نتنياهو وخرائط القوة.. كيف يُعاد رسم الشرق الأوسط بالنار والتحالفات؟

الشرق الأوسط في فترة تاريخية تهدد حاضره ومستقبله ومصير دوله وشعوبه وهويته الدينية والحضارية والقومية.
الشرق الأوسط في فترة تاريخية تهدد حاضره ومستقبله ومصير دوله وشعوبه وهويته الدينية والحضارية والقومية.
شارك الخبر
الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران هي حربٌ خُطط لها منذ ثلاثة عقود على الأقل. وتأتي في سياق خطة إسرائيلية، مدعومة من الولايات المتحدة، لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، ليس فقط على المستوى الجيوسياسي، كما في اتفاقية سايكس بيكو 2016، وإنما إعادة هيكلة شاملة على جميع المستويات الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية. والهدف هو تحويل دول الشرق الأوسط إلى كيانات ضعيفة تقع بين مطرقة الهيمنة الإسرائيلية وسندان القوة العسكرية الغاشمة التي يمارسها ساكن البيت الأبيض. ونتناول خطط وآليات نتنياهو لتنفيذها. كما نجيب على أسئلة مهمة، منها: هل ستحقق إسرائيل والولايات المتحدة أهدافهما في إيران والمنطقة؟ ومن المستهدف بعد إيران؟ وهل ستنجح خطط إسرائيل لتحقيق الهيمنة الإقليمية وتحويل الدول العربية إلى محميات أو دول تابعة لنتنياهو، ملك إسرائيل الجديد؟

الشرق الأوسط بين القطع النظيف ودرع إبراهام

سعت الحركة الصهيونية إلى إقامة دولة إسرائيل الكبرى المهيمنة على العالم العربي، والتي تُشكّل حاجزًا للغرب ضد ما وصفه هرتزل بالبربرية العربية والإسلامية. وقد وُضعت خطط عديدة لتقسيم المنطقة إلى كانتونات ودويلات صغيرة طائفية وعرقية؛ إلا أنه مع وصول نتنياهو إلى رئاسة الوزراء عام ١٩٩٦، فقد سعى إلى تطبيق هذه الخطط على أرض الواقع. وظهرت خرائط للشرق الأوسط، أعدتها مراكز أبحاث إسرائيلية تربطها علاقات بالولايات المتحدة. وكان واضعو هذه الخرائط يشغلون مناصب قيادية داخل إسرائيل أو في دوائر صنع القرار السياسي والعسكري في البيت الأبيض والبنتاغون. وفيما يلي أهم هذه الخطط:

أولا ـ القطع النظيف

في ١٩٩٦، أصدر معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة، ومقره القدس وواشنطن، خطة سياسية بعنوان "القطع النظيف: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة"، وقدمت إلى بنيامين نتنياهو، في ولايته الأولى كرئيس لوزراء إسرائيل، كدليل للتعامل مع مختلف القضايا في الشرق الأوسط في أعقاب اتفاقيات أوسلو. وشملت الخطة: ١) انتهاج مبدأ "السلام مقابل القوة" كبديل لمبدأ "الأرض مقابل السلام"، 2) تدمير اتفاقيات أوسلو، 3) دفع الولايات المتحدة للإطاحة بنظام صدام حسين في العراق، 4) شن حرب ضد سوريا بعد التخلص من نظام صدام، 5) عمل عسكري ضد لبنان وإيران.

ثانيا ـ درع إبراهام

صاغ هذه الخطة "تحالف الأمن الإقليمي"، الذي يضم أكثر من مئة شخصية إسرائيلية. ووفقًا لواضعيها، فهي استراتيجية شاملة تتضمن توصيات لإنهاء الحرب في غزة، ونزع سلاح حماس، وتحييد حزب الله، وإنشاء منطقة عازلة في سوريا، وتسريع التطبيع مع السعودية، وفصل إسرائيل عن الفلسطينيين، ووقف طموحات إيران النووية، وتشكيل تحالف أمني إقليمي ضدها، وتوحيد الدول العربية المعتدلة وإسرائيل في "تحالف إبراهام" لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي ورسم رؤية لشرق أوسط جديد.

