في تاريخ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا
تقتصر المعركة على ميادين السلاح والسياسة، بل تمتد كذلك إلى ميادين الوعي والهوية
والتاريخ. فالاستعمار، حين يعجز عن كسر إرادة المقاومة بالقوة المجردة، يلجأ إلى
إستراتيجية أكثر عمقاً وخطورة: تفكيك البنية الفكرية للأمة، وزرع بذور الشك في
عناصر وحدتها الحضارية والثقافية.
وقد كان الاستعمار الفرنسي في الجزائر
نموذجاً صارخاً لهذا النهج؛ إذ لم يكتفِ بالسيطرة العسكرية والإدارية، بل سعى منذ
وقت مبكر إلى إعادة تشكيل وعي المجتمع الجزائري عبر المدرسة الاستعمارية،
والدراسات الاستشراقية، والبعثات التبشيرية، وسياسات التفريق الثقافي واللغوي بين
مكونات المجتمع. وكان الهدف الأبعد من ذلك كله خلق تصورات بديلة للانتماء الوطني
تُضعف الرابط الجامع الذي تشكل عبر قرون طويلة من التاريخ المشترك في إطار الحضارة
العربية الإسلامية.
وفي خضم هذا السياق التاريخي المعقد، بدأت
تظهر داخل بعض أوساط النخبة المتعلمة في المدارس الفرنسية أفكار وتوجهات تعيد طرح
سؤال الهوية والانتماء على أسس مختلفة عن تلك التي تبنتها الحركة الوطنية
الجزائرية، التي جعلت من ثلاثية "الوطن والإسلام والعربية" ركائز جامعة
للنضال التحرري. ومع نهاية أربعينيات القرن العشرين، أخذ هذا التباين الفكري
طابعاً أكثر وضوحاً داخل بعض تنظيمات الحركة الوطنية، ليتحول إلى أزمة سياسية
وتنظيمية عُرفت لاحقاً في التاريخ الجزائري باسم "الأزمة البربرية".
وفي إطار سلسلة المقالات الفكرية والتاريخية
التي يكتبها الكاتب والباحث الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان خصيصاً لصحيفة
"عربي21"، يعود الكاتب في هذا المقال إلى تلك المرحلة الحساسة من تاريخ
الحركة الوطنية الجزائرية، مستعرضاً الخلفيات الفكرية والسياسية التي رافقت بروز
النزعة البربرية داخل بعض الأوساط الحزبية والطلابية. وهي قراءة تستند إلى شهادات
ووثائق تاريخية لعدد من القادة والمناضلين الذين عايشوا تلك الأحداث، في محاولة
لفهم جذور هذه الظاهرة في سياقها الاستعماري والثقافي، بعيداً عن التبسيط أو
إسقاطات اللحظة الراهنة.
الإرهاصات الأولى للنزعة البربرية
بصرف النظر عن الإرهاصات الأولى لهذه النزعة
التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي بدأها
المستشرقون والمبشرون، ثم تولى أمرها لاحقاً بعض من تأثروا بأفكارهم من الأهالي
ذوي الثقافة الفرنسية.. إلا أن ظهور هذه النزعة كحركة ذات طابع سياسي وأيديولوجي
يعود إلى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية (1946 ـ 1947)؛ حيث اندفعت جماعة من
الشبان الطلبة في المدارس الفرنسية إلى الانضمام إلى الحركة الوطنية من أجل مقاومة
الاحتلال الفرنسي، خاصة بعد أحداث 8 مايو 1945 الرهيبة والقمع الذي أعقبها في كافة
أنحاء المغرب الأوسط (الجزائر)، ومن بينها بل في وسطها بلاد القبائل بطبيعة الحال.
