تزداد
القناعات الاسرائيلية يوما بعد يوم، أن
الاحتلال بات مرهوناً لقرارات الإدارة
الأمريكية، في العديد من الملفات، غزة جنوبا، ولبنان شمالا، وبات البيت الأبيض يضع
الحدود المرسومة للاحتلال، فيما يُروِّج العاملون مع رئيس الحكومة بنيامين
نتنياهو
لمصالح دول أخرى، وهي أعراض إضافية لدولة فقدت سيادتها.
رئيس
جهاز الموساد الأسبق، تامير باردو، ذكر أن "جيلنا فشل فشلاً ذريعاً، في غباء
غير مسبوق، في عمى عن قراءة الواقع، في اختيار طوعي لعدم معالجة القضايا الجوهرية،
وبدون أي استراتيجية، باستثناء تأجيل القرارات المصيرية بدافع الخوف والرعب، جلبت
الحكومة الإسرائيلية هذه الكارثة الرهيبة على الدولة، لأنها قيادة تتألف في معظمها
من سياسيين ليس هدفهم الوحيد خدمة الشعب، بل مصالحهم الشخصية، وهي البقاء في
السلطة، كلٌّ لأسبابه الخاصة غير المشروعة، حيث لا يكترثون لمصلحة الشعب، ولو
للحظة".
وأضاف باردو في
مقال نشرته القناة 12، وترجمته "عربي21" أننا
"أمام حكومة بلا استراتيجية أوصلت الدولة إلى حضيضٍ غير مسبوق، مستخدمةً
خطابًا زائفًا يحوّل الفشل إلى نصرٍ بكلماتٍ مُضللة، مستغلةً السلطة، ومتنصلةً من
المسؤولية، ولأول مرة منذ تأسيسها، قررت الحكومة الإسرائيلية أن تُعهد بأمن الدولة
وحرية التصرف في قضايا الأمن القومي لدولةٍ أخرى، هي
الولايات المتحدة، مع أنه طالما
كان الحفاظ على حرية التصرف في قضايا الأمن القومي هو أقدس ما تملكه جميع الحكومات
الإسرائيلية".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار باردو إلى أنه "في كل جبهات الحرب الدائرة حالياً، تخلت الحكومة تمامًا عن استقلالها، فقد
أُسندت قضية غزة إلى الولايات المتحدة لإدارتها وقيادتها من مقرها في "كريات
جات"، ومنذ عامين وثمانية أشهر، وتحديدًا منذ السابع من أكتوبر، عهدنا بمسألة
غزة إلى جنرال أمريكي".
وأوضح
أنه "على الجبهة الشمالية، تُحدد الولايات المتحدة بشكل كامل حرية تصرف الجيش
الإسرائيلي، ويُحدد البيت الأبيض المعايير الأمنية لسكان الشمال، كما انتُزعت منا
القضية
الإيرانية بعد حرب الأيام الـ12، حتى ميناء إيلات لن يُفتح إلا عندما تُقرر
الولايات المتحدة ذلك، فيما تعبر السفن الأمريكية مضيق باب المندب، ولا يزال ميناء
إيلات مغلقًا".
وبين أن "النصر لا يُقاس بعدد عمليات الاغتيال، ولا بالقدرة الاستخباراتية
والعملياتية على توجيه صاروخ إلى نافذة تبعد 2000 كيلومتر، والحقيقة أنه بعد عامين
وثمانية أشهر من هجوم أكتوبر، ورغم كل هذه القدرات المذهلة، لم نحقق أي إنجاز
حقيقي، فالجيش الإسرائيلي مُنهك لأقصى حد، ويعاني من نقص حاد في القوى القتالية،
ويُهدد بانهيار قوات الاحتياط، وقبل يومين فقط، ادعى رئيس الوزراء أن أمن الدولة
مُوكل إليه وحده، لكن هذه حقيقة وكذب في جملة واحدة، صحيح أن أمن الدولة مُوكل إليه،
لكنه نسي هذه الحقيقة تمامًا".
وأضاف باردو أن "هذه العبارة بحد ذاتها تُشير إلى
خللٍ خطير، فأمن الدولة، وفقًا للقانون الأساسي للحكومة مُوكلٌ للحكومة
الإسرائيلية وشركائها، أي الأجهزة الأمنية، ليس كمسؤولين يُنفذون الأوامر
والتوجيهات، بل كشركاء كاملين في صياغة المفهوم الأمني والاستراتيجية،
والكلمة الأخيرة للسلطة المُنتخبة، أما فيما يخص "فضيحة قطر-غيت"، وهي
من أخطر الأحداث التي تُشير إلى إسرائيل كدولة فاسدة أكثر من كونها مُنظمة، فالاسم
مُضلل، وقد استُخدم لخلق سردية زائفة".
وأكد
أنه "في أي دولة عاقلة، لا يجوز لشخص يعمل لصالح دولة أخرى، ويُروج لمصالحها
أن يشغل منصبًا في مكتب رئيس الوزراء أو أي مكتب حكومي آخر، ولا يهم إن كان هذا
الشخص يخدم أعظم حليف، الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أيسلندا، ففي الولايات
المتحدة، يُعد هذا جريمة جنائية خطيرة يُعاقب عليها بالسجن لسنوات عديدة، وإذا
استغل هذا الشخص علاقاته لتقويض مصلحة وطنية، تُصبح الجريمة خيانة عظمى يُعاقب
عليها بالسجن المؤبد، وتندرج هذه الفضيحة تحديدًا ضمن هذا التصنيف".
وأوضح
أن "قطر ليست دولة معادية، وحقيقة أن الإسرائيليين أقاموا علاقات تجارية معها
بسلطة وبتشجيع من الدولة، أصبحت ذريعةً لارتكاب جرائم خطيرة، وهذه هي الدولة نفسها
التي توسلت إليها الحكومة الإسرائيلية لتمويل حماس، والأمر المروع في هذه الحادثة
هو سلوك رئيس الوزراء والحكومة بأكملها، فبعد لحظة من انكشاف الأمر، اضطر رئيس
الوزراء للتنصل منهم، والمطالبة بتقديمهم للعدالة فورًا".
وأكد
باردو أنه "لا يوجد تهديد وجودي من حماس أو حزب الله، لكني أدرك وجود تهديد خطير آخر،
وربما مميت، للحلم الصهيوني، وهو مصادرة قراراتها وسيادتها، لا شك أننا نتفق
جميعًا على أن هذا الأمر قد دق ناقوس الخطر، مما يتطلب مراجعة أنفسنا، وإجراء
تقييم شامل لأوضاعنا، وهذا هو التهديد الوجودي لإسرائيل".
تكشف
هذه الاعترافات الاسرائيلية أن دولة الاحتلال باتت "محمية" أمريكية،
وقرارها مصادر من البيت الأبيض، وبعض مسئوليها يعمل لصالح أجندات خارجية، وكل ذلك
يكشف عن اختراق لأمنها الحقيقي، ليس فقط فيما يتعلق بالمعلومات الاستخبارية
والعسكرية، بل في قرارها السياسي والاستراتيجي.