مساعدات تتراجع.. الجوع يبتلع الصومال وسط انهيار الإغاثة

الصومال يعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من الخليج العربي - جيتي
الصومال يعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من الخليج العربي - جيتي
شارك الخبر
يتفاقم الوضع الإنساني في الصومال بشكل حاد في ظل تراجع المساعدات الدولية وارتفاع أسعار الغذاء والوقود والأسمدة نتيجة تداعيات الصراعات الجارية في الشرق الأوسط، ما أدى إلى اتساع رقعة الجوع وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة، مع تحذيرات أممية من دخول الأزمة مرحلة أكثر خطورة تهدد حياة ملايين السكان، خاصة الأطفال والنازحين.

نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا مصورًا موسعًا أعده الصحفي بيتر غودمان والمصور فينبار أورايلي، من داخل مخيمات النازحين والمدارس والمراكز الصحية ومستشفى متخصص في علاج الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في الصومال، حيث سلط التقرير الضوء على التحدي الخطير الذي يواجه منظومة الإغاثة الإنسانية، والتي باتت مثقلة بالتخفيضات المالية، في وقت تتصاعد فيه أسعار الغذاء والوقود والأسمدة بشكل حاد نتيجة تداعيات حرب الشرق الأوسط.

وأضافت الصحيفة، في مستهل تقريرها، أن الأوضاع الإنسانية في الصومال تتدهور بشكل متسارع، حيث أشار التقرير إلى أن عبد الله عبدي عبد الرحمن وزوجته وأطفاله السبعة اضطروا إلى السير لمدة تسعة أيام كاملة عبر أراضٍ قاحلة في جنوب البلاد، في رحلة شاقة كان أفراد الأسرة خلالها يتناوبون على حمل طفلتهم البالغة من العمر ثلاث سنوات على أكتافهم، هربًا من منطقة تحولت إلى أرض جافة بلا موارد.

وأوضحت نيويورك تايمز أن موجة جفاف جديدة أدت إلى نفوق الماشية والأغنام التي كانت تملكها الأسرة، ما حوّل مدخراتهم ومصدر رزقهم الوحيد إلى رماد، قبل أن يواصلوا رحلتهم لمسافة 140 ميلًا باتجاه مدينة دولو النائية المتربة الواقعة على الحدود الإثيوبية، وهي المنطقة التي جذبت أكثر من مئة ألف نازح آخرين، نظرًا لتجمع منظمات الإغاثة الدولية فيها لتقديم الغذاء والمياه والخدمات الصحية.

لكن التقرير أكد أن الوصول إلى دولو لم يكن نهاية المعاناة، إذ فوجئ النازحون لدى وصولهم في أواخر يناير إلى مخيم على أطراف المدينة بأن منظمات الإغاثة قد غادرت المنطقة بالفعل، في وقت كان فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قام بحل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، وهو ما أدى إلى فقدان المصدر الرئيسي للمساعدات الإنسانية للصومال، بينما خفضت دول من بينها بريطانيا وألمانيا تمويلاتها، واضطرت منظمات الإغاثة إلى إعادة توزيع ما تبقى من مواردها المحدودة.

اظهار أخبار متعلقة


وتابعت الصحيفة أن مدينة دولو لم تكن ضمن المناطق التي استفادت من إعادة توزيع المساعدات، حيث بقيت آلاف الخيام داخل المخيمات، لكن المساعدات كانت تتراجع بشكل حاد، إذ فقدت العائلات المنح النقدية المخصصة لشراء الغذاء، كما أصبحت العيادات الصحية شبه خالية من الأدوية والكوادر الطبية، ما عمّق من الأزمة الإنسانية في المنطقة.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أنه في الشهر التالي للأزمة الإنسانية، اندلع تطور جديد زاد من تعقيد الوضع، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا على إيران، ما أدى إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل شحنات النفط والأسمدة والسلع الأساسية القادمة من الخليج العربي، وهو ما تسبب في ارتفاع كبير في تكاليف النقل، وانعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء في الصومال، التي تعتمد على الاستيراد لتغطية نحو 70% من احتياجاتها الغذائية، حيث تضاعفت أسعار الأرز ودقيق القمح بشكل ملحوظ.