نتنياهو يخرج بإسرائيل من حدود القوة الإقليمية إلى العالمية

في مقالته "لماذا لم تعد إسرائيل قوة إقليمية؟" المنشورة في صحيفة تايمز أوف إسرائيل بتاريخ 16 سبتمبر/أيلول 2025، كتب فريد شوكورلو: منذ توليه منصب وزير المالية عام 1993، حوّل نتنياهو إسرائيل من اقتصاد اشتراكي، حيث كانت الدولة تكافح لتوفير الغذاء لسكانها، إلى اقتصاد سوق حرّ دفعها إلى الساحة العالمية. وبحلول عام 2024، كان الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل أكثر من 500 مليار دولار، وتجاوز دخل الفرد فيها نظيره في فرنسا والمملكة المتحدة. ويعكس هذا التطور السريع لإسرائيل في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، واندماجها الناجح في اقتصاد المعرفة العالمي. وقد أصبحت مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية محركات رئيسية للنمو.

"إن أقوى دولة في العالم يقودها الآن رئيس مارق. رجل واحد قرر بمفرده شن هذه الحرب، دون موافقة الكونغرس، ودون موافقة حلفاء أمريكا، ودون هدف نهائي واضح."
وأصبحت من بين أكبر المستثمرين في العالم في مجال البحث والتطوير، مما عزز مكانتها كملاذ للشركات الناشئة. وقد حسّنت اتفاقيات أبراهام فرص الأعمال بين إسرائيل والدول العربية، وأعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط. كما منحت أعمال الاستخبارات إسرائيل مكانة بارزة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

نتنياهو ولحظة 1967

في 19 يونيو/حزيران 2025، نشر روب غيست بينفولد مقالاً بعنوان "كيف تُؤجّج استراتيجية إسرائيل الكبرى الجديدة والخطيرة الصراع في الشرق الأوسط" على موقع مجلس الشرق الأوسط للعلاقات الخارجية. وذكر فيه: بعد حرب 1967، أصبحت إسرائيل قوة إقليمية مهيمنة ذات تفوق عسكري على جميع جيرانها، ووسّعت سيطرتها الإقليمية أربعة أضعاف. لكن بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شعر نتنياهو بالحاجة إلى تحقيق نصر تاريخي للإسرائيليين، مماثل للنصر في حرب الأيام الستة. وهذا السعي وراء "لحظة 1967" يُفسّر تعهّد نتنياهو بإنشاء "شرق أوسط جديد"، حيث ستُزيل إسرائيل مشاكل غزة وإيران، وتُزيل العقبات أمام هيمنتها الإقليمية وتطبيع العلاقات مع جيرانها. وسيكون هذا أعظم من نصر 1967.

إقامة تحالف استراتيجي وشراكة كاملة مع الولايات المتحدة

سعى نتنياهو إلى إقامة تحالف كامل وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لا سيما في عهد ترامب. وفي هذا السياق، كتب هال براندز مقالاً في جيروزاليم بوست بعنوان "الحرب مع إيران تكشف عن تحالف أمريكي إسرائيلي جديد وغير مسبوق"، نُشر في 4 مارس/آذار 2026، ذكر فيه: "لم تكن العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وثيقة دائمًا؛ لكن الحرب الحالية تُعدّ تطورًا تاريخيًا: صعود تحالف عسكري شامل بين إسرائيل والولايات المتحدة، مما مكّنهما من العمل سويّا على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. خلال ولاية ترامب الأولى، مهدت اتفاقيات أبراهام الطريق لعلاقات أوثق بين إسرائيل والقيادة المركزية الأمريكية (البنتاغون).

