من السرّ إلى العلن.. تحوّل التخابر في حرب غزة وسؤال المجتمع المُخترَق

تشير الدراسة إلى أن الإعدام يُعد العقوبة الغالبة في معظم صور التخابر، لا سيما تلك المتعلقة بالتجسس أو تقديم معلومات عسكرية أو الانضمام إلى العدو أو معاونته..
تشير الدراسة إلى أن الإعدام يُعد العقوبة الغالبة في معظم صور التخابر، لا سيما تلك المتعلقة بالتجسس أو تقديم معلومات عسكرية أو الانضمام إلى العدو أو معاونته..
شارك الخبر
لم يعد التخابر، في سياق الحروب المعاصرة، مجرد فعل سري معزول يجري في الظل، بل تحوّل إلى ظاهرة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاجتماعية والنفسية، وتعيد تعريف العلاقة بين الداخل والخارج، وبين المجتمع وخصومه. هذا ما تكشفه الدراسة الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، والتي ترصد تحوّل جريمة التخابر خلال الحرب على غزة (2023 ـ 2025) من نشاط استخباراتي خفي إلى سلوك ميداني منظم، يشتبك مباشرة مع مجريات الصراع.

تكشف الدراسة عن تحوّل عميق في طبيعة جريمة التخابر خلال الحرب على قطاع غزة، حيث لم تعد هذه الجريمة محصورة في بعدها التقليدي القائم على نقل المعلومات سرًّا، بل اتسعت لتأخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا وامتدادًا نحو الفعل الميداني المباشر، بما يشمل المشاركة في عمليات ميدانية وتقديم دعم لوجستي واستخباراتي، الأمر الذي يعكس تحوّلًا نوعيًا في بنية هذه الظاهرة ووظيفتها داخل سياق الصراع.

التخابر، وفق المفهوم القانوني والفقهي المستقر، يُعد من أخطر الجرائم التي تمسّ أمن الدولة الخارجي، إذ يقوم على تلاقي إرادة المتخابر مع جهة معادية في إطار يهدف إلى تبادل المعلومات أو تقديم العون بأي صورة كانت، سواء عبر الوسائل التقليدية أو الرقمية الحديثة.
وتشير الدراسة إلى أن التخابر، وفق المفهوم القانوني والفقهي المستقر، يُعد من أخطر الجرائم التي تمسّ أمن الدولة الخارجي، إذ يقوم على تلاقي إرادة المتخابر مع جهة معادية في إطار يهدف إلى تبادل المعلومات أو تقديم العون بأي صورة كانت، سواء عبر الوسائل التقليدية أو الرقمية الحديثة. وعلى الرغم من غياب تعريف صريح ومباشر لهذه الجريمة في بعض التشريعات الفلسطينية، فإن القضاء والفقه استقرا على اعتبار مجرد الاتصال أو التفاهم مع العدو، حتى دون تحقق نتيجة مادية، فعلاً مجرّمًا مكتمل الأركان، وهو ما يعكس درجة عالية من التشدد القانوني تجاه هذا النوع من الجرائم.

وفي سياق الإطار التشريعي، توضّح الدراسة أن المشرّع الفلسطيني اعتمد منظومة قانونية متعددة المصادر لتجريم التخابر، أبرزها قانون العقوبات الثوري لعام 1979 وما تلاه من قوانين معمول بها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي منظومة تتسم بصرامة واضحة، إذ لا تشترط تحقق الضرر لقيام الجريمة، بل تكتفي بمجرد السلوك الإجرامي ذاته، كما تمتد لتشمل طيفًا واسعًا من الأفعال التي تتراوح بين نقل المعلومات، أو الالتحاق بقوات الاحتلال، أو تقديم الدعم اللوجستي، وصولًا إلى الامتناع عن الإبلاغ عن المتخابرين. هذا الاتساع في التجريم يعكس إدراكًا قانونيًا لطبيعة التهديدات الأمنية في بيئة صراع مفتوح.