وقال عبد الله عبدي، البالغ من العمر 47 عامًا، في تصريحات نقلها التقرير: "الحليب واللحم أصبحا حلمًا بعيد المنال بالنسبة لنا"، موضحًا أن أسرته أصبحت تعتمد على وجبة يومية واحدة فقط من عصيدة الذرة البيضاء وأعشاب برية تُجمع من ضفاف الأنهار القريبة، مضيفًا: "الأطفال جائعون، وهذا يؤلمني بشدة".

وأضافت الصحيفة أن دخول الصراع في الشرق الأوسط شهره الثالث أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في أفقر دول العالم وأكثرها هشاشة، مشيرة إلى أن برنامج الأغذية العالمي حذّر من أنه في حال استمرار الأعمال العدائية حتى بعد يونيو، فإن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد حول العالم قد يتجاوز 363 مليون شخص، بزيادة تصل إلى 45 مليونًا مقارنة بما قبل الحرب.

وتابعت نيويورك تايمز أن غياب الاستجابة الدولية المعتادة زاد من حدة الأزمة، حيث كان العالم قد شهد قبل أربع سنوات، عند اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، اضطرابًا في سلاسل الغذاء والأسمدة، لكن الاستجابة الدولية حينها بلغت نحو 43 مليار دولار من المساعدات، قادتها الولايات المتحدة بمفردها بنحو 17 مليار دولار، وشملت مساعدات غذائية ومائية وطبية واسعة النطاق.

وأوضحت الصحيفة أن الوضع تغير بشكل كبير، إذ انخفض إجمالي التمويل الإنساني في العام الماضي إلى 28 مليار دولار فقط، بينما تراجعت مساهمة الولايات المتحدة إلى 4 مليارات دولار، مع استمرار موجة التخفيضات، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للأزمات.

وأشارت إلى أن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة حذرت في فبراير من أن نحو 6.5 مليون شخص في الصومال يعانون من مستويات جوع تصنف كحالة طوارئ، بما يمثل نحو ثلث السكان، من بينهم أكثر من 1.8 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، في حين يُتوقع أن تكون هذه الأرقام قد ارتفعت بفعل الحرب الأخيرة.

وقالت نيويورك تايمز إن برنامج الأغذية العالمي، وهو أكبر مزود للمساعدات في الصومال، لا يملك التمويل الكافي إلا لدعم نحو 300 ألف شخص شهريًا حتى يوليو، مقارنة بنحو مليوني شخص كان يتم دعمهم في أوائل عام 2025، ما يعكس حجم التراجع في الاستجابة الإنسانية.

وأضاف التقرير أن منظمات الإغاثة باتت تتعامل مع ما وصفته بـ"تسلسل هرمي غير مسبوق للمعاناة"، حيث قال حميد نورو، مدير برنامج الأغذية العالمي في الصومال: "هناك فئات مختلفة من الجوع، ولا يمكننا الوصول إلا لمن هم على حافة الموت، وإذا لم نقدم لهم شيئًا الآن، فلن يكونوا موجودين غدًا".

وأوضح التقرير أن الوضع داخل بعض المناطق أصبح قاسيًا لدرجة أن الأطفال يحصلون على الغذاء بينما تُحرم الأمهات الحوامل منه، في مشهد يعكس ما وصفه المسؤول الأممي بأنه "اختيار بين من يموت أولًا ومن يموت لاحقًا".

وفي سياق متصل، أوضحت نيويورك تايمز أن الأزمة الغذائية تتفاقم بسبب سلسلة من الأزمات المتداخلة، حيث أدى تحويل مسارات الملاحة البحرية بعيدًا عن المضيق إلى ازدحام ميناء صلالة في سلطنة عمان، وهو ما تسبب في تأخير شحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي، كانت تحمل مواد غذائية من كينيا وبلجيكا، ووصلت متأخرة 40 يومًا إلى ميناء بربرة شمال الصومال، ما أدى إلى تأخير إمدادات تكفي لإطعام 500 ألف امرأة وطفل لمدة شهر كامل.