وقد انضم هؤلاء الشباب بكيفية طبيعية
وتلقائية إلى (حزب الشعب الجزائري) قبل حله من إدارة الاحتلال الفرنسي، والذي تحول
اسمه إلى (حركة انتصار الحريات الديمقراطية) تمويهاً وتقية وتضليلاً لسلطة
الاحتلال التي انطلى عليها ذلك التغيير لاسم وشكل ولون الإناء دون تغيير محتوى
الإناء ذاته روحاً وأفراداً وأفكاراً ثورية جهادية تواقة إلى الحرية والانعتاق من
ربقة الاحتلال الثقيل والطويل، الذي كان قد تجاوز قرناً وعُشراً من السنين بالنسبة
للجزائر بالذات!؟
لقد قدر المحتل أن منطقة القبائل كانت أكثر صلاحية لاستقبال الحضارة الأوروبية؛ حيث كان التمدرس متقدماً فيها نسبياً مقارنة مع باقي مناطق البلاد، وهذا قصد تكوين نخبة مفرنسة. وكان هناك اعتقاد يسود بعض الأوساط بأن سلف القبائل روماني وحتى آري، وتاريخياً يعني أنهم أشد قرابة للفرنسيين، والادعاء أيضاً بأنهم أقل اتساماً أو التزاماً بتعاليم الإسلام على خلاف باقي سكان المناطق الأخرى من الوطن الجزائري الذي كان وما يزال يمثل أكبر بلد في القارة الأفريقية من حيث المساحة الجغرافية حتى الآن!؟
وقد انضم إلى الحزب المذكور عدد معتبر من
الشباب الوطني المتعلم في المدارس الفرنسية، التي كانت تسمح لبعض الأهالي الموسرين
بإرسال أبنائهم لتلقي الدراسة بها (على قلتهم وقلتها)، ومنهم من بلاد القبائل
بطبيعة الحال، دون أية شبهة وطنية معيبة لهم أو فكرة مسبقة عنهم بالنسبة للولاء
إلى الوطن المعهود بوحدته الترابية والشعبية بثوابتها المقدسة عبر القرون، منذ
الدولة الرستمية حتى الغزو الصليبي الفرنسي كما هو معلوم!؟
الأيديولوجيات المتصادمة داخل الحزب
إلا أن بعض هؤلاء الشبان المناضلين (ومنهم
من كان على مستوى معتبر في سلم القيادة في أحزاب الحركة الوطنية نظراً لنيلهم حظاً
من التعليم مقارنة بغيرهم...) كانوا يخفون أيديولوجية مغايرة لأيديولوجية ومبادئ
الحركة الوطنية في الصميم؛ حيث كانت هذه النواة (المزروعة) داخل الحزب تطالب
بانتماء الجزائر إلى "الهوية البربرية"، مع رفض الانتماء العربي
الإسلامي للشعب الجزائري.
وهم بذلك لم يكونوا متأثرين بالأفكار
والأطروحات الاستعمارية الفرنسية فحسب (والتي لُقنوا إياها في المناهج المدرسية
الفرنسية)، بل كانوا متأثرين إلى حد بعيد أيضاً بالأيديولوجية الشيوعية التي كانت
في أوج عصرها الذهبي في ذلك الوقت، وكان لها تأثير عميق في أوساط الطلبة
(المفرنسين) غير المتشبعين بالثقافة الوطنية (العربية الإسلامية).
ويجدر التذكير هنا بأن الشيوعيين الجزائريين
(شأنهم في ذلك شأن زعمائهم الفرنسيين) كانوا يعارضون مفهوم "الأمة
الجزائرية" الموجودة والمكونة أصلاً قبل أن توجد الأمة الفرنسية ذاتها..
وإنما كانوا يدافعون عن شعار "الأمة الجزائرية في طور التكوّن" ابتداءً
من التعايش على نفس الإقليم لمختلف الفئات السكانية (أو الجاليات): اليهودية،
القبائلية، الميزابية، الشاوية، الإيطالية، المالطية، الإسبانية، الفرنسية،
العربية.. رافضين هكذا الثوابت الأساسية التي أقرتها أحزاب الحركة الوطنية
بالإجماع كمبادئ مقدسة جندت من حولها الشعب الجزائري طوال سنوات المقاومة والكفاح
الطويل والمتواصل ضد المحتل في كافة أنحاء الوطن. وهذان الثابتان الأساسيان بعد
الوطن هما: "العروبة" (انتماءً لسانياً) و"الإسلام" (ديناً
سماوياً)، وتلك هي ثوابت الهوية الوطنية لكل شعوب الأمة المحمدية في البلاد
المغربية.
