شهدت الساحة السياسية الأمريكية تحولا لافتا في طبيعة الموقف من التحالف مع دولة
الاحتلال الإسرائيلي، إذ انتقل من كونه قضية تحظى بإجماع الحزبين إلى ملف يثير انقساما متزايدا داخل الأوساط الحزبية في
الولايات المتحدة، إلى جانب تنامي ضغوط الانتخابات وتغير اتجاهات الرأي العام، خصوصا بين الشباب، ما دفع مرشحين في الحزبين إلى إعادة طرح مواقفهم من الدعم العسكري والسياسي للاحتلال.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" إن التحالف الأمريكي مع دولة الاحتلال في الحملات الانتخابية وغيرها، تحول من موضع إجماع بين الحزبين إلى موضوع جدل حاد بين
الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.
وأشارت الصحيفة في تقريرها إلى أن المرشحة الديمقراطية للكونغرس دوروثي ماكوليف طرحت في استطلاع أجرته في نيسان/ أبريل سؤالا غير مألوف في الانتخابات التمهيدية قبل عامين فقط، تمثل في ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة وقف مبيعات الأسلحة لدولة الاحتلال.
ووفق الصحيفة، أظهر الاستطلاع الذي أجرته ماكوليف، السيدة الأولى السابقة لولاية فرجينيا، كيف تحوّل التحالف الأمريكي الإسرائيلي بسرعة من نقطة إجماع بين الحزبين إلى قضية انقسامية تفرّق الحزبين كليهما.
وأشارت إلى أن استطلاع أجرته شبكة "سي إن إن" في أواخر آذار/ مارس أظهر أن ما يقرب من نصف الجمهوريين (47 بالمئة) وثلاثة أرباع
الديمقراطيين (72 بالمئة) يرون أن دعم الاحتلال أصبح قضية تسبب مشاكل داخل أحزابهم، في حين يخوض بعض الديمقراطيين والجمهوريين حملاتهم على أساس إنهاء المساعدات الخارجية للاحتلال.
ولفتت الصحيفة إلى أن الديمقراطيين، الذين كانوا غاضبين بالفعل من حرب دولة الاحتلال في غزة، بدأوا باستخدام دور الاحتلال في حرب إيران لمهاجمة الرئيس دونالد
ترامب والجمهوريين، حيث صوّت أربعون عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ الشهر الماضي لصالح قرار قدمه السيناتور بيرني ساندرز من ولاية فيرمونت لمنع مبيعات الأسلحة للاحتلال، مقارنة بـ27 عضوا دعموا إجراء مشابها في تموز/ يوليو.
اظهار أخبار متعلقة
وأضافت أن الجماعات الخارجية الداعمة للاحتلال أصبحت عبئا سياسيا على المرشحين الذين تدعمهم في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ في أنحاء البلاد، خصوصا في ولاية ميشيغان، التي تعد حاسمة لآمال الديمقراطيين في استعادة الأغلبية في مجلس الشيوخ.
ونقلت الصحيفة عن آدم حماوي، وهو جراح عسكري تطوع في غزة ويخوض سباقا داخل الحزب الديمقراطي لخلافة النائبة بوني واتسون كولمان من نيوجيرسي، بدعم قدره مليونا دولار من لجنة "الأولويات الأمريكية"، قوله: "هذا ما يريده الأمريكيون، ولسوء الحظ فإن قيادات الحزبين لم تكن تستمع".
وأضاف حماوي، وفق الصحيفة: "إذا أرادوا الفوز أو إعادة انتخابهم في الدورة المقبلة، فسترون مزيدا ومزيدا من الأشخاص ينتقدون إسرائيل مقارنة بالماضي".
وفي المقابل، أشارت إلى أن ترامب يواجه على اليمين رد فعل غاضبا من مؤيدين يرون أن حرب إيران تتعارض مع تعهده "أمريكا أولا"، في وقت يعمل فيه الرئيس وحلفاؤه على تهميش الأصوات المناهضة للاحتلال، بما في ذلك تاكر كارلسون، وجو كينت، ومارجوري تايلور غرين، وتوماس ماسي.
ونقلت الصحيفة عن كينت، الذي استقال من منصب مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في آذار/ مارس، قوله: "من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغط إسرائيل ولوبيها الأمريكي القوي".