كما أشارت الصحيفة إلى أن السودان يشهد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حيث يعاني نحو 41 بالمئة من السكان من انعدام حاد في الأمن الغذائي، فيما اضطرت منظمة اليونيسف في أبريل إلى إلغاء شحنات إغاثة عاجلة بسبب صعوبة النقل وامتناع شركات الشحن عن التحرك نتيجة نقص الوقود وخشيتها من تعطل الإمدادات في مناطق النزاع.

اظهار أخبار متعلقة


وقال شيلدون ييت، ممثل اليونيسف في السودان، في تصريح نقله التقرير: "الأطفال يموتون"، في إشارة إلى حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.

وتابعت نيويورك تايمز أن الصومال كان قد حصل قبل أربع سنوات على 2.4 مليار دولار كمساعدات إنسانية، كان أكثر من نصفها من الولايات المتحدة، إلا أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكم جلبت معه موقفًا أكثر تشددًا تجاه الصومال، حيث وصف المهاجرين من هناك بعبارات وصفت بأنها مهينة، قبل أن تتراجع المساعدات الأمريكية إلى 70 مليون دولار فقط في عام 2024 مقارنة بـ467 مليونًا في العام السابق، بينما لم تتجاوز 3 ملايين دولار في الأشهر الأولى من العام الجاري.

وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة باتت تمثل نسبة ضئيلة للغاية من إجمالي المساعدات، مقارنة بدول مثل بريطانيا وألمانيا والدنمارك والسويد وكندا وقطر، إلا أن هذه الدول بدورها خفضت مساهماتها تحت ضغط سياسي متزايد، ما دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص عملياتها بشكل كبير.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن المنظمات العاملة في المجال الإنساني أصبحت مضطرة إلى ما وصفته بـ"الأولوية المفرطة"، حيث تركز المساعدات على 21 مقاطعة فقط من أصل 90 مقاطعة محتاجة في الصومال، في محاولة لإنقاذ الحالات الأكثر خطورة فقط.

وأضافت أن الصومال كان في السابق يعتمد على دعم إنساني ضخم خلال أزمات الجفاف، لكن هذا الدعم تراجع بشدة قبل اندلاع الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، التي أدت إلى تفاقم الأزمة بشكل غير مسبوق.

وتابعت الصحيفة أن الصومال يعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من الخليج العربي، ومع تصاعد الهجمات الإيرانية على منشآت إنتاج النفط وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، تضاعفت أسعار البنزين والديزل أكثر من مرتين، ما انعكس على تكاليف النقل والإنتاج والغذاء.

وأوضحت أن هذا الارتفاع انعكس على حياة السكان في مناطق مختلفة، حيث تضاعفت أسعار مواد تشغيل ماكينات الخياطة في المدارس المهنية، كما ارتفعت أسعار الخيوط والأقمشة، وارتفع سعر المياه ثلاث مرات في بعض المناطق بسبب اعتماد المضخات على الديزل، ما زاد من أعباء السكان.

وفي المزارع التعاونية، أشارت الصحيفة إلى أن أسعار الوقود والأسمدة ارتفعت بشكل حاد، حيث تضاعف سعر الديزل، وقفزت أسعار الأسمدة بشكل كبير، ما دفع المزارعين إلى رفع أسعار منتجاتهم لتعويض التكاليف المتزايدة.

ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين محليين في دولو قولهم إن الأزمة الحالية ليست نتيجة عوامل محلية فقط، بل هي امتداد لصراعات وأزمات عالمية، تشمل التغير المناخي والتوترات السياسية الدولية، معتبرين أن الوضع الحالي أصبح خارج السيطرة.

وفي ختام تقريرها، أكدت نيويورك تايمز أن ما يجري في الصومال يعكس انهيارًا متسارعًا في منظومة الإغاثة العالمية، حيث تتداخل آثار الحروب والصراعات الدولية مع التغير المناخي وتراجع التمويل الإنساني، ما يضع ملايين البشر أمام خطر الجوع وسوء التغذية وانهيار سبل الحياة الأساسية، في واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
التعليقات (0)