أما على مستوى العقوبات، فتشير الدراسة إلى أن الإعدام يُعد العقوبة الغالبة في معظم صور التخابر، لا سيما تلك المتعلقة بالتجسس أو تقديم معلومات عسكرية أو الانضمام إلى العدو أو معاونته، في حين تتدرج العقوبات في حالات أخرى إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، خصوصًا في الحالات التي لا تكتمل فيها النتائج أو ترتبط بالتقاعس عن الإبلاغ. كما تخضع هذه القضايا في قطاع غزة لاختصاص القضاء العسكري، بما في ذلك محاكم الميدان في أوقات الحرب، وهو ما يعكس الطبيعة الاستثنائية لهذا النوع من الجرائم في السياق الأمني.

وتبرز أهمية الدراسة في كونها ترصد تحولًا لافتًا في أنماط التخابر خلال الحرب الأخيرة على غزة، إذ لم يعد الأمر يقتصر على أفراد يعملون في الخفاء، بل برزت وفق المعطيات مجموعات محلية منظمة في مناطق متعددة من القطاع، من بينها رفح وخان يونس وشرق مدينة غزة وشمالها، تعمل في بعض الحالات بشكل منسق مع الاحتلال. وتشير الدراسة إلى أن بعض هذه المجموعات ضمّ مئات الأفراد، وتولّى مهام ميدانية مباشرة شملت إنشاء نقاط رصد ومراقبة تحركات المقاومة، ونقل معلومات دقيقة، والمشاركة في عرقلة العمليات العسكرية، إضافة إلى استخدام مواقع مدنية كغطاء لتقديم دعم لوجستي، وهو ما يعكس انتقال التخابر من مستوى الفرد إلى مستوى الشبكات المنظمة.

وفي تحليلها للدوافع، تؤكد الدراسة أن الانخراط في التخابر لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتاج تداخل معقد لعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، تبدأ من الفقر والبطالة، مرورًا بالسعي إلى تحقيق مصالح شخصية مثل الحصول على تصاريح عمل أو امتيازات مادية، وصولًا إلى حالات الابتزاز والضغط النفسي التي يمارسها الاحتلال بشكل منهجي، مستفيدًا من هشاشة بعض الأوضاع الاجتماعية وضعف الوعي الوطني والديني لدى بعض الأفراد. هذا التداخل بين الدوافع الذاتية والضغوط الخارجية يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد خيانة فردية.

تدعو الدراسة إلى ضرورة تطوير مقاربة شاملة لمواجهة هذه الظاهرة، تقوم على تعزيز الردع القانوني من خلال التطبيق الصارم للعقوبات، وتوحيد التشريعات الفلسطينية ذات الصلة، وتفعيل دور القضاء المختص، إلى جانب رفع مستوى الوعي الأمني والمجتمعي، وتشجيع الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة، مع الاستمرار في الرصد والتحليل الدقيق لأنماط التخابر المتغيرة.
وتحذر الدراسة في هذا السياق من التداعيات الاجتماعية العميقة لهذه الظاهرة، إذ تؤدي إلى تفكيك شبكات الثقة داخل المجتمع، وإشاعة مناخ من الشك والخوف المتبادل، بما ينعكس سلبًا على التماسك الاجتماعي، ويضعف مناعة المجتمع الداخلية، الأمر الذي يسهل عمليات الاختراق الأمني ويخدم أهداف الاحتلال دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة. وهكذا تتحول الجريمة من فعل فردي إلى عامل بنيوي يهدد البنية الاجتماعية برمتها.

وفي ختامها، تدعو الدراسة إلى ضرورة تطوير مقاربة شاملة لمواجهة هذه الظاهرة، تقوم على تعزيز الردع القانوني من خلال التطبيق الصارم للعقوبات، وتوحيد التشريعات الفلسطينية ذات الصلة، وتفعيل دور القضاء المختص، إلى جانب رفع مستوى الوعي الأمني والمجتمعي، وتشجيع الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة، مع الاستمرار في الرصد والتحليل الدقيق لأنماط التخابر المتغيرة. كما تؤكد أن المواجهة الفاعلة لهذه الجريمة لا يمكن أن تقتصر على البعد العقابي، بل تتطلب بناء منظومة وقائية متكاملة تعالج جذور الظاهرة، وتعمل على تحصين المجتمع من الداخل في ظل بيئة صراع مفتوحة ومعقدة.
التعليقات (0)