كما أفادت الصحيفة بأن بعض المنافسين الجمهوريين ذوي الحظوظ الضعيفة يخوضون الانتخابات التمهيدية على أساس عداء صريح للاحتلال، حيث نقلت عن جيمس فيشباك، المرشح لمنصب حاكم فلوريدا، قوله: "يمكنك انتقاد روسيا ولا يرف لأحد جفن... لا ينبغي أن نخوض حروب أي أحد".
وأوضحت الصحيفة أن النظرة السلبية تجاه الاحتلال أصبحت أكثر شيوعا بين الديمقراطيين، لكنها ترتفع داخل الحزبين، خصوصا بين الشباب، حيث أظهر استطلاع "واشنطن بوست – إيه بي سي نيوز – إبسوس" في أواخر نيسان/ أبريل أن 47 بالمئة من الأمريكيين يرون أن الولايات المتحدة داعمة للاحتلال أكثر مما ينبغي، مقارنة بـ18 بالمئة فقط في استطلاع لمركز بيو عام 2015.
وأضافت الصحيفة أن هذه النسبة ارتفعت بين الديمقراطيين من 26 بالمئة إلى 66 بالمئة، وبين المستقلين من 20 بالمئة إلى 51 بالمئة، وبين الجمهوريين من 7 بالمئة إلى 22 بالمئة.
وأشارت الصحيفة إلى وجود انقسام جيلي واضح، إذ أظهر استطلاع لمركز بيو في آذار/ مارس أن 24 بالمئة فقط من الجمهوريين فوق الخمسين لديهم نظرة سلبية تجاه الاحتلال، مقابل 57 بالمئة بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاما، فيما بلغت النسبة بين الديمقراطيين 84 بالمئة دون الخمسين و76 بالمئة فوق الخمسين.
كما نقلت عن استطلاع لمعهد مانهاتن أن المواقف المعادية للاحتلال و"المعادية للسامية" أكثر شيوعا بين الناخبين الشباب والمنضمين الجدد إلى تحالف ترامب مقارنة بالقاعدة التقليدية للحزب.
اظهار أخبار متعلقة
ونقلت الصحيفة عن مات دوس، المستشار السابق لساندرز، قوله: "القاعدة القوية المتبقية المؤيدة لإسرائيل هي الجمهوريون فوق الخمسين. وهذا ليس تحالفا سياسيا مستداما".
وأضاف دوس، أن الديمقراطيين "يتخذون مواقف جيدة وشجاعة أصبحت أكثر أمانا سياسيا".
وفي هذا الإطار، قالت الصحيفة إن الديمقراطيين المؤيدين لدولة الاحتلال يجادلون بأن قضايا الشرق الأوسط ليست أولوية لمعظم الناخبين، بينما يرى التقدميون أن القضية تتجاوز ذلك وتساعد المرشحين على تقديم أنفسهم كمعارضين للمؤسسة.
ونقلت عن عبد السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان، قوله: "إذا لم تستطع أن تسمي الإبادة الجماعية إبادة جماعية... فمن الصعب أن يصدق الناس أنك ستقف في وجه أي شخص"، مضيفا: "هذا يوضح للناس من تكون".
وأشارت إلى أن عبد السيد كان متعادلا مع النائبة هايلي ستيفنز في استطلاع نيسان/ أبريل، حيث حصلت على 25 بالمئة مقابل 23 بالمئة له، فيما حصلت مالوري ماكمورو على 16 بالمئة، وبقي 36 بالمئة دون قرار.
وهاجم عبد السيد ستيفنز بسبب دعم "أيباك"، فيما تعرضت الأخيرة لصيحات استهجان في مؤتمر بديترويت.
وبخصوص حرب غزة، لا تعتبر ستيفنز الحرب بأنها إبادة جماعية، بينما غيرت ماكمورو موقفها في تشرين الأول/ أكتوبر ووصفت الحرب بأنها إبادة.
ونقلت الصحيفة عن ماكمورو قولها: "لدينا تقارير تظهر أن بنيامين نتنياهو أقنع ترامب بالدخول في حرب مع إيران... نحن ندفع ثمن حرب لم يكن هناك أي سبب لجرنا إليها".
ولفتت إلى أن هذا التحول ظهر في سباقات ديمقراطية أخرى في أنحاء البلاد، من سان فرانسيسكو، حيث وصف جميع المرشحين الثلاثة الأوفر حظًا لخلافة رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي حرب الاحتلال في غزة بأنها إبادة جماعية، إلى فيلادلفيا، حيث جمع عضو مجلس نواب الولاية كريس راب دعم التقدميين جزئيًا بسبب اتخاذه أشد المواقف ضد السياسة الإسرائيلية.
