تتزايد داخل
الولايات المتحدة الدعوات المطالبة بوقف التصعيد العسكري مع
إيران والبحث عن تسوية
سياسية تنهي الحرب المستمرة منذ أشهر، وسط تحذيرات من أن استمرار القصف لن يحقق
حسمًا عسكريًا، بل قد يدفع المنطقة نحو كارثة اقتصادية وإنسانية أوسع.
وأكدت صحيفة
واشنطن
بوست في مقال للكاتب ماكس بوت أن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب يواجه مأزقا متصاعدا
في الحرب مع إيران، معتبرة أن الدعوات المتشددة لاستئناف القصف الأمريكي ضد طهران تتجاهل
محدودية القوة العسكرية الأمريكية، وتقلل من قدرة إيران على الرد وإلحاق أضرار واسعة
بالاقتصاد العالمي والمنطقة بأكملها.
وقالت الصحيفة إن ترامب
عاد من قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ من دون الحصول على أي دعم يساعد في إعادة
فتح
مضيق هرمز، في وقت أصبحت فيه الحرب التي توقع أن تستمر “أربعة إلى خمسة أسابيع”
تدخل شهرها الثالث، وسط ضغوط متزايدة على الإدارة الأمريكية لإيجاد مخرج سياسي وعسكري
من الأزمة.
وأشارت إلى أن عددا
من المحللين العسكريين يدفعون باتجاه استئناف الضربات الجوية الأمريكية ضد إيران، لكن
التجربة الميدانية خلال الأسابيع الماضية أظهرت، بحسب الصحيفة، أن نتائج القصف الإسرائيلي
والأمريكي لم تكن حاسمة كما يروج لها المسؤولون العسكريون.
وتابعت أن قائد القيادة
المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر حاول خلال شهادته أمام مجلس الشيوخ تقديم صورة
“مثالية” للعملية العسكرية التي حملت اسم “الغضب الملحمي”، زاعما أن القوات الأمريكية
تمكنت من “تفكيك” جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية التي استغرق بناؤها عقودا.
لكن الصحيفة شددت على
أن هذه التصريحات ينبغي التعامل معها بحذر، موضحة أن تعبيرات مثل “ألحقنا أضرارا” لا
تعني بالضرورة “التدمير الكامل”، لافتة إلى أن الجيوش الأمريكية، كما حدث في حرب فيتنام
والعراق، اعتادت المبالغة في تقدير نجاحاتها العسكرية.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت الصحيفة، نقلا
عن تقديرات استخباراتية أمريكية، أن إيران ما تزال تحتفظ بنحو 70 بالمئة من مخزونها
الصاروخي الذي كان لديها قبل الحرب، فيما ما تزال تمتلك قرابة 40 بالمئة من ترسانتها
من الطائرات المسيّرة، بحسب ما سبق أن نشرته “نيويورك تايمز”.
وأضافت أن الجيش الأمريكي
استنزف بدوره جزءا كبيرا من قدراته الدفاعية وذخائره بعيدة المدى خلال الأسابيع الماضية،
ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى أي تصعيد جديد ضد إيران.
وأوضحت الصحيفة أن
توسيع نطاق القصف ليشمل محطات الطاقة والجسور الإيرانية، كما هدد ترامب، قد يدفع طهران
إلى الرد عبر استهداف منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه في دول المنطقة، الأمر الذي
سيؤدي إلى كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
ولفتت إلى أن أسعار
النفط ارتفعت بالفعل بنحو 50 بالمئة منذ بداية النزاع، محذرة من أن أي تصعيد إضافي
قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى أزمة أعمق بكثير.
وأكدت الصحيفة أن سياسة
اغتيال القيادات الإيرانية لم تحقق النتائج التي كان يأملها المتشددون في واشنطن وتل
أبيب، بل أدت، بحسب وصفها، إلى صعود قيادات أكثر تشددا داخل الحرس الثوري الإيراني،
لا تبدو مستعدة لتقديم أي تنازلات.
وتطرقت الصحيفة إلى
سيناريوهات التدخل البري التي طرحت خلال الأشهر الماضية، ومنها السيطرة على جزيرة خارك
الإيرانية أو الاستيلاء على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مشيرة إلى أن ترامب طلب
بالفعل خططا عسكرية للاستيلاء على ما وصفه بـ”الغبار النووي”.