من الفتح الإسلامي ودحر الاحتلال الروماني
ثم بعده الإسباني إلى الغزو الفرنسي سنة 1830، كما قلنا، من ثغرة (سيدي فرج)
بالجزائر العاصمة تحت الحكم العثماني الذي لم يكن أخلافه من الأحفاد في مستوى
إخلاص وإيمان أسلافه من الأجداد الأمجاد، من أمثال بابا عروج وإخوانه وأجناده
الأسياد!؟
ولقد كان الحزب الشيوعي في الجزائر (التي
كانت عبارة عن ثلاث مقاطعات تابعة للدولة الفرنسية في الخريطة السيادية والسياسية
والمدرسية) وذلك بعد مرور أكثر من قرن على احتلال الجزائر بأكملها كما قلنا، وقمع
كل المقاومات والثورات الشعبية (المحلية والجهوية) التي لم تخبُ جذوتها ولو لعقد
واحد كما هو معلوم بشهادة جماجم المقاومين المعروضة حتى الآن في متاحف العاصمة
الفرنسية!؟
شهادة بن يوسف بن خدة
وبعد انتصار الاتحاد السوفييتي (مع الحلفاء)
على النازية في الحرب العالمية الثانية، كان الحزب الشيوعي الفرنسي يتسم بالقوة في
"الوطن الأم" فرنسا؛ هذا الحزب الذي كان تعداده آنذاك قد وصل إلى مليون
منخرط، وأكثر من خمسة ملايين ناخب و166 نائباً في الجمعية الوطنية الفرنسية
(البرلمان).
ونتيجة لهذا الهيلمان والسلطان، أصبح
لمبادئه وأفكاره وأدبياته (التي تمجد انتصار الروس على النازية) رواج في الأوساط
الشابة المثقفة بالفرنسية والمنتمية ـ جغرافياً ـ في معظمها إلى بلاد القبائل في
الجزائر كما أشرنا. وكشاهد حي على هذا الموضوع برمته، نترك القلم للسيد بن يوسف بن
خدة (الأمين العام لحزب الشعب ـ حركة انتصار الحريات الديمقراطية سابقاً، ورئيس
الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أثناء ثورة التحرير، وهو الذي فاوض فرنسا على
استقلال الجزائر، كما فصلنا ذلك في مقالنا ليوم 13 فبراير 2026)، ليخط لنا هذا
الكلام المقتبس من كتابه "جذور أول نوفمبر 1954" الصادر بالجزائر سنة
1988، الذي ترجمناه من الفرنسية إلى العربية (ببعض التصرف غير المخل بالمعنى
المقصود)، حيث يقول عن ظهور الحركة البربرية في الجزائر ما مؤداه:
".. ولهذا ولع بعض الشباب من منطقة
القبائل بالماركسية، وكذا بدستور الاتحاد السوفيتي الذي يمجد نظام الجمهوريات
الإسلامية: أذربيجان، أوزبكستان، طاجيكستان.. إلخ، حيث كانت تؤكد أن كل شعب وكل
عرق كان يتمتع بلغته الخاصة وثقافته الخاصة ويستفيد من "الاستقلالية" في
تسيير شؤونه، وكنا نجد هذه الحجة غالباً عند الأشخاص الذين تحولوا إلى أنصار
للنزعة البربرية في الجزائر.
طبعاً لا يمكننا تجاهل وجود خصوصية قبائلية
محلية؛ حيث كانت منطقة القبائل فقيرة وكان سكانها يواجهون وضعية صعبة تحت ظل
الاستعمار، فكانوا يستخرجون قوتهم من أحجار جبالهم.. وكانوا يحلون نزاعاتهم بواسطة
"الجماعة" (جمعية العقلاء)، كما كانوا يطبقون قانون الشرف والأخلاق
المستوحى من القيم الإسلامية قصد معارضة قانون فرنسا المستعمرة.
