قال صحيفة "فايننشال تايمز" إن انتخاب يوسف الجعبري الأسبوع الماضي رئيسا لبلدية
الخليل لن يمنحه أي دور في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المدينة الواقعة في
الضفة الغربية المحتلة، وهي تصاريح البناء المتعلقة بأحد أهم مواقعها الدينية والمستوطنة اليهودية القريبة منه.
وأوضحت الصحيفة في
تقريرها الأربعاء، أن حكومة
الاحتلال الإسرائيلي كانت قد أعلنت في وقت سابق من هذا العام سحب صلاحيات التخطيط المرتبطة بمحيط المسجد الإبراهيمي في الخليل، المعروف لدى اليهود باسم "مغارة البطاركة"، من الجانب الفلسطيني.
ونقلت هذه الصلاحيات إلى مسؤولين في الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة أحادية تعزز نقل مزيد من السلطة في أكبر مدن الضفة الغربية إلى الأقلية الاستيطانية الصغيرة الموجودة فيها.
اظهار أخبار متعلقة
وقال الجعبري في مقابلة بعد وقت قصير من انتخابه: "إنهم ينشئون بلدية داخل بلدية، وينزعون صلاحياتنا. إنهم لا يحترمون الاتفاقيات التي وقعوها".
ويعد القرار الذي لا يزال بحاجة إلى أمر من جيش الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذه أحد الخطوات الواسعة التي اتخذتها حكومة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو، والتي تمثل تسارعا دراماتيكيا في الضم التدريجي البطيء للأراضي الفلسطينية الذي اتبعته حكومات الاحتلال لعقود.
ولسنوات، كان الضم الفعلي قائمًا من خلال بؤر الاستيطان الإسرائيلي، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي، والتي واصلت التهام الأراضي التي يسعى الفلسطينيون إلى أن تكون قلب دولتهم المستقبلية.
وعلى عكس الاتفاقيات، بدأت إدارة نتنياهو التي تُعتبر على نطاق واسع الأكثر تطرفا في تاريخ دولة الاحتلال أيضًا بالدفع نحو ضم قانوني ورسمي.
وأشارت الصحيفة إلى أن أحد الجوانب الرئيسية في الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ 59 عامًا للضفة الغربية، والذي يسمح لدولة الاحتلال بالقول إنها لم تضم الأراضي الفلسطينية، هو ممارستها للسلطة من خلال الحكم العسكري بدلا من الحكم المدني، لكن التغييرات الأخيرة، التي أعلنها وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل
سموتريتش، وهو نفسه مستوطن، تهدف إلى عكس ذلك.
فبالإضافة إلى سحب الصلاحيات من المسؤولين الفلسطينيين في الخليل، تُلغي التغييرات الحاجة إلى موافقة عسكرية على شراء الأراضي، وتمنح وزارة العدل الإسرائيلية السيطرة على القضية الحساسة المتعلقة بتسجيل الأراضي في معظم أنحاء الضفة الغربية.
كما تسمح هذه التغييرات للمسؤولين الإسرائيليين باتخاذ إجراءات، بما في ذلك هدم الممتلكات، بشأن قضايا مثل المخاطر البيئية أو مخالفات المياه في المناطق التي كانت تُدار منذ فترة طويلة من قبل السلطة الفلسطينية.
وقالت ياعيل بيردا، أستاذة علم الاجتماع والباحثة القانونية في الجامعة العبرية للصحافة: "إن نقل السلطة من الجيش إلى السلطات المدنية الإسرائيلية هو ضم قانوني رسمي. إنه رفع للعلم، وهذا ما يحدث الآن".
وأضافت: "إنه تحول هائل. قرارات الحكومة تزيل أساسًا العقبات والحواجز الأخيرة التي بقيت من اتفاقيات أوسلو أمام الضم الكامل".
تُعد هذه القرارات أحدث الخطوات التي اتخذتها حكومة نتنياهو التي يتمتع فيها مستوطنون يمينيون متطرفون مثل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بنفوذ كبير والتي شددت بشكل كبير قبضة الاحتلال على الضفة الغربية.
اظهار أخبار متعلقة
وخلال ما يقرب من أربع سنوات في السلطة، وافقت حكومة الاحتلال على إنشاء 102 مستوطنة جديدة، ما يقارب ضعف عدد المستوطنات البالغ 127 التي كانت موجودة قبل توليها الحكم، و17 ضعف المستوطنات الست التي تمت الموافقة عليها في العقد السابق، بحسب منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية.
ومن بين المستوطنات التي يجري تسريعها مستوطنة "إي1" المثيرة للجدل، التي ستقسم الضفة الغربية إلى قسمين وتقضي على أي آمال متبقية بقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
كما رفعت دولة الاحتلال وتيرة مصادرة الأراضي إلى أعلى مستوى خلال ثلاثة عقود، وكثفت ضغوطها الاقتصادية على السلطة الفلسطينية، التي تمارس حكمًا ذاتيا محدودا في أجزاء من الضفة الغربية، إلى درجة أن مسؤولين فلسطينيين حذروا من أنها باتت على وشك الانهيار المالي.
