تسعى الإدارة الأمريكية
إلى تقديم التصعيد مع
إيران باعتباره مرحلة انتهت بتحقيق أهدافه، غير أن تقارير وتحليلات
سياسية تشير إلى أن الواقع على الأرض لا يعكس هذه الرواية، في ظل استمرار التوترات
الإقليمية وتعقيد المشهد التفاوضي بين الجانبين.
وأشارت صحيفة
"نيويورك
تايمز" في مقال للصحفي أنطون ترويانوفسكي إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب
يحاول تصوير الحرب مع إيران على أنها انتهت بشكل كامل، وكأنها تمثل نجاحًا محسومًا
للإدارة الأمريكية.
وأضافت الصحيفة أن
ترامب، وبعد سنوات من محاولاته تقديم روايته الخاصة للأحداث، يواجه اليوم وضعًا سياسيًا
معقدًا لا يتوافق مع هذه الرواية.
وفي مقابلة مع قناة
"فوكس بيزنس" بُثت يوم الأربعاء، قال ترامب، في معرض حديثه عن القيادة الإيرانية
الجديدة، إن "النظام جديد" واصفًا إياه بأنه "أكثر عقلانية مقارنة بالماضي".
وأشار "نيويورك
تايمز" إلى أن هذا التصريح يأتي ضمن سلسلة من المحاولات لتصوير الحرب في إيران
على أنها أدت إلى "تغيير للنظام"، رغم أن محللين يرون أن النتائج قد تكون
مختلفة، وربما أسهمت في تعزيز نفوذ الحرس الثوري الإسلامي، الذي يعد أحد أبرز القوى
الفاعلة في السياسة والاقتصاد الإيرانيين.
وبحسب التقرير، فإن
المرشد الأعلى الجديد آية الله مجتبى خامنئي لم يظهر علنًا منذ توليه منصبه خلفًا لوالده
الذي قُتل مع بداية الحرب، إلا أن توليه المنصب الأعلى في الدولة يُنظر إليه باعتباره
مؤشرًا على استمرارية النظام أكثر من كونه تغييرًا جذريًا.
ونقلت الصحيفة عن بهنام
بن طالبلو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز
أبحاث في واشنطن يتبنى مواقف متشددة تجاه إيران، قوله إنه "من الممكن الحديث عن
تغيير في القيادة، لكن من الخطأ تصوير ذلك على أنه تحول نحو الأفضل من وجهة نظر مؤيدي
الحرب".
وفي السياق ذاته، أشار
التقرير إلى أن حركة التجارة عبر مضيق هرمز لا تزال بعيدة عن الاستقرار، في ظل استمرار
تعثر الحكومة الإيرانية في الاستجابة لمطالب ترامب المتعلقة ببرنامجها النووي.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب "نيويورك
تايمز"، فإن ترامب يواصل التأكيد على أن
الولايات المتحدة حققت نصرًا واضحًا في
إيران، مشيرًا خلال مقابلته مع “فوكس بيزنس” إلى أن البحرية الإيرانية والقوات الجوية
وأنظمة الدفاع الجوي تعرضت لتدمير كامل، إلى جانب مقتل عدد من كبار القادة.
وأضاف ترامب أنه في
حال لم تتخل إيران عن فكرة امتلاك السلاح النووي، فإن الولايات المتحدة “ستتعامل مع
الوضع لفترة قصيرة”، على حد تعبيره، مشيرًا إلى عدم وضوح المدة التي يمكن أن تصمد فيها
إيران.
وفي المقابل، يرى محللون
أن حملة القصف الأمريكية الإسرائيلية التي استمرت نحو أربعين يومًا، وانتهت بوقف إطلاق
النار الأسبوع الماضي، ربما أدت إلى نتائج عكسية، من خلال تعزيز قوة التيارات العسكرية
والمتشددة داخل إيران.
