجهة
قوةٍ تفوقهم ماديا؟ وهل كان هذا التبشير مجرّد خطاب تعبويِّ يهدف إلى رفع
المعنويات، أم كان جزءا من منظومة متكاملة من الإعداد والتدبير وإن كانت بسيطة؟
إنّ الإلحاح على الشورى في ذلك الظرف الحرج لا يمكن فهمه باعتباره إجراءً شكليا أو مجرد تأكيد لقيمةٍ أخلاقيَّةٍ، بل يظهر أقربَ إلى عمليةِ بناءٍ واعٍ للإجماع الداخلي؛ فالمعركةُ لم تكن مجرد حركة عسكرية محدودة، بل تحوّلت تدريجيا إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ مع قريش، وهو ما يفسّر حاجةَ القيادةِ إلى التأكد من استعداد الجماعة لتَحَمُّلِ تبعات ذلك التحول.
المرّة الأولى بعد أن استشارهم ـ صلى الله
عليه وسلم ـ بل ألحّ في ذلك، قبل الخروج لاعتراض قافلة أبي سفيان، وحينما أسمعوه
ما يُحبّ "سُرَّ ونَشط"، كما يذكر أهل السّير. وهنا نؤكد أن القائد
يحتاج هو نفسُه، في بعض الأحيان، إلى التّحريض، ولكن من نوع مختلف؛ بأن يُرِيَهُ
الجُنْدُ من أنفسهم الفهمَ والقّوة، حينئذ قال لهم ـ صلى الله عليه وسلم:
"سيروا وأبشروا". وإذا كان من المألوف في التصورات الشائعة عن القيادة
أن يُنظر إلى القائد باعتباره المصدرَ الوحيد للثقة والعزم، فإنّ مشهد
الشورى في
بدر يكشف عن بعدٍ آخر أقلّ تداولا في الأدبيات العامة: وهو أن العلاقة بين القائد
والجماعة ليست علاقة أحادية الاتجاه. فهل يمكن القول إنّ معنويات الجماعة قادرة،
بدورها، على أن تعزّز معنويات القائد؟ وكيف تتشكّل هذه الحلقة التفاعلية التي
تتبادل فيها القيادة والجنود الإسناد النفسي والمعنوي؟
إنّ الإلحاح على الشورى في ذلك الظرف الحرج
لا يمكن فهمه باعتباره إجراءً شكليا أو مجرد تأكيد لقيمةٍ أخلاقيَّةٍ، بل يظهر
أقربَ إلى عمليةِ بناءٍ واعٍ للإجماع الداخلي؛ فالمعركةُ لم تكن مجرد حركة عسكرية
محدودة، بل تحوّلت تدريجيا إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ مع قريش، وهو ما يفسّر حاجةَ
القيادةِ إلى التأكد من استعداد الجماعة لتَحَمُّلِ تبعات ذلك التحول. ومن هنا
يبرزُ تساؤلٌ آخر: إلى أي مدى تُسْهِمُ المشاركةُ في صناعة القرار في تعزيز
الالتزام به؟ وهل يمكن أن يكونَ "التبشير" في هذه المرحلة نتيجةً طبيعية
لاكتمال هذا التوافق النفسي والجماعي؟
المرة الثانية؛ في ساحة المعركة، بعد أن
استشار حول مكان النزول، وخطّط للمعركـة، وبنى العريش، وسوّى صفوف المقـاتلين، ثمّ
دخل ـ صلى الله عليه وسلم ـ عريشَه يبتهلُ لله ويدعوه ويناشدُه ما وعدَه من نصر
قائلا: "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليومَ لا تُعبد"، عندئذ قال لصاحبه:
"أبشر يا أبا بكر؛ أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثنايا
النَقع". ويكشف هذا المشهد عن مستويات متعددة من الفعل القيادي: التخطيط
العسكري، والتنظيم الميداني، والتعبئة الروحية، ثم لحظة الإعلان عن البشارة. وهنا
يبرز سؤال جوهري: ما العلاقة بين العمل المادي الملموس وبين الخطاب الإيماني الذي
يَعِدُ بالنصر؟ وهل يمكن فصل أحدهما عن الآخر دون أن يختل التوازن الذي يظهر في
هذه الواقعة؟
إن ترتيب الأحداث في هذا السياق يبدو ذا
دلالة بالغة؛ إذ يسبق التبشير بالنصر سلسلة من الإجراءات الواقعية الدقيقة، بعضها
مادي وآخر معنوي وثالث روحي: اختيار الموقع، وتنظيم الصفوف، وإقامة مركز القيادة،
وتأمين خطوط الحركة، ثم التوجّه إلى الله بالدعاء. فهل يمكن فهم البشارة هنا