"على الرغم من القوة العسكرية الهائلة التي تمتلكها إسرائيل في الشرق الأوسط، إلا أنها لن تتمكن أبدًا من تحقيق الهيمنة الإقليمية، التي تتطلب سيطرة مطلقة على جميع المنافسين وقبول سلطتها من قبل الدول المجاورة. ورغم أن إسرائيل تمكنت من ترسيخ نفوذ كبير لها في المنطقة، إلا أن طموحاتها تواجه عقبات هيكلية وسياسية واجتماعية تتجاوز قدراتها العسكرية."
وفي ولايته الثانية، تبنّت الولايات المتحدة وإسرائيل موقفًا هجوميًا ضد إيران. وتعمل الطائرات الأمريكية وناقلات الوقود من قواعد إسرائيلية. وتتمركز حاملات الطائرات الأمريكية قبالة السواحل الإسرائيلية. ونفّذ الإسرائيليون عمليات اغتيال مُستهدفة لقادة إيرانيين، وهو ما قد يُخالف المحظورات القانونية الأمريكية. ومن المرجح أن تكون أشكال أخرى من التعاون مخفية عن الرأي العام. لذلك، فهذه الحرب هي بمثابة إعلان رسمي عن تحالف إسرائيلي أمريكي سيشكل الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

استراتيجية نتنياهو.. السلام الوحيد هو سلام الردع

في مقالٌ لسايروس سوفوس على موقع "ذا كونفرسيشن"، بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2025، بعنوان "كيف تؤثر الأزمات الداخلية لإسرائيل وطموح نتنياهو لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟"، جاء فيه: أكد نتنياهو في كتابه الصادر عام 1993 بعنوان "مكان بين الأمم"، أن "السلام الدائم الوحيد في المنطقة هو سلام الردع". تدعو هذه السياسة إلى بسط النفوذ الإسرائيلي الساحق، وإضعاف الخصوم الإقليميين، والسعي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بشكل جذري. هذا النهج هو أساس جميع تحركات إسرائيل: تدمير غزة، واحتلال أجزاء من لبنان، وتزايد الوجود العسكري في سوريا، وعدوانها على إيران، ودعواتها لتغيير النظام.

وتعكس هذه العمليات غرائز استراتيجية راسخة، تتجاوز الاحتواء نحو التفكيك الاستراتيجي للقوى الإقليمية وتقليص قدرة الخصوم الفعليين والمحتملين على السيطرة على أراضيهم. وقد مكّن عدد من التغييرات إسرائيل على هذا التحول، بما في ذلك تزايد نفوذ اليمين المتطرف في إسرائيل. إن الاضطرابات المستمرة في النظام الدولي في ظل ولاية ترامب الثانية، وتآكل القيود القليلة التي كان يفرضها النظام الدولي الليبرالي سابقاً على سعي إسرائيل وراء سياساتها الإقليمية المتمثلة في التوسع والصراع الدائم والإدارة العدوانية للقضية الفلسطينية بدلاً من حلها، كلها عوامل ساهمت في ذلك.

حلم إسرائيل المستحيل في الشرق الأوسط

في مقالته "إسرائيل والحلم المستحيل بالهيمنة الإقليمية"، المنشورة في 24 يونيو/حزيران 2025 على موقع "الدبلوماسية الحديثة"، ذكر برايان هدسون: على الرغم من القوة العسكرية الهائلة التي تمتلكها إسرائيل في الشرق الأوسط، إلا أنها لن تتمكن أبدًا من تحقيق الهيمنة الإقليمية، التي تتطلب سيطرة مطلقة على جميع المنافسين وقبول سلطتها من قبل الدول المجاورة. ورغم أن إسرائيل، منذ تأسيسها، تمكنت، بفضل تفوقها العسكري ودعم الغرب الواسع، من ترسيخ نفوذ كبير لها في المنطقة؛ إلا أن طموحاتها في أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط تواجه عقبات هيكلية وسياسية واجتماعية تتجاوز قدراتها العسكرية:

1 ـ  تتطلب الهيمنة الحقيقية قبولًا سياسيًا وشرعية إقليمية، وهو أمر تعجز إسرائيل عن تحقيقه بسبب سياساتها العدوانية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، والتي صورتها كقوة قمعية.

2 ـ  القوة العسكرية وحدها غير كافية لتحقيق الهيمنة وقمع المنافسين. وقد أثبتت الأحداث منذ الطوفان أن القوة العسكرية الإسرائيلية، مهما كانت مدمرة، لا يمكن أن تؤدي إلى هيمنة دائمة. لا تزال جماعات المقاومة تشكل تحديًا قويًا لإسرائيل، ولم تُوقف الهجمات على إيران برنامجها النووي.

