رغم الجدل المستمر الذي أثارته تقارير حقوقية من احتمالية تعرض 9 ملايين بريطاني لسحب جنسيتهم بموجب التشريعات الحالية، دافعت الحكومة البريطانية عن القانون، رغم إقرارها بأنه يُطبَّق بصورة غير متساوية على بعض فئات المواطنين.
وكشف تحقيق نشرته منصة "Zeteo UK" أن وزير دولة في وزارة الداخلية البريطانية أقرَّ في رسالة اطلعت عليها المنصة، بأن صلاحيات سحب
الجنسية تؤدي إلى معاملة مختلفة للمواطنين البريطانيين من أصول مهاجرة أو من الأقليات العرقية، لكنه اعتبر هذا التفاوت "مبرراً" من الناحية القانونية، في ظل سعي الحكومة إلى حماية الأمن القومي.
وفي تعليق على التحقيق، كتب الصحفي البريطاني
مهدي حسن، مؤسس منصة "Zeteo"، عبر منصة "إكس"، أن الحكومة البريطانية "تبرر قانون إسقاط الجنسية رغم اعترافها بأنه غير عادل"، مشيراً إلى أن التحقيق يتضمن إقراراً من وزير في وزارة الداخلية بأن القانون يميز في تطبيقه بين المواطنين وينتقص من حقوق الأقليات في
بريطانيا.
وترى العديد من المنظمات الحقوقية أن التشريعات الحالية تمنح وزارة الداخلية صلاحيات واسعة قد تؤدي إلى خلق نظام مواطنة متفاوت، يكون فيه بعض البريطانيين أكثر عرضة لفقدان جنسيتهم من غيرهم.
انتقد القانون وبرر تطبيقه!!
الجديد في الرسالة التي نشرتها المنصة هو كشفها أن وزير دولة في وزارة الداخلية البريطانية أقر بأن قانون سحب الجنسية يؤدي إلى معاملة غير متساوية للمواطنين البريطانيين من الأقليات العرقية، لكنه دافع عن هذا التفاوت، معتبراً أنه "مبرر".
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب رسالة بعث بها وزير الدولة في وزارة الداخلية البريطانية،
أليكس نوريس، فإن الحكومة تتمسك بقانون يجيز سحب الجنسية البريطانية من بعض المواطنين الذين يحملون جنسية أخرى أو يحق لهم الحصول عليها قانوناً، رغم إقرار الوزير بأن القانون غير عادل.
ويثير قانون سحب الجنسية مخاوف الأقليات في بريطانيا من أن يطالهم بشكل أو بآخر، في ظل توسع الحكومة في استعماله ومخاوف من صعود اليمين إلى الحكم في السنوات المقبلة، الأمر الذي يزيد من مخاطر هذا القانون ويحول بعض المواطنين البريطانيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وتطال تلك المخاوف 9 ملايين شخص بحسب تقرير سابق لمؤسسة "رونيميد ترست" المعنية بمكافحة العنصرية.
مواطنون من الدرجة الثانية!
ويستند
القانون البريطاني إلى مبدأ عدم جواز جعل أي شخص عديم الجنسية، وهو ما يعني أن
صلاحية سحب الجنسية لا تُمارس إلا بحق الأشخاص الذين يحملون جنسية أخرى بالفعل أو
يمكنهم الحصول عليها بموجب قوانين دولة أخرى، سواء عن طريق النسب أو الميلاد أو
غير ذلك من الأسس القانونية.
ويرى
منتقدو القانون أن هذا الإطار يجعل شريحة واسعة من البريطانيين المنحدرين من أصول
مهاجرة أو من الأقليات العرقية أكثر عرضة نظرياً لسحب الجنسية مقارنة بالمواطنين
الذين لا يملكون سوى الجنسية البريطانية، وهو ما يثير مخاوف من تكريس تفاوت في
الحماية القانونية بين المواطنين.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن هذه الصلاحيات
تُستخدم في حالات استثنائية ووفق ضوابط قانونية، ولا سيما عندما تكون هناك
اعتبارات تتعلق بالأمن القومي أو المصلحة العامة.