وقال إستيفان سلامة، وزير المالية الفلسطيني، لصحيفة "فاينانشال تايمز": "أعتقد أن جزءا من سبب رغبتهم في انهيارنا ماليا هو خلق فراغ... وتسهيل ضمهم للضفة الغربية".
وأضاف: "ما تفعله إسرائيل بنا يشكل تهديدًا وجوديًا... ويؤسفني أن أقول إنه لا يوجد ضغط حقيقي من المجتمع الدولي لوقف ذلك".
وفي الوقت نفسه، انفجر العنف ضد الفلسطينيين من قبل المستوطنين اليهود الذين يعملون في مناخ من الإفلات شبه الكامل من العقاب، كما وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1800 هجوم للمستوطنين العام الماضي وأكثر من 500 هجوم حتى الآن هذا العام.
ومنذ كانون الثاني/ يناير، قتل المستوطنون الإسرائيليون 13 فلسطينيًا من بينهم أوس النعسان، البالغ من العمر 14 عامًا، الذي استشهد بالرصاص خارج مدرسته في المغير الشهر الماضي مما يجعل هذا العام في طريقه ليكون الأكثر دموية من حيث اعتداءات المستوطنين منذ أن بدأت الأمم المتحدة جمع البيانات في عام 2008.
وأصبح العنف واسع الانتشار إلى درجة أن بعض المسؤولين الإسرائيليين السابقين أعربوا عن قلقهم.
فبعد زيارة قرى فلسطينية تعرضت لهجمات متكررة من المستوطنين في الأشهر الأخيرة، قال الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي تمير باردو للقناة 13 الإسرائيلية: "ما رأيته ذكرني بالأحداث التي وقعت ضد اليهود في القرن الماضي".
وأضاف في مقابلة بُثت الأسبوع الماضي: "أشعر بالخجل".
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أجبر عنف المستوطنين 36 تجمعًا فلسطينيًا على مغادرة أراضيهم خلال السنوات الثلاث الماضية، كما تسبب في تهجير جزئي لـ51 تجمعًا آخر" لكن محللين قالوا إن تأثير التغييرات التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية على سجل أراضي الضفة الغربية قد يكون أوسع نطاقًا بكثير.
فالتغييرات ستجعل سجلات الأراضي علنية، وتلغي الحظر المفروض على بيع أراضي الضفة الغربية لأشخاص من غير أصول عربية، وتزيل الحاجة إلى موافقة الجيش الإسرائيلي على عمليات الشراء.
كما تشمل تمويلا لإعادة إطلاق عملية تسجيل الأراضي التي توقفت منذ عام 1967 ويحظرها القانون الدولي في الأراضي المحتلة في المنطقة "ج"، التي تشكل معظم مساحة الضفة الغربية.
ووصف سموتريتش هذه التغييرات بأنها خطوة نحو "تطبيع" حياة المستوطنين في الضفة الغربية بحيث لا يعودون "مواطنين من الدرجة الثانية" في المنطقة.
وحذر ناشطون من أن مطالبة الفلسطينيين بإثبات ملكية الأراضي في ظروف سيكون من شبه المستحيل على معظمهم تلبيتها، سيجعل من الأسهل على الدولة السيطرة على مساحات شاسعة من الضفة الغربية ثم تخصيصها للمستوطنين.
اظهار أخبار متعلقة
وقال يهودا شاؤول، المدير المشارك لمركز أوفيك الإسرائيلي للشؤون العامة: "اليوم، إذا أرادت الدولة إعلان أرض ما كأرض دولة، فعليها إثبات أنها غير مزروعة. أما في عملية تسوية الملكية، فإن عبء الإثبات ينتقل إلى الفلسطينيين، وأي أرض لا يُثبت أنها خاصة تذهب تلقائيًا إلى الدولة".
ويخشى كثير من الفلسطينيين أن يكون الهدف النهائي لدولة الاحتلال هو طردهم بالكامل.
وبينما ظل نتنياهو غامضًا بشأن نواياه تجاه الضفة الغربية، كان سموتريتش واضحًا منذ فترة طويلة بشأن رغبته في القضاء على أي أمل بقيام دولة فلسطينية.
ففي شباط/ فبراير، قال إن حكومة الاحتلال الإسرائيلية المقبلة ينبغي أن "تشجع هجرة" الفلسطينيين من الضفة الغربية، مدعيا أنه "على المدى الطويل، لا يوجد حل آخر".
وقال عيسى عمرو، وهو ناشط يعيش في الخليل، في إشارة إلى التهجير الجماعي للفلسطينيين خلال حرب 1948 التي رافقت تأسيس دولة الاحتلال: "الخوف من الترحيل موجود في ذهن الفلسطينيين".
وأضاف: "يوقفني الناس في الشارع ويسألون: هل سيتم ترحيلنا من الضفة الغربية؟ هذا الخوف يلازمك طوال الوقت".