وقد استغلت بعثات "الآباء البيض"
بؤسهم المادي وقامت بتجارب منظمة للتنصير كاستقبال اليتامى، وتوزيع مساعدات عينية
(كالدقيق، التمر، الزيت، إلخ.. وإنشاء مدارس دينية مسيحية في المنطقة..). ورغم ذلك
فإن النتائج لم تكن في مستوى المجهودات التي بذلت، مقارنة مع العدد النادر للقبائل
المتنصرين تحت ضغط الحاجة الملحة أكثر مما هو عن اقتناع بالدين الجديد!؟".
ولقد قدر المحتل أن منطقة القبائل كانت أكثر
صلاحية لاستقبال الحضارة الأوروبية؛ حيث كان التمدرس متقدماً فيها نسبياً مقارنة
مع باقي مناطق البلاد، وهذا قصد تكوين نخبة مفرنسة. وكان هناك اعتقاد يسود بعض
الأوساط بأن سلف القبائل روماني وحتى آري، وتاريخياً يعني أنهم أشد قرابة
للفرنسيين، والادعاء أيضاً بأنهم أقل اتساماً أو التزاماً بتعاليم الإسلام على
خلاف باقي سكان المناطق الأخرى من الوطن الجزائري الذي كان وما يزال يمثل أكبر بلد
في القارة الأفريقية من حيث المساحة الجغرافية حتى الآن!؟
الأزمة البربرية عام 1949
ونتيجة لتفاقم حدة البطالة، توجه عدد كبير
من سكان بلاد القبائل إلى فرنسا سعياً وراء لقمة العيش، أو الإقامة شبه الدائمة
بمدن أخرى من الوطن الجزائري الفسيح لممارسة مختلف المهن الصغيرة (خياطين، تجار،
بائعين متجولين، موظفين بالإدارات، عمال، ملاك صغار)، أجراء ومستخدمون كعمال
وفلاحين في مزارع المستوطنين.
ولقد كانت منطقة القبائل حصناً منيعاً
لأحزاب الحركة الوطنية على غرار معظم المناطق الأخرى من شمال الوطن كالمتيجة،
الجزائر، سكيكدة، عنابة، قسنطينة، وهران، الأوراس، وقد ساهم معظم أبنائها
المهاجرين إلى فرنسا بفعالية في بعث نجم الشمال الإفريقي، وكذا حزب الشعب الجزائري..
مساهمين بذلك في إشعاع هاتين المنظمتين حتى على التراب الفرنسي ذاته إلى حين
اندلاع الثورة المسلحة الكبرى والمشاركة فيها بصفة فعالة حتى توقيف القتال وتقرير
المصير والتوقيع مع المحتل الفرنسي على أوراق الاستقلال!؟
وقبل اندلاع الثورة بسنوات قليلة، حاول
أنصار النزعة البربرية بالجزائر التجنيد في الأوساط الطلابية بالجزائر (المدينة)
ومنطقة القبائل، وعلى المستوى القاعدي لم يشرعوا في نشر أفكارهم، ولكنهم لم يتخلوا
عن القدح في القيادة من أجل هدم سلطتها والتشكيك في النهج السياسي (العربي
الإسلامي) الخاص بالحزب. وكانت أفكارهم تلقى الرفض أثناء المناقشات من طرف
الأغلبية الساحقة لمناضلي الحزب لمذهبهم الذي كان يؤدي حتماً بالحزب والشعب إلى
التقسيم والتشتيت لصالح العدو المحتل وحده دون سواه؟
ويبدو ضرورياً هنا إدراج عاملين هامين في
سياق تكوين نوع من الوعي (البربري) لدى هذه النخبة المتفرنسة والمتأدلجة:
أولاً ـ إن أنصار الحركة البربرية هم من
تكوين فرنسي محض، متذرعين بتحدثهم اللهجة القبائلية في الوسط العائلي، وجهلهم شبه
الكلي بالثقافة (العربية-الإسلامية)؛ ومن جهل شيئاً لا يُستغرب أن يعاديه، وهو ما
قد حصل بالفعل وما يزال يحصل حتى الآن!؟
ثانياً ـ خيبة العرب في فلسطين، ودورهم
المحزن والمخزي تجاه الدولة "الإسرائيلية" المفروضة عليهم، وهو ما أحدث
نوعاً من ردة الفعل السلبية تجاه العرب ككل لدى بعض شباب منطقة القبائل.
