نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقال رأي للكاتب سكوت أندرسون، مؤلف كتاب "ملك الملوك" عن الثورة
الإيرانية عام 1979، تناول فيه عملية "الغضب الملحمي" التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب ضد إيران، واصفا إياها بأنها "تخبط ضخم".
ورأى الكاتب أن الحرب الأمريكية مع إيران دخلت مرحلة أكثر هدوءا، تتسم بمواقف دبلوماسية ومفاوضات متقطعة وجهود حثيثة للتوصل إلى تسوية، معتبرا أن ذلك "أفضل بكثير من إبادة الحضارة الإيرانية" التي كان ترامب يهدد بها قبل أسابيع قليلة..
ويطرح هذا التحول تساؤلات حول أسبابه، معتبرا أن القصف الأمريكي والإسرائيلي لم ينجح في إثارة انتفاضة شعبية ضد النظام في
طهران أو دفعه للاستسلام، رغم تأخر ترامب ومستشاريه في الاعتراف بذلك.
وعلى العكس، اكتشفت إيران قدرتها على إغلاق مضيق
هرمز الحيوي وإغراق الاقتصاد العالمي في فوضى عارمة.
اظهار أخبار متعلقة
واعتبر أن الحرب باتت أمام نتيجتين فقط: إما تدمير شامل لإيران كما تحدث ترامب، أو التوصل إلى تسوية تبقي الحكومة الإيرانية قائمة، بما يعني "إذلال" الرئيس الأمريكي.
ورجّح أن الخيار الأول أصبح أقل احتمالا، موضحا أن تهديد ترامب العلني بارتكاب جرائم حرب واسعة منح خصومه وقتا كافيا لحشد المقاومة داخليا وخارجيا.
وأشار إلى أن النتيجة الثانية كانت متوقعة لو أدركت الإدارة الأمريكية سمة رئيسية في الحروب الحديثة، وهي دور الطائرات المسيّرة.
ولفت إلى أن دخول المسيرات المسلحة غيّر طبيعة الحروب، وأصبحت تشبه المدفع الرشاش في الحرب العالمية الأولى، لافتا إلى أن الجيش الأوكراني تمكن بفضلها من الصمود أمام الجيش الروسي بقيادة فلاديمير بوتين، رغم قلة عدده، عبر إلحاق خسائر كبيرة بتكلفة منخفضة.
وبيّن أن طائرة مسيّرة لا تتجاوز كلفتها 1000 دولار قادرة على تدمير دبابة "تي-90" تبلغ قيمتها نحو 4.5 مليون دولار.
وأضاف أنه رغم تقدم روسيا في هذا المجال، فإن حرب المسيرات كلفتها ثمنا باهظا ميدانيا واقتصاديا.
وتكرر هذا السيناريو وفق تعبيره في إيران خلال الشهرين الماضيين، وإن لم يصل إلى نفس حجم الخسائر البشرية، موضحا أن القصف الأمريكي والإسرائيلي، رغم تكراره عشرات الآلاف من المرات، لم يمنع إيران من امتلاك سلاح الرد الأساسي وهو الطائرات المسيّرة.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أن إيران قادرة على إنتاج هذه المسيرات بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة مقارنة بالأسلحة الأمريكية والإسرائيلية.
وذكر أن ما وصفه ترامب بـ"غزوه" لإيران كلف الولايات المتحدة ما لا يقل عن 25 مليار دولار، بحسب البنتاغون، واستنزف جزءا كبيرا من مخزونها من الصواريخ المتطورة، ما أدى إلى نقص في ساحات استراتيجية أخرى قد يستغرق سنوات لتعويضه.
وتبلغ تكلفة تصنيع طائرة "شاهد-136" الإيرانية نحو 35,000 دولار، ما يمكّن طهران من مواصلة فرض شروطها في مضيق هرمز.
وتساءل الكاتب عن جدوى فرض حصار بحري أمريكي على المضيق أو شن هجوم بري على السواحل الإيرانية، مؤكدا أن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى حسم الصراع.
وأشار إلى أنه حتى في حال نشر 50 ألف جندي أمريكي على سواحل الخليج، ستظل إيران قادرة على استهداف ناقلات النفط بطائرات مسيّرة، ما يعيد شل الاقتصاد العالمي.
واعتبر أن أمن ومستقبل الخليج بات مرهونا بتوصل إدارة ترامب إلى اتفاق مع إيران، مشيرا إلى أن تصريحات ترامب حول امتلاك "جميع الأوراق الرابحة" لا تعكس الواقع.
وبات ترامب أكثر حرصا على التوصل إلى اتفاق لتجنب تفاقم الأزمة الاقتصادية الأمريكية وتراجع شعبيته، ما يمنح إيران فرصة لتمديد المفاوضات وانتزاع تنازلات أكبر.
وأوضح أن هذه التنازلات قد تشمل رفع عقوبات "أقصى ضغط" أو الحصول على تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
وأشار إلى أن ملف اليورانيوم المخصب سيظل نقطة خلاف رئيسية، مرجحا أن أي تسوية ستجعل إيران "الحارس الفعلي" للخليج، في وضع أقوى مما كانت عليه قبل الحرب.
وأكد أن هذا المأزق يعكس تحولا خطيرا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث يصعب بناء منظومات دفاع شاملة ضد الطائرات المسيّرة، حتى بالنسبة لأنظمة متقدمة مثل "القبة الحديدية" التي تعرضت للاختراق.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن الممرات الاستراتيجية حول العالم، مثل قناة بنما والسويس ومضيق جبل طارق وحتى المجال الجوي فوق نيويورك، أصبحت عرضة لهجمات باستخدام هذه التكنولوجيا.
وتساءل عما إذا كان هذا الطرح مبالغا فيه، مستحضرا أمثلة من جماعات مسلحة مثل بادر-ماينهوف والخمير الحمر وتنظيم القاعدة، ومشيرا إلى ما كان يمكن أن تفعله هذه الجماعات لو امتلكت طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة.
وأشار إلى أن اسم العملية "الغضب الملحمي" قد يكون مناسبا لوصف شخصية ترامب، لكن بالنظر إلى نتائجها، فإن "عملية التخبط الضخم" تبدو التسمية الأدق لمستقبل الولايات المتحدة وأمن العالم.