3 ـ  التعقيدات الجيوسياسية في الشرق الأوسط: تتسم المنطقة بتعدد الجهات الفاعلة وتضارب المصالح، مما يجعل من المستحيل على أي دولة، بما فيها إسرائيل، تحقيق الهيمنة. تحتفظ إيران بشبكات في العراق ولبنان واليمن. وتُعد تركيا والسعودية خصمين قويين يرفضان الهيمنة الإسرائيلية.

4 ـ الضعف الاستراتيجي: يُشكل الدعم الأمريكي والأوروبي حجر الزاوية في قوة إسرائيل، مما يجعلها أداةً في يد قوى أجنبية. تتطلب الهيمنة اكتفاءً ذاتيًا استراتيجيًا، وهو ما تفتقر إليه إسرائيل.

5 ـ  التداعيات الدولية: أدت تصرفات إسرائيل إلى تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي والعالمي. كما زادت من خطر نشوب صراع أوسع نطاقًا، واحتمال تعطل سلاسل إمداد الطاقة العالمية نتيجة سيطرة إيران على مضيق هرمز. كل هذا يُظهر أن السعي وراء الهيمنة أمرٌ مستحيل، ويؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.

6 ـ  يكمن أمن إسرائيل في السلام لا في الهيمنة: فهي بحاجة إلى التوصل إلى اتفاق سياسي دائم مع جيرانها، بمن فيهم الفلسطينيون. ولم تُسفر سياساتها العدوانية إلا عن تعزيز المقاومة وإبعادها أكثر عن تحقيق الهيمنة.

حرب إيران تكشف أُمية مشعليها

نشرت نيويورك تايمز في 29 مارس/آذار 2026 مقالاً بعنوان "هل أمريكا في عام 1914؟" للكاتب الإسرائيلي يوناتان توفال، جاء فيه: على الرغم من أن الإسرائيليين والأمريكيين يسيطرون على آلة تدمير هائلة؛ إلا أنهم لا يفهمون كبرياء الإنسان، ولا قناعاته، ولا ذاكرته التاريخية. افترض مهندسو الحرب أن قتل قادة إيران، والسيطرة على مجالها الجوي، وتدمير بنيتها التحتية سيؤدي إلى انهيار النظام. لكن إيران، على الرغم من ضعفها الشديد، تمكنت من تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، وتصعيد الحرب الاقتصادية بشكل كبير، وإجبار واشنطن على طلب المساعدة من حلفائها بعد دخولها حرباً كانت واثقة من أنها ستكون سريعة وحاسمة. هذا فشل استخباراتي، واعتماد كامل على آلات توليد الأهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي. كلما ازدادت الحرب تقدماً من الناحية التكنولوجية، ازداد خطر إسنادها إلى أناس يفتقرون إلى فهم الطوارئ والطبيعة البشرية. وسيكتشفون، بعد فوات الأوان، أن الحروب تُبنى على المشاعر بقدر ما تُبنى على الفولاذ والنار. هذا جهل بالحرب. نعم، حسابات صانعي الحرب دقيقة؛ لكن ما لا يفهمونه، لن يدركوه.

حرب إيران.. فشل في الخيال

في مقالته المنشورة على موقع سبستاك بعنوان "الحرب مع إيران فشلٌ في الخيال"، بتاريخ 8 أبريل 2026، يجادل العقيد المتقاعد دوغلاس ماكغريغور بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حربًا لا تفهمانها ولا تستطيعان الانتصار فيها. فالاعتماد على القوة الجوية والبحرية فقط دون وجود بري لا يكفي لتحقيق النصر. فبدون ضربة نووية أو مليون جندي منظمين ومدربين ومجهزين بشكل صحيح لنوع جديد من الحرب، يصبح النصر على إيران شبه مستحيل. إن هيكل القوات الأمريكية الحالي ليس الحل "الصحيح تقريبًا" للنصر، بل هو الحل "الخاطئ تمامًا" للهزيمة. لقد ولّى عهد النفوذ الأمريكي المدعوم بالتفوق الجوي والبحري. لذلك، يجب على مخططي الحرب في البنتاغون أن يفترضوا أن القوات المنتشرة على خطوط المواجهة معرضة للإبادة. ولا تستطيع واشنطن بسط نفوذها عبر نصف الكرة الشرقي، لأن ذلك سيعرض حياة الأمريكيين لخطر جسيم. وقد قال نابليون قولته الشهيرة: "الخيال يحكم العالم"؛ لكن الحرب الحالية تكشف افتقار واشنطن للخيال.