وقد كان أول من دق جرس الإنذار حول تشكل
نواة هذه الحركة هو أحمد بودة (عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب ـ ح.إ.ح.د) أثناء
الاجتماع في ديسمبر 1948، الذي بلّغ عن وجود هذه النزعة البربرية التي لاحظ أنها
قد تعدت الأفكار إلى الأعمال، وحاولت التهيكل داخل الحزب نفسه!؟
تغلغل النزعة البربرية في فدرالية فرنسا
هذا بالنسبة لخلفية وجذور النزعة البربرية
داخل الحركة الوطنية الجزائرية (أي داخل الوطن)، أما عن علاقتها وامتدادها من وإلى
فرنسا ذاتها فيقول الرئيس بن خدة عن ذلك في صلب الكتاب ذاته:
"لقد كانت أرض فرنسا المكان الصالح
لأنصار النزعة البربرية الذين بدأوا نشاطهم هناك. ففي ربيع سنة 1948 التقى السيد
وعلي بناي بأحمد بودة رئيس المنظمة الوطنية لـ (حزب الشعب الجزائري-حركة انتصار
الحريات الديمقراطية)، وتحدث معه عن طالب "بصدد البحث عنه من طرف
الشرطة"، ويرغب في الالتجاء إلى فرنسا قصد متابعة دراسته وهو بحاجة إلى أن
يوصى به إلى قيادة الفدرالية. وفي الحقيقة فإن هذا الطالب ما هو إلا (محند علي
يحيا) الذي سوف يُكتشف لاحقاً بصفته محرضاً على الانتماء إلى البربرية بفرنسا بدل
(العروبة والإسلام)".
إن أنصار الحركة البربرية هم من تكوين فرنسي محض، متذرعين بتحدثهم اللهجة القبائلية في الوسط العائلي، وجهلهم شبه الكلي بالثقافة (العربية-الإسلامية)؛ ومن جهل شيئاً لا يُستغرب أن يعاديه، وهو ما قد حصل بالفعل وما يزال يحصل حتى الآن!؟
والتي كانت شعاراً عقائدياً للحزب طوال
وجوده من البداية إلى النهاية في الوطن الجزائري والمتمثل في ثلاثيته المقدسة
المكتوبة بالعربية وحدها على بطاقات المناضلين في جميع أنحاء القطر الوطني وهي:
(الجزائر وطننا، الإسلام ديننا، العربية لغتنا). وبحسن نية، أعطى السيد أحمد بودة
موافقته لبناي (وقد كان هذا الأخير مناضلاً في الحزب ويخفي نزعته البربرية).
وبهذا الشكل (التحايلي) التحق محند علي يحيى
(المعروف برشيد) بالأرض الفرنسية حيث أُدرج في المنظمة، والمعروف عنه أنه يتسم
بالنشاط والجرأة مما مكنه من الارتقاء بسرعة في مراتب المسؤولية حتى أصبح طرفاً
فاعلاً في اللجنة المديرة لفدرالية فرنسا لـ (ح.ش.ج-ح.ا.ح.د). وعندما انفجرت أزمة
القضية البربرية في ربيع 1949، توصل إلى دفع اللجنة المديرة إلى انتخاب لائحة تدين
"خرافة الجزائر العربية الإسلامية".
وأمام هذه المناورات تمردت القاعدة وأخبرت
القيادة بالجزائر للاحتجاج ضد من يصفونهم بالعناصر "الملحدة" التي تحارب
الإسلام والعروبة، وفور ذلك أوفدت القيادة السيد شوقي مصطفاي (عضو في المكتب
السياسي للحزب)، مرفوقاً بـ صادق سعيدي، وهو شخصية الحزب المعروفة بمنطقة القبائل.