باعتبارها نتيجةً منطقية لمسار من الإعداد، لا بديلا عنه؟ أم أنها كانت في الوعي
الجماعي للمسلمين آنذاك جزءا من منظومة يتداخل فيها الغيبي بالمادي تداخلا يصعب
تفكيكه وفق تصنيفاتنا الحديثة؟
واضحٌ أنّ التّبشير مسألة مهمة للرّفع من
منسوب الثّقة ثم منسوب الإنجاز لدى النّاس عامة، فأولى الجُند. ولكنّه ـ صلّى الله
عليه وسلم ـ فعل ذلك ـ كما رأينا ـ بعد الإعداد والاستعداد المادي والمعنوي؛
تعبئةً، واستشارةً، وتخطيطا، واحتفاظا بسرّية المهمات، وصلاةً، ودعاءً. وهنا تبرز
إشكالية معاصرة تتعلق بكيفية استلهام هذا النموذج: هل يتم استحضار
"التبشير" بوصفه خطابا مستقلا عن شروطه وسياقاته، أم باعتباره الحلقة
الأخيرة في سلسلة من الأعمال والتهيئات؟ وما الذي يحدث عندما يُنْتَزَعُ عنصرٌ من
منظومة متكاملة ويُقدَّم بوصفه بديلا عن بقية العناصر؟
التاريخ، في كثير من الأحيان، لا يُساء فهمه
بسبب غموضه، بل بسبب القراءة الانتقائية له. وقد يكون من أخطر مظاهر هذه القراءة
أن تُستحضر اللحظات المضيئة في الخطاب التعبوي بينما يُغْفَلُ السياق العملي الذي
أفضى إليها. فهل يمكن أن يتحوّل "التبشير"، إذا أُخْرِجَ من سياقه، إلى
نوع من التعويض الخطابي عن غياب الاستعداد الحقيقي؟
التاريخ، في كثير من الأحيان، لا يُساء فهمه بسبب غموضه، بل بسبب القراءة الانتقائية له. وقد يكون من أخطر مظاهر هذه القراءة أن تُستحضر اللحظات المضيئة في الخطاب التعبوي بينما يُغْفَلُ السياق العملي الذي أفضى إليها. فهل يمكن أن يتحوّل "التبشير"، إذا أُخْرِجَ من سياقه، إلى نوع من التعويض الخطابي عن غياب الاستعداد الحقيقي؟
نخشى اليوم أن نُسيء فهم مسألة
"التّبشير بالنّصر"، فتتحوّل، من حيث لا ندري ـ إلى "طَمأنة
وتَـنْويم" وثقة بقبضة اليد الخاوية. وهنا تفرض التجربة التاريخية سؤالا
مقلقا: متى يتحول الخطاب الذي يفترض أن يكون محفزا إلى أداة تخدير جماعي؟ وكيف يمكن
التمييز بين التفاؤل الذي يعبّئ الطاقات، والتطمين الذي يبدّد الإحساس بالحاجة إلى
العمل؟
إن المجتمعات التي تمرّ بأزمات أو صراعات
تميل غالبا إلى التعلّق بالخطابات المطمئنة، وهو أمر مفهوم من الناحية النفسية،
لكنّه يطرح إشكالا معرفيا وأخلاقيا في الوقت نفسه. فهل من مسؤولية المفكرين
والعلماء أن يوازنوا بين بثّ الأمل والتنبيه إلى شروط تحقيقه؟ أم أنّ ضغط المزاج
العام قد يدفعهم أحيانا إلى تغليب الخطاب الذي يُرْضي الجمهور؟
لن يُعجب هذا الكلام الكثيرين؛ سيقول بعض
القُرّاء بأنّه يحتوي على جُرعة من "التّثبيط"، وأنّ هذا الكلام لا يجوز
نشره بين العامّة، وإنّما يصحّ أن يُتداولَ بين "المختصّين". وهنا تبرز
إشكالية أخرى تتعلّق بطبيعة العلاقة بين المعرفة والجمهور: هل ينبغي أن تُحجبَ بعض
التحليلات بدعوى الحفاظ على المعنويات العامة؟ أم أنّ المجتمعات لا تنضجُ إلا حين
تتعامل مع الحقائق كما هي، بما فيها من تعقيد وتوتر؟
لذلك أخشى ـ ثانيا ـ أنّ يُصبحَ أهلُ الرّأي فينا والعلماءُ والمفكرون والمثقفون في "قبضة الجماهير"، يُسمعونَهم فقط ما يودّونَ سماعَه خوفا على مكانتهم بينهم. وفي هذه الحالة يبرز سؤال أكثر عمقا: هل تتحول القيادة الفكرية، عندما تخضع في بعض تحليلاتها لتوقعات الجمهور، إلى مجرد صدى للصوت الجماعي؟ وإذا حدث ذلك، فمن الذي يبقى قادرا على طرح الأسئلة المقلقة التي تحتاجها المجتمعات لكي تراجع نفسها وتصحح مساراتها؟
*باحث من
المغرب