تتصاعد التحذيرات من تداعيات أي تغيير في ترتيبات الوصاية على المسجد
الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في
القدس، في ظل اعتبار هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ويستند الدور الأردني في رعاية المقدسات إلى إرث تاريخي وديني طويل، فضلاً عن اعترافات واتفاقيات سياسية وقانونية كرّست مكانة المملكة في إدارة هذه المواقع والإشراف عليها.
وتؤكد الأوساط الداعمة للإبقاء على الوضع القائم أن
الوصاية الهاشمية تمثل عامل استقرار يحظى بقبول فلسطيني وعربي وإسلامي واسع، فيما يُنظر إلى أي مساس بها على أنه خطوة قد تفتح الباب أمام توترات سياسية ودينية أوسع، وتؤثر على مستقبل القدس ومكانة مقدساتها في ظل الأوضاع الإقليمية المتقلبة.
وفيما يلي النص الكامل لمقال مصطفى أبو صوي، العضو في الصندوق الهاشمي لترميم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ومجلس الأوقاف الإسلامية في القدس، الذي نشره موقع "
ميدل إيست أي":
على الرغم من أن واشنطن لم تزل تعترف منذ زمن طويل بالأردن وصياً على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس، بما في ذلك المسجد الأقصى، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان بجد من أجل تقويض هذا الترتيب، وذلك طبقاً لما نشره موقع ميدل إيست آي.
ولعل ما يحفز القادة الأمريكيين والإسرائيليين على البحث عن "إنجازات" أخرى هو فشل الحرب على إيران في تحقيق غاياتها، واقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في الخريف والانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقرر إجراؤها في شهر أكتوبر / تشرين الأول القادم.
اظهار أخبار متعلقة
وقد لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً بخدعة أخرى، مهدداً بعدم توقيع اتفاق مع إيران إذا لم تنضم المملكة العربية السعودية ودول أخرى إلى اتفاقيات أبراهام.
ولكن يدرك ترامب أن هذا الأمر غير وارد؛ فهو يتجاهل القضية الأساسية التي تناولتها مبادرة السلام العربية التي قادتها السعودية عام 2002، والتي ربطت التطبيع مع إسرائيل بمسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية. وقد أكدت السعودية هذا الموقف مراراً وتكراراً.
في هذه الأثناء يقوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم ما يصدر عنه من حين لآخر من تصريحات تفيد الإقرار بالأمر القائم تاريخياً، بالسماح لوزير الأمن الوطني اليميني المتطرف في حكومته، إيتمار بن غفير، بتقويضه من خلال الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى.
لا جديد في اللجوء إلى اقتحام المسجد للتأثير على الانتخابات. ففي عام 2000 قام زعيم الليكود السابق آرييل شارون، بمساندة وحماية عدد ضخم من الجنود الإسرائيليين، بزيارة مستفزة للمسجد، وهي التي مكنته في الانتخابات اللاحقة من الفوز وتقلد منصب رئيس الوزراء، وكان ثمن ذلك اندلاع الانتفاضة الثانية.
إلا أن الوضع يبدو مختلفاً هذه المرة. فالمساس بالوضع الراهن الهاشمي في المواقع المقدسة بالقدس يوشك أن يضع المنطقة والعالم على مسار تصادمي بدلاً من إطلاق حقبة من السلام والتعايش.
الإرث الهاشمي
أورد موقع ميدل إيست أي تقريراً مفاده أن الخطة التي تقوض الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى يتصدرها الصهاينة المسيحيون في الولايات المتحدة، بما في ذلك السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هكابي، رغم أن مسؤولاً أمريكياً نفى في وقت لاحق صحة التقرير.
وكان هكابي قد صرح من قبل بأنه لا توجد لديه مشكلة في أن توسع إسرائيل أراضيها من النيل إلى الفرات – عبر العديد من البلدان العربية التي يقطنها الملايين – في تحد سافر للقانون الدولي. تتجاهل رؤية نتنياهو "لإسبرطة الخارقة" حقيقة أن أثينا عاشت أطول من إسبرطة.
ما يظنه الصهاينة المسيحيون خطأ بأنه جيد لهم، فهو ليس بالضرورة جيداً بالنسبة لليهود أو بالنسبة لإسرائيل – باستثناء السياسيين الذين جل همهم خدمة مصالحهم الذاتية فيعمدون إلى دس رؤوسهم في الرمال.
عند الحديث عن الوصاية على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس، فإن من المهم تذكر إرث الأسرة الملكية الهاشمية.
تعود جذور الهاشميين، سليلو أسرة النبي محمد، إلى شبه جزيرة العرب ما قبل الإسلام. ولقد سطر اسم بني هاشم في سجلات التاريخ باعتبارهم الوصاة على الحجيج إلى مكة. قدر لهذه العائلة الكريمة والنبيلة رعاية المواقع المقدسة في مكة والمدينة المنورة لألف عام.
ورد ذكر اسم المسجد الأقصى في القرآن الكرام باعتباره المحطة التي أسري إليها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وباعتباره المكان الذي بارك الله من حوله، معية المسجد الحرام في مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
اتفاق بين الأديان
في عام 637، تم إبرام العهدة العمرية، وهي اتفاقية بين الأديان وقعها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب والبطريرك صوفرونيوس، لحماية الأماكن المسيحية المقدسة في القدس ولضمان حرية العبادة.