وفي عين المكان بفرنسا انضم الموفدان من القيادة إلى محمد خيضر، وبلقاسم راجف،
فاعترض سبيل الأربعة أشخاص من الحركة البربرية الذين يتمتعون بنفوذ كبير داخل
المنطقة فمنعوهم من الدخول إلى القاعة!
وقد قدرت نسبة وحدات المنظمة المنشطة من طرف
العضو الحركي المتسلل بخبث وخداع إلى صفوف قيادة الحزب بفرنسا (بالطريقة التآمرية
المذكورة آنفاً) وهو الطالب محند علي يحيى (المدعو رشيد) بـ 80% من مجموع الأعضاء
المنخرطين فكانت الصدمة!
وفي منطقة باريس كانت بعض فصائل المحافظات
مثل كولومب، والضاحية الـ 19 والـ 20، يقطنها أساساً مهاجرون من منطقة القبائل
الصغرى، فكانت تعتبر نقاط ارتكاز للعناصر الوطنية بالحزب لإعادة تشكيل المنظمة
المفككة من العناصر المندسة، وقد قاومت منطقة جنوب-شرق فرنسا بصفة فعالة ضربات
أنصار الحركة البربرية بفضل بشير بومعزة بناحية ليون.
ولم يتم التوصل إلى هذه النتيجة إلا بعد
المرور على المحافظات واحدة تلو الأخرى، وضاحية تلو ضاحية، ومدينة ومقاطعة تلو
مدينة ومقاطعة، لإعادة جمع أعضاء الحزب، كهيكلة الفصائل والقسمات وإعادة تشكيل
فدرالية فرنسا لـ (ح.ش.ج-ح.ا.ح.د) وقد استغرق هذا العمل (18) شهراً بدون انقطاع.
مذكرات عمر بوداود والوثيقة الماركسية
كما أكد هذه الحقيقة المناضل الوطني الكبير
في حزب الشعب الجزائري عمر بوداود (وهو من تاورقة بقلب القبائل الكبرى) في مذكراته
الصادرة سنة 2008 بقوله حول هذا الموضوع:
"عرفت سنوات
(1949 ـ 1950) انفجار ما يعرف بأزمة الانتماء البربري، وتلك القضية تورط فيها
بالخصوص مثقفون شباب من القبائل الكبرى تحت قيادة وعلي بناي، وكان عمار ولد حمودة
(مسؤول المنظمة الخاصة على بلاد القبائل) واحداً منهم، وكانت لي معهم اتصالات في
المجالات التنظيمية دون أن أطَّلع على محتوى مشاريعهم الخاصة بـ "الانتماء".
لقد أعدَّ مسؤولو القبائل العليا مشروع
وثيقة لم أطَّلع عليه إلا بعد مدة زمنية بالرغم من كوني عضواً في قيادة الحزب. لقد
تمَّ إعداد النص، وهو ذو محتوى ماركسي أكثر منه ذو محتوى وطني، ليعرض للمناقشة
أثناء انعقاد اللجنة المركزية أو في مؤتمر الحزب..
بعد أن عرفت أفكارهم بداية الشروع في
التنفيذ، طُرحت المسألة في أجواء مكدَّرة. ثارت ثورة الحزب بسبب الحادث الذي تسبب
فيه تعيين رشيد علي يحيى كمسؤول لفدرالية فرنسا للحركة من أجل انتصار الحريات
الديمقراطية. فقد قام بصفته كذلك بتحرير وثيقة تتعلق بتنظيم الحزب في فرنسا، سُلمت
الوثيقة لمناضل كان متوجهاً إلى الجزائر مع تكليفه بتسليمها إلى "عمار"،
ومن المعلوم أن "عمار" هذا هو تسمية نضالية لولد حمودة (القيادي الذي
كان قد تحايل على قيادة الحزب لإرسال الناشط رشيد علي يحيى إلى فرنسا..). ولم يفهم
المناضل حامل الرسالة ذلك فسلّمها إلى المناضل الأصيل عمار حداد (وهو اسمه
الحقيقي)، ولم يفهم هذا القيادي الكبير الذي تلقى الرسالة ما الذي يراد فعله بهذه
الوثيقة، وظن أنها من الأمور التي تهم الحزب فسلّمها بدوره إلى حسين لحول الذي كان
بحضرة محمد خيضر في مكتب (ح. إ. ح. د.) في ساحة شارتر.