غير أن الصحيفة أوضحت
أن تنفيذ مثل هذه العمليات سيتطلب نشر مئات أو آلاف الجنود الأمريكيين داخل الأراضي
الإيرانية لفترات طويلة، وهو ما يجعلها من أخطر العمليات العسكرية المحتملة في تاريخ
القوات الخاصة الأمريكية.
وأضافت أن السيطرة
على جزيرة خارك قد تبدو عسكريا أسهل نسبيا، لكن تمركز آلاف الجنود الأمريكيين على جزيرة
صغيرة قريبة من الساحل الإيراني سيجعلهم أهدافا مباشرة للهجمات الإيرانية، دون وجود
مكاسب استراتيجية واضحة، خاصة أن الجزيرة تقع بعيدا عن مضيق هرمز.
وأكدت الصحيفة أن ترامب
لجأ منذ نيسان/ أبريل الماضي إلى فرض حصار على الملاحة الإيرانية على أمل شل الاقتصاد
الإيراني وإجبار طهران على إنهاء حصارها لمضيق هرمز، لكن هذه الخطوة لم تحقق أهدافها
حتى الآن.
وأضافت، نقلا عن تقديرات
استخباراتية أمريكية، أن تأثير الحصار الاقتصادي على إيران قد يحتاج إلى ثلاثة أو أربعة
أشهر إضافية قبل أن تظهر نتائجه بشكل ملموس، مشيرة إلى أن الأنظمة التي اعتادت تحمل
العقوبات، مثل إيران وكوريا الشمالية وكوبا، أثبتت قدرتها على الصمود لفترات طويلة
رغم المعاناة الاقتصادية لشعوبها.
وفي المقابل، أكدت
الصحيفة أن الاقتصاد العالمي بدأ يدفع ثمنا باهظا لاستمرار الأزمة، حيث ارتفع معدل
التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.8 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ سنوات، بينما بدأت
المخزونات النفطية العالمية بالتراجع بصورة مقلقة.
وأشارت إلى تحذيرات
نشرتها “وول ستريت جورنال” بشأن استنزاف الاحتياطات النفطية العالمية، في ظل استمرار
إغلاق مضيق هرمز وتعطل جزء كبير من حركة الطاقة العالمية.
وتابعت أن ترامب قد
يلجأ في حال نفاد صبره إلى إصدار أوامر للبحرية الأمريكية لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة
العسكرية، لكنها أوضحت أن هذا الخيار يحمل مخاطر ضخمة.
ونقلت الصحيفة عن الأدميرال
المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لقوات الحلفاء في أوروبا، قوله إن أي
عملية عسكرية لفتح المضيق ستحتاج إلى حاملة طائرات كاملة تضم عشرات الطائرات، إضافة
إلى عدد كبير من المدمرات وكاسحات الألغام والطائرات والمروحيات وآلاف الجنود الأمريكيين
المنتشرين على الساحل الإيراني.
وأكدت الصحيفة أن حتى
هذا الحشد العسكري الهائل لا يضمن نجاح العملية، لأن السفن الأمريكية ستكون عرضة لهجمات
إيرانية في ممرات مائية ضيقة، وقد تكفي مسيّرة إيرانية واحدة لضرب ناقلة نفط وإفشال
العملية بالكامل.
واختتمت الصحيفة بالتأكيد
على أن الخيار الأكثر حكمة أمام ترامب يتمثل في تجاهل نصائح المتشددين والسعي إلى اتفاق
سياسي مع طهران يقوم على مبدأ “فتح مقابل فتح”، بما يسمح برفع الحصار المتبادل وتهيئة
الأجواء لمفاوضات أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وأشارت إلى أن اللجوء
للحل العسكري الشامل يجب أن يبقى “السيناريو الأسوأ” الذي ينبغي تجنبه عبر الدبلوماسية،
حتى لو استلزم الأمر تقديم تنازلات تتعلق بالسماح لإيران بمستوى محدود من تخصيب اليورانيوم
تحت رقابة دولية.
وختمت الصحيفة بالقول
إن ترامب لم يحقق “نصرا عسكريا كاملا” كما أعلن، وإن إدراك هذه الحقيقة مبكرا قد يكون
الفرصة الوحيدة لتجنب حرب أكثر اتساعا وكلفة في المنطقة.