ترامب لا يعرف ما يفعله

في مقال نُشر في الغارديان بتاريخ 12 مارس/آذار 2026، بعنوان "هذه الحرب فشل أمريكي"، كتب وزير العمل الأمريكي السابق روبرت رايش: "إن أقوى دولة في العالم يقودها الآن رئيس مارق. رجل واحد قرر بمفرده شن هذه الحرب. رجل واحد أشعل فتيل هذه الفوضى دون موافقة الكونغرس، ودون موافقة حلفاء أمريكا، ودون سبب واضح، ودون هدف نهائي، ودون إجابة متماسكة حول ما يستلزمه "النصر"، ويبدو أنه لا يملك أدنى فكرة عما يفعله. رجل واحد يتسبب في الفوضى: خسائر في الأرواح، وارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، واستنزاف للخزينة العامة، وإهمال للاحتياجات الأساسية للأمريكيين. في نهاية المطاف، هذا فشل أمريكي.

نتنياهو هو الخاسر الأكبر

"في حربٍ بلا رابح، نتنياهو هو الخاسر الأكبر"، كان هذا عنوان مقال بيتر بومونت في الغارديان بتاريخ 8 أبريل/نيسان 2026. وجاء فيه: "أثبتت الحملة الإسرائيلية فشلها. قال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد: "لم يشهد تاريخنا كارثة سياسية كهذه. لقد فشل نتنياهو ولم يحقق أيًّا من الأهداف التي وضعها لنفسه. سيستغرق الأمر سنوات لإصلاح الضرر السياسي والاستراتيجي الذي ألحقه بنا غروره وإهماله وافتقاره للتخطيط الاستراتيجي". وقال يائير غولان: "لقد عانينا من أحد أسوأ الإخفاقات الاستراتيجية في تاريخ إسرائيل. إنه فشل ذريع يهدد أمن إسرائيل لسنوات قادمة". وتتمثل مظاهر هذا الفشل فيما يلي:

"سعى نتنياهو إلى إقامة تحالف كامل وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لا سيما في عهد ترامب. وخلال ولاية ترامب الأولى، مهدت اتفاقيات أبراهام الطريق لعلاقات أوثق بين إسرائيل والقيادة المركزية الأمريكية. وفي ولايته الثانية، تبنّت الولايات المتحدة وإسرائيل موقفًا هجوميًا ضد إيران."
1 ـ  تضررت مكانة إسرائيل الدولية بشدة جراء أفعالها في غزة، حيث اتُهمت بارتكاب إبادة جماعية.

2 ـ  على الرغم من مزاعم ترامب، فقد حققت طهران هدفها المتمثل في الصمود أمام هجوم من أكبر قوة عسكرية في العالم. ولا يزال النظام قائمًا، ويمتلك قوة عسكرية كبيرة، وسيسعى إلى إعادة تسليح سريعة.

3 ـ  هجمات نتنياهو المتواصلة في جنوب لبنان دليل على غطرسته. إن إنشاء منطقة أمنية جديدة يضع إسرائيل في مسار تصادمي مع مقاتلي حزب الله، الذين أثبتوا براعتهم في القتال على أراضيهم.

4 ـ  التداعيات الدولية أشد وطأة على إسرائيل: في أمريكا، وُجهت انتقادات حادة لدور إسرائيل في دفع ترامب إلى الحرب، ووصل الدعم لإسرائيل إلى أدنى مستوياته تاريخيًا، حتى بين الناخبين اليهود.

5 ـ  سيخرج نتنياهو من الحرب دون تحقيق أي هدف من أهدافه الرئيسية: فالفشل متأصل في خططه الحربية. وبرزت نقاط ضعف مشتركة بين إدارته والإدارة الأمريكية: الميل إلى المقامرة بناءً على التمني، وخطط سطحية وغير مكتملة، وتجاهل الخبراء أو إجبارهم على التوافق مع رغبات القيادة السياسية.

