تسريبات إبستين.. حين تسقط أقنعة القوة

مبارك المطوع
الحقيقة التي لا ينبغي أن تُطوى هي أن حماية الضعفاء ليست شعارًا، بل عهد. ومن يخن هذا العهد، يسقط ولو بقي في موقع القيادة.. (إكس)
الحقيقة التي لا ينبغي أن تُطوى هي أن حماية الضعفاء ليست شعارًا، بل عهد. ومن يخن هذا العهد، يسقط ولو بقي في موقع القيادة.. (إكس)
شارك الخبر
ليست الفضيحة في اسم جيفري إبستين وحده، فقد مات الرجل وبقيت الأسئلة. الفضيحة الحقيقية تكمن في تلك الظلال الثقيلة التي كشفتها – أو أعادت إحياءها – تسريبات وزارة العدل الأمريكية، والتي لامست دوائر نفوذ يُقال إنها تتشابك مع مؤسسات سياسية ومالية وإعلامية كبرى تتحكم في مفاصل العالم اليوم. نحن أمام اختبار أخلاقي يتجاوز حدود قضية جنائية إلى سؤال حضاري عميق: ماذا يحدث حين تتعرّى السلطة من أي قيد قيمي؟

المؤلم في هذه القضية ليس فقط حجم الاتهامات، بل الصمت الطويل الذي أحاط بها. كيف يمكن لشبكات نفوذ بهذا الاتساع أن تتحرك لسنوات من دون مساءلة حقيقية؟ وكيف تتقاطع السياسة بالمال بالإعلام بحيث تصبح الحقيقة قابلة للتأجيل، أو للتخفيف، أو حتى للإخفاء؟ إن أي مجتمع يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان لا يملك ترف الانتقائية حين تتعلق الجرائم بالضعفاء.
إن صحّت مضامين ما يُتداول من وثائق وشهادات، فنحن لا نتحدث عن انحرافات فردية معزولة، بل عن نمط سلوك يكشف هشاشة البنية الأخلاقية لدى بعض من يُفترض أنهم يقودون العالم. زعماء وشخصيات نافذة تُقدَّم للرأي العام بوصفها رموزًا للديمقراطية والتحضر، بينما تُنسب إليهم – في حال ثبوت ذلك قضائيًا – سلوكيات تنتمي إلى عالم غرائزي متوحش، لا يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم بحق فتيات قاصرات، بلا شفقة ولا رحمة ولا أدنى إحساس بكرامة الإنسان.

المؤلم في هذه القضية ليس فقط حجم الاتهامات، بل الصمت الطويل الذي أحاط بها. كيف يمكن لشبكات نفوذ بهذا الاتساع أن تتحرك لسنوات من دون مساءلة حقيقية؟ وكيف تتقاطع السياسة بالمال بالإعلام بحيث تصبح الحقيقة قابلة للتأجيل، أو للتخفيف، أو حتى للإخفاء؟ إن أي مجتمع يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان لا يملك ترف الانتقائية حين تتعلق الجرائم بالضعفاء.

حين اخترت مهنة المحاماة، ومعاركة النصوص والقوانين الدولية الحامية للحقوق والحريات الأساسية، لم أكن مفتونًا بأضواء الغرب الزائفة، ولا بشعارات تُرفع في المحافل الدولية ثم تُنتهك في الغرف المغلقة. كنت ـ وما زلت ـ مقتنعًا بمبدأ ثابت لا يتبدل: الكرامة التي خلق الله ابن آدم عليها وفضّله بها على كثير من خلقه. هذه الكرامة ليست منحة من دولة، ولا هبة من نظام سياسي، بل أصل سابق على كل الدساتير.

القوانين الدولية التي دافعت عنها في قاعات المحاكم، والمواثيق التي نحتكم إليها في النزاعات العابرة للحدود، لم تُصَغ لتكون واجهة تجميل حضارية. وُضعت لتكون سورًا يحمي الضعفاء من تغوّل الأقوياء. فإذا تحولت إلى نصوص انتقائية تُطبق على دول وتُعطّل عند أخرى، أو على خصوم وتُستثنى منها النخب المتنفذة، فإننا نكون أمام أزمة ثقة عالمية عميقة.

قضية إبستين ـ بكل ما أحاط بها من غموض وتسريبات ـ تضع المؤسسات الغربية أمام مرآة صعبة. فإما أن تثبت قدرتها على المحاسبة الشفافة، مهما علت الأسماء وتضخمت المصالح، وإما أن تعترف ضمنيًا بأن منظومة القيم التي تُصدّرها للعالم ليست سوى خطاب سياسي يُستخدم عند الحاجة. العدالة لا تتجزأ، وحقوق القاصرات ليست ملفًا ثانويًا في أجندة العلاقات العامة.

لا أحد يطلب إدانة بلا محاكمة، ولا تشهيرًا بلا بينة. الأصل في القانون هو البراءة، والاتهام لا يرقى إلى حكم. لكن الأصل أيضًا أن تُفتح الملفات كاملة، وأن يُكشف كل ما يتعلق بشبكات الاستغلال إن وُجدت، وأن يُحاسب كل من يثبت تورطه، أيا كان موقعه. إن كرامة الضحايا ـ إن ثبت وجودهن ـ أسمى من اعتبارات السمعة السياسية أو الحسابات الدبلوماسية.

قضية إبستين ـ بكل ما أحاط بها من غموض وتسريبات ـ تضع المؤسسات الغربية أمام مرآة صعبة. فإما أن تثبت قدرتها على المحاسبة الشفافة، مهما علت الأسماء وتضخمت المصالح، وإما أن تعترف ضمنيًا بأن منظومة القيم التي تُصدّرها للعالم ليست سوى خطاب سياسي يُستخدم عند الحاجة. العدالة لا تتجزأ، وحقوق القاصرات ليست ملفًا ثانويًا في أجندة العلاقات العامة.
المفارقة المؤلمة أن العالم الذي يرفع راية “النظام الدولي القائم على القواعد” قد يجد نفسه اليوم مطالبًا بإثبات أنه خاضع لتلك القواعد ذاتها. فالقوة من دون أخلاق تتحول إلى افتراس، والنفوذ من دون ضابط قيمي يصبح أداة إذلال.

لقد تعلمت في ساحات القانون أن النصوص وحدها لا تكفي؛ الذي يمنحها روحها هو الضمير. فإذا سقط الضمير، لم يبق من القانون إلا حبر على ورق. وتبقى الكرامة الإنسانية ـ تلك التي وهبها الله لبني آدم ـ هي الميزان الذي تُقاس به حضارة الأمم، لا بريق مؤتمراتها ولا نفوذ مؤسساتها.

ربما تكشف الأيام ما هو أكثر مما نعرف اليوم، وربما تُطوى بعض الصفحات في صمت. لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تُطوى هي أن حماية الضعفاء ليست شعارًا، بل عهد. ومن يخن هذا العهد، يسقط ولو بقي في موقع القيادة.

*محامي من الكويت
التعليقات (0)