اظهار أخبار متعلقة
بينما كان يقوم بجولة داخل كنيسة القيامة، دعا صوفرونيوس عمر للصلاة داخل الكنيسة، ولكن عمر رفض الدعوة بأدب، معللاً ذلك بخشيته من أنه إذا صلى هناك فقد يأتي من أجيال المسلمين في المستقبل من يحول الكنيسة إلى مسجد. كان عمر مدركاً للتداعيات السياسية لسلوكه، فاحترم حدود الضيافة، وخاصة فيما يتعلق بالأماكن الدينية.
قبل وصول الإسلام في القرن السابع الهجري، كان يُحظر على اليهود دخول القدس. حسبما ورد في مخطوطات جنيزه اليهودية في القاهرة، كان عمر بن الخطاب هو الذي سمح لليهود بالعودة إلى المدينة المقدسة. وكان ذلك منسجماً مع الرؤية الإسلامية، والتي شهدها عمر بشكل مباشر في المدينة، عندما استقبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفداً من نصارى نجران في مسجده.
كانت العهدة العمرية متجذرة في العقيدة الإسلامية التي تنتهج التعامل بالحسنى مع أهل الكتاب. فالقرآن الكريم يدعو صراحة إلي حماية جميع دور العبادة:
"وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا".
وبالانتقال سريعاً إلى أوائل القرن العشرين، حمل الهاشميون راية الوصاية، وحافظوا على الحقوق الدينية للمسلمين والمسيحيين في القدس، وعلى سلامة مواقعهم المقدسة، وضمنوها - بدءاً من بيعة دينية بالولاء للملك حسين بن علي في عام 1917، وبيعة سياسية في عام 1924.
دُفن الشريف حسين داخل الرواق الغربي للمسجد الأقصى عام 1931 بناءً على طلبه. ولم يضعف حب الهاشميين للمسجد الأقصى قط.
عندما أعلن الملك حسين بن طلال فك ارتبطا الأردن مع الضفة الغربية المحتلة عام 1988، استثنى تحديداً المواقع المقدسة في القدس الشرقية وأملاك الأوقاف، محافظاً بذلك على الوصاية الهاشمية عليها. وقد تم التنسيق لهذا الاستثناء مع ياسر عرفات، الذي كان آنذاك رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية.
دعم ثابت
تم الاعتراف لاحقاً بالدور الخاص للأردن في معاهدة السلام التي أبرمت عام 1994 بين الأردن وإسرائيل.
بعد الاعتراف بفلسطين دولة مراقبة غير عضو من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012، رسخ عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني الوصاية على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة من خلال التوقيع على اتفاق تاريخي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في شهر مارس / آذار من عام 2013.
إضافة إلى تأكيد وصاية الأردن على الأماكن المقدسة في القدس، أشارت الاتفاقية إلى أن الملك لديه الحق في بذل الجهود القانونية لحمايتها، وخاصة المسجد الأقصى، بما في ذلك ساحاته المفتوحة، وهي الخاصية المعمارية التي تتميز بها المساجد في كل أنحاء العالم الإسلامي. لم تحدد نهاية صلاحية لهذه الاتفاقية.
بذل الهاشميون جهوداً متواصلة للدفاع عن الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس، ولا أدل على ذلك من أن مشاريع الترميم التي تجري في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة يتم تمويلها بشكل مباشر من قبل عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني.
تُعدّ دائرة الأوقاف الإسلامية، التابعة رسمياً لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والأماكن المقدسة الأردنية، أكبر جهة توظيف في القدس الشرقية المحتلة، وتساهم بشكل كبير في القطاع الاقتصادي الفلسطيني. كما تشرف الأوقاف على عشرات المساجد والمنشآت الأخرى في القدس.
اظهار أخبار متعلقة
تحظى الوصاية الهاشمية بدعم لا يفتر من قبل الأردنيين، الذين يعتبرونها خطاً أحمر، وتشكل ركناً من أركان الهوية الوطنية.
ويحظى هذا الترتيب داخل فلسطين بتعاطف الفلسطينيين الذين يرفضون فكرة انضمام دول عربية أخرى إلى إدارة الأماكن المقدسة حينما تم اقتراحها قبل بضع سنين. وقد أعلن عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني بشكل لا لبس فيه، وفي أكثر من مناسبة، بأن المسجد الأقصى غير قابل لا للشراكة ولا للتقسيم.
لطالما أكد الأردن على قيم التسامح والاعتدال والاستقرار، ولطالما رحب الديوان الملكي الهاشمي بزعماء الكنائس المسيحية والعلماء المسلمين ومسؤولي الأوقاف كل عام في مواسم أعياد الميلاد وفي شهر رمضان. وفي شهر ديسمبر / كانون الأول الماضي وصف البطريرك الأنجليكاني حسام ناعوم الوصاية الهاشمية بأنها "صمام أمان".
سوف يبقى العالم العربي والعالم الإسلامي موحدين في دعمهما للأردن. يذكر أن منظمة التعاون الإسلامي تأسست بعد الهجوم الذي شنه على المسجد الأقصى لإحراقه مسيحي استرالي متطرف في عام 1969. واليوم، قد يغير حريق سياسي عدائي تاريخ المنطقة إلى الأبد.