ويبدو أن الرسالة تعرضت للحديث عن معطيات
توحي بوجود تنظيم حركي (تآمري انقلابي) داخل الحزب بما يهدده بانفجار مدمر، من
شأنه أن يعصف بعقود من النضال الوطني عبر الأجيال السابقة، ويقفل باب الأمل أمام
الأجيال اللاحقة من أجل التحرر والانعتاق، ولا يستفيد من نجاح المؤامرة وتدمير
الحزب من الداخل إلا العدو المتربص بوحدة البلاد والعباد وتأبيد الاحتلال إلى ما
لا نهاية في ظل التفتت والتفكك والجهوية والانعزال والانفصال تحت شعار "فرق
تسد" المحبب والمؤبد لبقاء الاحتلال!؟
وعند قراءة الوثيقة الخطيرة تيقنت قيادة
الحزب بأن ذلك تقرير صادر من تنظيم موازٍ، مما أدى إلى اتهام الحزب لواضعي مشروع
الوثيقة بكونهم يخططون لعمل (طائفي جهوي) مدمر لوحدة النضال والجهاد لتحرير البلاد
والعباد!
موقف القيادة والفرز الوطني
ذلك هو فحوى كلامه بتصرف منا، ثم يسترسل
الشاهد عمر بوداود في سرد الأحداث في مذكراته بقوله:
"لا زلت أتذكر مجريات لقاء تم وقتها في
هذا الصدد أثناء شهر رمضان المعظم. كنت ماراً بنهج جول فيري (عبد الرحمن عيبود
حالياً) بمدينة الجزائر أمام مقهى بورحلة، حيث تعوّد أبرز المسؤولين في الحزب على
الاجتماع حول الشاي. التقيت هناك الحاج شرشالي وحسين لحول والنقيب سعيدي وشخصية
رابعة نسيت اسمها، واستجابة لدعوتهم جلست لتناول الشاي معهم، فسألني السعيدي إن
كنت "ذا نزعة بربرية" إذ كان أمري في هذا الصدد مبهماً لم تتوصل قيادة
الحزب إلى تبيانه بعد!؟ فشرحت له رأيي في الموضوع قائلاً: "أنا لا أرغب في
معرفة إن كانت الجزائر بربرية أو عربية أو فرنسية، وإنما الذي يهمني بالدرجة
الأولى هو أن أهوى الجزائر وأن أحميها وأن أموت من أجلها إذا لزم الأمر!؟ وباختصار
أن أكون جزائرياً وكفى!؟ هل يكفيك هذا؟" فردَّ عليَّ سعيدي بقوله: "لستُ
مقتنعاً".
الجدير بالتوضيح هنا للقارئ الكريم أن المقصود بعبارة (البيربيريست) في نص القرار الثوري المتخذ بالإجماع من قادة الثورة هم دعاة النزعة البربرية، وعلى رأسهم العضو المندس في قيادة الحزب السابق ذكره المدعو (رشيد علي يحيى)، وهو ما يزال على قيد الحياة وقد عاد إلى الجزائر سنة 2010 مصرحاً حينئذ في حوار مع جريدة "الوطن" (الناطقة بالفرنسية) بأنه عاد ليواصل المهمة التي بدأها قبل عقود.. وإلى الآن ما يزال يسعى لتحقيق أجندته بكل نشاط وحيوية كشاب عشريني وقد تجاوز التسعين ببضع سنين!؟
وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى نقطتين
هامتين كما يذكرهما الرئيس بن يوسف بن خدة:
الأولى ـ الإسهام الإضافي والنهائي والحاسم
لحل الأزمة البربرية التي لقيت الموافقة من أعضاء فرع طلبة الحركة الوطنية أثناء
السنة الدراسية 1948 ـ 1949 ومن بينهم: مصطفى لشرف، عبد المالك بن حبيلس، علي
مرداسي، محي الدين حفيز، صغير مصطفاي، محمد بن قطاط، وتونسيين اثنين هما: الطاهر
قيقة ومصطفى لفيف.