إذن، ما جدوى بقاء نتنياهو في السلطة؟ لقد أشعل الحرب التي طال انتظارها، وشهد فشلها. ولن تُمنح له فرصة ثانية بدعم أمريكي. هذه هي المرة الرابعة على التوالي: في غزة، ومرة في لبنان، ومرتين في إيران، التي انكشفت فيها زيف وعوده ومزاعمه بتحقيق النصر الكامل والقضاء على التهديدات الوجودية.

هل ستدفع الحرب دول الخليج للارتماء في أحضان إسرائيل؟

يتناول رون تيرا ويؤيل غوزانسكي، من معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، هذا السؤال المهم في دراسة بعنوان "الحرب مع إيران من منظور دول الخليج"، نُشرت في 16 أبريل/نيسان 2026. ويشيران إلى أن ضمان الولايات المتحدة لأمن دول الخليج كان حجر الزاوية في النظام الإقليمي منذ النصف الثاني من القرن العشرين. ومع ذلك، في ظل تزايد الشكوك حول مدى التزامها بأمن الخليج، ومحاولات قوى أخرى كالصين لتعزيز نفوذها في المنطقة، وتنامي النفوذ الإقليمي الإيراني، تبنت بعض دول الخليج نهجًا تنويعيًا، فعززت علاقاتها الأمنية مع الصين وباكستان، وخففت من حدة علاقاتها مع إيران. وفي الصراع الحالي، تجنبت دول الخليج، باستثناء الإمارات العربية المتحدة، الانحياز بشكل قاطع إلى الولايات المتحدة وأهدافها المعلنة في الحرب. وسعى بعضها إلى تجنب قطع العلاقات مع طهران، إدراكًا منها أن الوضع قد يصبح أكثر خطورة بعد انتهاء الحرب. لذلك، من المرجح أن تتبع دول الخليج سياسة تجمع بين الحشد العسكري، والاعتماد المستمر على الولايات المتحدة، والشراكات المتنوعة مع الصين وباكستان وتركيا، وخفض مستوى المواجهة مع إيران، التي أثبتت قدرتها على إلحاق الضرر والتي لا يوجد معها بديل أكثر أماناً للتعامل.

الإسلام وتركيا هما العدو التالي المستهدف لإسرائيل

تحدثت الصحافة الإسرائيلية عن العدو التالي الذي ستستهدفه إسرائيل بعد إيران. ونعرض هنا أهم ما قيل في ذلك:

أولا ـ المعركة على روح الإسلام

في السادس عشر من مارس/آذار 2026، نشرت جيروزاليم بوست مقالاً بعنوان "الحرب التالية بعد إيران: معركة من أجل روح الإسلام" للمؤرخ موشيه دان، جاء فيه: بعد الهزيمة العسكرية والسياسية للنظام الإيراني ووكلائه، بدأت الحرب التالية بالفعل. لن تُخاض هذه الحرب بالسيوف وحدها، بل بالكلمات والخطاب أيضاً. إنها حرب ضد أيديولوجية متطرفة تتستر وراء قناع الإسلام. تكمن المشكلة الأساسية في تعريف الإسلام كدين ومنهج حياة، وما يمثله، ومن يحدده. لذا، فإن المعركة ليست بين المسلمين وغير المسلمين فحسب، بل هي أيضاً معركة من أجل "روح الإسلام".

 والحرب القادمة هي حرب على القلوب والعقول ضد أتباع الجهادية والشمولية الدينية. ومع أن تغيير طريقة تفكير الناس أمر صعب، إلا أنه ليس مستحيلاً، ويمكن تحقيقه في أعقاب الهزيمة ومن منظور أكثر واقعية، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية. لذا، يجب دعم وحماية القادة والمعلمين والعلماء المسلمين الذين يعارضون تعاليم الجماعات الإسلامية، كجماعة الإخوان المسلمين وحماس وآيات الله الإيرانيين. ولا بد من إيجاد بديل للإسلام السياسي.