9 ملايين شخص قد يفقدون جنسيتهم البريطانية
وفي سياق متصل، حذرت دراسة مشتركة صادرة عن مؤسسة رانيميد تراست المعنية بمكافحة العنصرية ومنظمة ريبريف الحقوقية من الآثار الواسعة لقوانين سحب الجنسية في بريطانيا.
وخلصت الدراسة التي حملت عنوان: "المجردون من الجنسية: الانقسام حول المواطنة" (Stripped: The Citizenship Divide)، إلى أن ما يصل إلى 9 ملايين شخص في المملكة المتحدة قد يكونون عرضة لسحب جنسيتهم البريطانية بموجب التشريعات الحالية، بزيادة ثلاثة ملايين عن التقديرات السابقة.
وأشارت إلى أن ثلاثة من كل خمسة أشخاص من الأقليات العرقية قد يتأثرون بهذه الصلاحيات، مقارنة بشخص واحد فقط من كل عشرين بين البريطانيين البيض، ما يجعلهم أكثر عرضة للخطر بنحو 12 مرة.
وقالت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة رانيميد، شبنة بيغوم، إن القانون يمنح وزارة الداخلية صلاحيات تقديرية واسعة لسحب الجنسية، محذرة من أن التشريعات الحالية تفتقر إلى الضمانات الكافية لمنع إساءة استخدام هذه الصلاحيات.
كيف تُسحب الجنسية البريطانية؟
منح قانون الجنسية البريطانية لعام 1981، إلى جانب تعديلات تشريعية لاحقة، وزير الداخلية البريطاني صلاحية سحب الجنسية من بعض المواطنين في ظروف محددة، أبرزها إذا اعتُبر القرار "للمصلحة العامة" أو إذا ثبت أن الجنسية مُنحت بناءً على احتيال أو معلومات مضللة.
وتشمل الحالات التي قد تؤدي إلى سحب الجنسية قضايا تتعلق بالإرهاب أو التجسس أو الأنشطة التي تُعد تهديداً للأمن القومي، إضافة إلى الحالات التي يكون فيها الشخص قد أخفى معلومات جوهرية أو قدَّم بيانات غير صحيحة أثناء التقدم بطلب الحصول على الجنسية البريطانية.
وبوجه عام، لا يجوز سحب الجنسية إذا أدى ذلك إلى جعل الشخص عديم الجنسية، التزاماً بالاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المتحدة. إلا أن القانون يجيز، في ظروف استثنائية تتعلق بالأمن القومي، اتخاذ هذا الإجراء إذا كانت لدى السلطات أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشخص يستطيع الحصول على جنسية دولة أخرى.
اظهار أخبار متعلقة
ويُعد المواطنون الذين يحملون جنسيتين، أو الذين يحق لهم الحصول على جنسية أخرى بحكم النسب أو قوانين دولة أخرى، الأكثر عرضة لتطبيق هذه الصلاحيات، إذ إن سحب الجنسية منهم لا يؤدي عادةً إلى انعدام الجنسية.
المجلس الإسلامي البريطاني يحذر
وكان المجلس الإسلامي البريطاني (MCB) قد عبّر عن قلقه من اتساع صلاحيات الحكومة في سحب الجنسية البريطانية، معتبراً أن هذه السلطات تُطبَّق بشكل غير متناسب على المواطنين البريطانيين من أصول مهاجرة، ولا سيما المسلمين.
وقال المجلس: إن قوانين سحب الجنسية تُنشئ فعلياً نظاماً ذا مستويين للمواطنة، إذ يصبح البريطانيون الذين يحملون جنسية مزدوجة أو يحق لهم الحصول على جنسية أخرى أكثر عرضة لفقدان جنسيتهم مقارنة بغيرهم من المواطنين.
ودعا المجلس الحكومة إلى مراجعة التشريعات التي تمنح وزير الداخلية صلاحيات واسعة في هذا المجال، مطالباً بضمانات قانونية أكبر، وإخضاع قرارات سحب الجنسية لرقابة قضائية فعالة، بما يحمي مبدأ المساواة بين جميع المواطنين البريطانيين.