الثانية ـ هي طبيعة النهج السياسي الذي يكون
تبعاً للنتائج المحصل عليها، وكان يرتكز على مفهومين:
أولاً ـ تفنيد الدعامة العرقية للحركة
البربرية أو "الآرية" بدون إعادة النظر في المحتوى الثقافي البربري المحلي في إطار
الحضارة العربية الإسلامية، التي أصبحت هي الثابتة والعامة بعد الفتح الإسلامي
وإلى يومنا هذا.
ثانياً ـ النداء إلى الضمير الوطني لمعارضة
هذا المذهب الهدام بتحقيق الانسجام والالتزام بدون غموض أو هوادة بالوحدة الوطنية.
والجدير بالذكر هنا هو أن هذا الموقف الوطني
نفسه هو الذي تؤكده فيما بعد إحدى وثائق مؤتمر الصومام المنعقد ببلاد القبائل
ذاتها سنة 1956م، التي تخوّن كل من ينتمي إلى الحركة البربرية وتضعه في صف العدو
بامتياز، والوثيقة ممضاة من القادة السبعة الذين يوجد من بينهم أربعة من بلاد
القبائل ذاتها وهم: بلقاسم كريم، عبان رمضان، عمار أوعمران، علي ملاح (المدعو سي
شريف)، أما الثلاثة الآخرون فهم: محمد العربي بن مهيدي، زيغود يوسف، ونائبه لخضر
بن طوبال.
وهذا هو نص الوثيقة بترجمتها الحرفية من
الفرنسية إلى العربية:
"إلى مسؤولي حزب جبهة التحرير الوطني
بفرنسا. إن المسؤولين الأساسيين لقطاع وهران والعاصمة وقسنطينة المجتمعين في مكان
ما بالجزائر، بعد الاطلاع على تقريركم العام (غير المؤرخ)، يجددون لكم الثقة
ويؤكدون لكم مساندتهم الكاملة في عملكم المتعلق بالتصفية.. والدعم لجبهة التحرير
الوطني في فرنسا، وبتصفية "البربريست" و"المصاليست" وكل
المعادين للثورة الذين يواصلون عمل التفرقة في جموع الجالية!؟"
والجدير بالتوضيح هنا للقارئ الكريم أن
المقصود بعبارة (البيربيريست) في نص القرار الثوري المتخذ بالإجماع من قادة الثورة
هم دعاة النزعة البربرية، وعلى رأسهم العضو المندس في قيادة الحزب السابق ذكره
المدعو (رشيد علي يحيى)، وهو ما يزال على قيد الحياة وقد عاد إلى الجزائر سنة 2010
مصرحاً حينئذ في حوار مع جريدة "الوطن" (الناطقة بالفرنسية) بأنه عاد
ليواصل المهمة التي بدأها قبل عقود.. وإلى الآن ما يزال يسعى لتحقيق أجندته بكل
نشاط وحيوية كشاب عشريني وقد تجاوز التسعين ببضع سنين!؟
مع العلم أن الشخص القيادي الذي تواطأ معه
وتحايل له كي يذهب إلى فرنسا (كما سبق الذكر تحت ذريعة استكمال الدراسة) طاله حكم
الإعدام ونُفذ فيه بعد شهرين تقريباً من انعقاد المؤتمر المذكور!؟ وذلك تحت قيادة
النقيب عمر نايت الشيخ والعقيد السعيد محمدي المعروف (بسي ناصر) الذي خلف بلقاسم
كريم على رأس الولاية الثالثة التي انعقد فيها المؤتمر التاريخي المذكور برئاسة
الشهيد الرمز محمد العربي بن مهيدي!؟
وتلك هي حقيقة ظهور الحركة البربرية
المناوئة للثورة كما ورد في نص القرار الموقع بالإجماع من القادة الحاضرين كما هو
موثق (حبراً على ورق)، ومعظم الشهود أحياء يرزقون، والبعض الآخر من الراحلين هم في
دار الحق يختصمون، ولا تزر وازرة وزر أخرى يوم الدين وحق اليقين!؟