ثانيا ـ تركيا إيران الجديدة

نشرت صحيفة جيروزاليم بوست في السادس من أبريل نيسان 2026 مقالاً بعنوان "هل تركيا هي إيران الجديدة؟" بقلم سنان سيدي، الأستاذ المشارك في جامعة مشاة البحرية الأمريكية، جاء فيه: يتساءل المراقبون عما إذا كانت تركيا تنتظر الفرصة لتحل محل إيران في المنطقة. والإجابة على الأرجح هي نعم. فقد خدمت حماس مصالح أنقرة في تقويض الأمن الإسرائيلي، وهو أمر تسعى تركيا للحفاظ عليه بعد انتهاء الحرب الحالية. وتتواجد حماس في تركيا بدعوة من الحكومة التركية منذ عام 2011.

"الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران هي حربٌ خُطط لها منذ ثلاثة عقود على الأقل. وتأتي في سياق خطة إسرائيلية، مدعومة من الولايات المتحدة، لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، ليس فقط على المستوى الجيوسياسي، وإنما إعادة هيكلة شاملة على جميع المستويات الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية."
وتواصلت أنقرة علنًا مع مسؤوليها، وسهّلت تدفق الأموال والمعدات إلى حماس عبر بنيتها التحتية المالية، مما شجعها على تنفيذ هجوم 7 أكتوبر. كما أن وجود تركيا في الغرب يجعلها خصمًا فريدًا. وبينما قد يُحقق تحديد قوة إقليمية مهيمنة جديدة مكاسب انتخابية للقادة الإسرائيليين الذين يزدهرون بوجود عدو؛ إلا أنه ينبغي أخذ التحذيرات بشأن تركيا على محمل الجد. صحيح أنها لا تمتلك فيلق القدس أو برنامجًا نوويًا؛ لكنها تحافظ على وجود عسكري متنامٍ في القرن الأفريقي وسوريا وقطر. وتسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها، وربما فرض حدود بحرية سيادية جديدة في شرق المتوسط، متجاوزةً بذلك الحدود الحالية لقبرص واليونان. لذا، لا يكمن الخطر في المبالغة في طموحات أنقرة، بل في الاستمرار في تبريرها.

خطورة أحلام نتنياهو ومخططاته

في مقالٍ بعنوان "رؤية نتنياهو لإسرائيل الكبرى"، نُشر على موقع "شعوب العالم" في التاسع عشر من أغسطس آب 2025، كتب الصحفي اليهودي ج. إ. روزنبرغ: "إن رؤية نتنياهو لـ"إسرائيل الكبرى" ليست رؤية سلمية، بل هي رؤية حربٍ دائمة، وغزوٍ، واستيطان. إنها أيديولوجية تنكر وجود الشعب الفلسطيني، وتهدد جيران إسرائيل، وتقضي على أي أملٍ في السلام. وهذا ما يجب أن يُثير قلق الناس في كل مكان. وإن رؤية نتنياهو ليست مجرد إعلان نوايا إسرائيلي، بل هي تجسيدٌ للسياسة الخارجية الأمريكية. وما لم يُسحب هذا الدعم، ستستمر إسرائيل الكبرى في التوسع على حساب بقاء الفلسطينيين وآفاق السلام في المنطقة بأسرها."

الخلاصة

الشرق الأوسط في فترة تاريخية تهدد حاضره ومستقبله ومصير دوله وشعوبه وهويته الدينية والحضارية والقومية. وهي فترة تتطلب من الأمة حكاما ومحكومين، قادة ومفكرين، أصحاب الرأي والسياسيين أن يجتمعوا أن يطرحوا خلافاتهم جانبا، ويوجهوا قواهم وإمكانياتهم المادية والمعنوية والفكرية لمواجهة سايكس بيكو الجديدة. وليتذكر الذين يقعون في براثن التآمر والوعود الصهيونية والأمريكية ما فعلته إسرائيل بتخليها عن جيش انطوان لحد عند انسحابها المذل من جنوب لبنان عام 2000، وما فعلته الولايات المتحدة بتخليها عن عملائها في أفغانستان عند انسحابها هناك، وليتذكروا أن ذاكرة الشعوب حية والحقوق أبدا لا تموت.
التعليقات (0)