قررت محكمة تركية وقف تنفيذ حكم قضائي سابق يقضي بإعادة الملازم دنيز دميرتاش إلى
الخدمة العسكرية، بعد فصله من القوات المسلحة التركية على خلفية ترديد شعار “نحن جنود مصطفى كمال” عقب مراسم التخرج الرسمية من الكلية الحربية، في قضية أثارت جدلا واسعا داخل
تركيا بشأن الانضباط العسكري والرمزية السياسية داخل المؤسسة العسكرية.
وبموجب القرار الجديد، خلع دميرتاش زيه العسكري للمرة الثانية، بعدما كانت محكمة أنقرة الإدارية الحادية والعشرون قد ألغت بالإجماع قرار فصله من الجيش، معتبرة أن التهم الموجهة إليه والمتعلقة بـ”القيام بسلوكيات تعيق الخدمة” لم تثبت بشكل واضح وقاطع.
كما قضت المحكمة الابتدائية بإعادة جميع حقوقه المالية التي حرم منها منذ فصله، مع صرف الفوائد القانونية المترتبة عليها اعتبارا من تاريخ الاستحقاق.
لكن وزارة الدفاع التركية تقدمت باستئناف ضد الحكم الصادر في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، لتقرر دائرة الدعاوى الإدارية الثانية في محكمة أنقرة الإدارية الإقليمية، بأغلبية الأصوات في 11 أيار/ مايو 2026، وقف تنفيذ قرار الإعادة إلى الخدمة مؤقتا إلى حين انتهاء نظر الاستئناف بشكل نهائي.
“لا دليل قاطعا”
وكانت محكمة أنقرة الإدارية الحادية والعشرون قد خلصت في قرارها السابق إلى أن الاتهامات المنسوبة إلى دميرتاش لم تثبت بأدلة “واضحة وملموسة وخالية من الشك”.
وأشارت المحكمة إلى أن الرسالة التي أرسلها الملازم أول قائد كتيبة الطلاب عبر مجموعة “واتساب” الخاصة بالكتيبة، والتي دعا فيها الضباط إلى التجمع بعد الحفل للقيام بـ”الرفع التقليدي للسيوف” وإحياء ذكرى أحد الشهداء، لا تثبت أن دميرتاش شارك في إعدادها أو التخطيط لها.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت المحكمة أن مجرد إقامة دميرتاش في الغرفة نفسها مع الضابط الذي أرسل الرسالة لا يشكل دليلا قانونيا كافيا على مشاركته في التخطيط لترديد القسم الذي أُلغي سابقا من اللوائح العسكرية.
كما استندت المحكمة إلى محاضر الواقعة التي أظهرت أن دميرتاش لم يكن ضمن الحلقة الأولى من الضباط الذين شاركوا في ترديد القسم، معتبرة أن أقوال بعض زملائه لا ترقى إلى مستوى الدليل القاطع على وجود تخطيط مسبق من جانبه.
وبناء على ذلك، قررت المحكمة إلغاء قرار مجلس التأديب الأعلى التابع لقيادة القوات البرية، الصادر في 16 كانون الثاني/ يناير 2025، والذي قضى بفصل دميرتاش من القوات المسلحة التركية.
“التخطيط تم مسبقا”
لكن دائرة الدعاوى الإدارية الثانية في محكمة أنقرة الإدارية الإقليمية تبنت تقييما مختلفا تماما، معتبرة أن التخطيط لترديد القسم الملغى جرى مسبقا رغم صدور أوامر واضحة بعدم القيام بذلك.
وقالت المحكمة إن طلبات تلاوة القسم الذي أُلغي من اللوائح العسكرية قُدمت إلى القيادات العسكرية قبل حفل التخرج في أكثر من مناسبة، إلا أن هذه الطلبات رُفضت بشكل صريح، مع إصدار تعليمات مباشرة لجميع الضباط بعدم ترديد القسم.
وأضاف القرار أن الملازم أول قائد كتيبة الطلاب دعا الضباط عبر مجموعة “واتساب” إلى التجمع في الملعب بعد الحفل، وبعد انتهاء المراسم الرسمية جرى الإعلان عبر مكبرات الصوت عن تجمع “الدفعة 175” داخل الملعب، حيث تم ترديد القسم المثير للجدل.
ورأت المحكمة أن تقييم تسجيلات الفيديو ومحاضر التحقيقات وشهادات الضباط يشير إلى أن دميرتاش شارك في التخطيط للتجمع، وانضم إلى المجموعة رغم علمه المسبق بالأوامر العسكرية التي تحظر ذلك.
وأضافت المحكمة أن ما قام به يمثل “إصرارا على مخالفة التعليمات العسكرية وارتكاب فعل يشكل إخلالا خطيرا بالانضباط”.
وبناء على ذلك، قررت وقف تنفيذ حكم إعادة دميرتاش إلى الخدمة العسكرية، إضافة إلى وقف تنفيذ قرار صرف مستحقاته المالية، إلى حين صدور الحكم النهائي في ملف الاستئناف.
اظهار أخبار متعلقة
انقسام داخل الهيئة القضائية
ولم يكن القرار محل إجماع داخل الهيئة القضائية المؤلفة من ثلاثة أعضاء، إذ سجّل أحد القضاة اعتراضه على قرار وقف التنفيذ.
وقال القاضي المعترض في رأيه المخالف إن الضباط امتثلوا فعليا للأوامر بعدم ترديد القسم خلال المراسم الرسمية، موضحا أن القسم جرى ترديده فقط بعد انتهاء الحفل ومغادرة الرئيس التركي وكبار المسؤولين الملعب.
وأضاف أن الإدارة كانت على علم بأن القسم نفسه جرى ترديده خلال احتفال التخرج الذي أقيم قبل الحفل بيوم، دون أن تصدر أي تعليمات واضحة تمنع ذلك بشكل مطلق.
واعتبر القاضي أن ما قام به دميرتاش لا يمكن تصنيفه ضمن “السلوكيات المعيقة للخدمة”، وبالتالي لا يبرر قرار الفصل من القوات المسلحة.
خلفيات القضية
وتعود القضية إلى مراسم تخرج الكلية الحربية التركية في آب/ أغسطس 2024، عندما رفع عدد من الملازمين سيوفهم ورددوا شعار “نحن جنود مصطفى كمال”، في مشهد أثار تفاعلا واسعا داخل تركيا.
واعتبرت السلطات العسكرية حينها أن ما جرى يمثل مخالفة صريحة للتعليمات العسكرية، خصوصا بعد صدور أوامر مسبقة تمنع ترديد القسم الذي أدرج في توجيهات الأكاديميات العسكرية عام ٬ ثم1999 أُلغي من اللوائح العسكرية الرسمية.
وأدى ذلك لاحقا إلى فصل عدد من الضباط المشاركين في الواقعة، وسط انقسام سياسي وإعلامي واسع بين من اعتبر الخطوة تعبيرا رمزيا عن الولاء لمؤسس الجمهورية مصطفى كمال
أتاتورك، ومن رأى فيها تحديا مباشرا للانضباط العسكري وقرارات القيادة داخل الجيش التركي ودعوى للإنقلاب العسكري.