ورغم ما لحق بالبنية
العسكرية من خسائر وعمليات اغتيال استهدفت مسؤولين، تشير تحليلات إلى أن النظام الإيراني
بات أكثر جرأة، مستفيدًا من قدرته على التأثير في حركة التجارة العالمية، ورفع أسعار
الطاقة في الولايات المتحدة.
وبناءً على ذلك، يبدو
أن الرئيس الأمريكي الذي يعتمد على الضغوط والتهديدات في سياسته الخارجية يواجه صعوبة
في فرض شروطه على طهران، فيما يرى محللون أن نجاح أي خطوات أمريكية لاحقة، مثل حصار
الموانئ الإيرانية، سيتوقف على قدرة واشنطن وحلفائها على تحمل ردود الفعل الإيرانية
في منطقة الخليج.
وفي هذا السياق، أشارت
منى يعقوبيان، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية والخبيرة في شؤون الشرق
الأوسط، إلى وجود فجوة بين التعامل الأمريكي مع إيران ومقارباته مع حلفاء واشنطن، معتبرة
أن طبيعة الأزمة الإيرانية أكثر تعقيدًا من أن تُدار عبر أدوات الضغط التقليدية.
وقالت يعقوبيان، وهي
مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن
“هذا النوع من الأزمات لا يمكن حسمه بقرار واحد، وإن الأسلوب القائم على الشخصية القوية
لا يكفي للتعامل مع واقع معقد مثل إيران”.
وفي تطور متصل، حرصت
الإدارة الأمريكية على الترويج لاحتمال التوصل إلى اتفاق شامل مع طهران، حيث قال نائب
الرئيس جيه دي فانس إن ترامب يسعى إلى “صفقة كبرى” تعالج العلاقة مع إيران بشكل كامل،
بما في ذلك إدماجها اقتصاديًا إذا التزمت بشروط تعتبرها واشنطن مناسبة.
وأضاف فانس أن الإدارة
الأمريكية لا تسعى إلى “اتفاق جزئي”، مشيرًا إلى أن المفاوضات الأخيرة التي جرت في
باكستان لم تسفر عن اتفاق نهائي، رغم استمرار الحوار بين الجانبين.
وفي المقابل، تشير
تقديرات سياسية إلى أن إيران باتت أكثر إدراكًا لنقاط قوتها التفاوضية، خاصة في ظل
تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، والاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة،
بما في ذلك مخاوف تتعلق بالانتخابات المقبلة.
وترى هذه التقديرات
أن طهران قد تتجه إلى طرح شروط خاصة بها، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة مضيق هرمز، مع تمسكها
بمواقفها بشأن الملف النووي، وهو الملف الأكثر حساسية بالنسبة لواشنطن.
اظهار أخبار متعلقة
وفي هذا الإطار، قال
نيت سوانسون، المسؤول الأمريكي السابق الذي كان ضمن الفريق التفاوضي لإدارة ترامب حتى
يوليو، إن النظام الإيراني لن يقدم تنازلات بسهولة، مشيرًا إلى أنه “كما لم يخسر في
ساحة المعركة، فلن يستجيب بسهولة على طاولة المفاوضات”.
وأضاف سوانسون، الذي
يعمل حاليًا في المجلس الأطلسي، أن أي اتفاق محتمل سيكون محدودًا ومؤقتًا، ولن يصل
إلى مستوى تغيير جذري في العلاقات بين الطرفين.
وحذر المسؤول الأمريكي
السابق من المبالغة في تفسير مواقف بعض الشخصيات الإيرانية التي توصف بالاعتدال النسبي،
مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، موضحًا أن غياب مركز قرار موحد داخل النظام الإيراني
يدفع جميع الأطراف إلى الالتزام بالخط العام للدولة.
واختتم سوانسون بالقول
إن "أي خروج عن هذا الخط في الوقت الراهن ليس مطروحًا"، في إشارة إلى تماسك
الموقف الإيراني الداخلي.