وقال راب في بيان: "خسر الديمقراطيون في 2024 لأننا لم نستمع إلى قاعدتنا. الناخبون متعطشون لقادة جريئين ينددون بالظلم ويقاتلون لوقف هذه الحروب غير القانونية".
واستهدفت جماعات سياسية كبرى داعمة للاحتلال، مثل "الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل" ولجنة العمل السياسية الكبرى التابعة لأيباك والمعروفة باسم "مشروع الديمقراطية المتحدة"، في عدة سباقات، مرشحين تعارضهم باستخدام قضايا غير متعلقة بالشرق الأوسط.
ففي الانتخابات التمهيدية الديمقراطية الخاصة التي جرت في شباط/ فبراير لشغل المقعد النيابي في نيوجيرسي الذي شغر عندما أصبحت ميكي شيريل حاكمة، أنفقت اللجنة أكثر من 2.3 مليون دولار لمهاجمة النائب السابق توم مالينوفسكي، الذي رفض دعم المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل. ولم تذكر الإعلانات دولة الاحتلال.
وقال مالينوفسكي في مقابلة: "هذا يدل على أنهم يعرفون أن مواقفهم غير شعبية".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف: "هناك أشخاص داخل الحزب عملوا في إدارات سابقة وشعروا أنهم لم يكونوا قادرين على قول أي شيء من قبل، وبعض تلك المشاعر بدأت تظهر الآن في وقت قادت فيه هذه الحكومة في إسرائيل كلا من إسرائيل والولايات المتحدة إلى مسار غير جيد لنا".
وخسر مالينوفسكي الانتخابات التمهيدية أمام أناليليا ميخيا، التي كانت أكثر انتقادا للاحتلال، وفازت لاحقًا بالمقعد.
وقال باتريك دورتون، المتحدث باسم لجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة”، إن اللجنة تركز على قضية واحدة لكنها تستخدم تكتيكات متنوعة تشمل إعلانات عن أولويات معظم الناخبين مثل الاقتصاد.
وأضاف: "من الواضح أن غزة وإيران جعلتا البيئة صعبة جدًا على الناشطين المؤيدين لإسرائيل"،
وتابع: "لن نسمح بإسكات الأصوات المؤيدة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي أو الجمهوري".
وفق الصحيفة، يواجه المرشحون الجمهوريون في الانتخابات التمهيدية الذين يركزون على معارضة الاحتلال فرصًا أضعف، ويتهم كل حزب منتقدي الاحتلال في الحزب الآخر بالانزلاق نحو معاداة السامية.
ونفى ترامب أن تكون دولة الاحتلال قد أثرت على قراره مهاجمة إيران، ورد بغضب على أصوات يمينية بارزة أخرى اختلفت معه بشأن الحرب، واصفًا إياهم بـ“الخاسرين”.
ومع ذلك، حتى ليندسي غراهام، الذي كان طويلًا من أبرز داعمي الاحتلال في مجلس الشيوخ، أبدى وفق الصحيفة انفتاحا على إعادة النظر في التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
ففي كانون الثاني/ يناير اقترح إنهاء المساعدات الأمريكية للاحتلال بوتيرة أسرع من الجدول الزمني البالغ عشر سنوات الذي اقترحه نتنياهو، وعندما ترشح راماسوامي للرئاسة في 2024، كان الجمهوري الوحيد الذي دعا إلى إنهاء المساعدات الأمريكية للاحتلال.
وقال الشهر الماضي خلال فعالية لمنظمة "نقطة التحول الأمريكية" في جامعة ولاية أوهايو:
"لقد تغيرت الآراء منذ أن كنت هنا قبل عامين. أعتقد أن كثيرين ممن ربما اختلفوا معي حينها يوافقونني الآن".
ووفق الصحيفة، بدأ هذا الموقف يشبه آراء كثير من الديمقراطيين.
وقال جيريمي بن عامي، مؤسس ورئيس منظمة جي ستريت، وهي بديل ليبرالي لأيباك:
"لقد بدأتم تسمعون بعض التشابه بشأن ما إذا كانت أموال دافعي الضرائب يجب أن تذهب إلى هناك بعد الآن".
وأضاف: "فلترقد بسلام المقاربة القديمة القائمة على فكرة: إسرائيل على حق أو مخطئة، والعلاقة الخاصة التي لا يمكن فيها طرح الأسئلة أو تطبيق القانون أو وقف الشيكات المفتوحة. كل ذلك انتهى".