مقال في NYT: اليمين المتطرف يحدد الأجندة في بريطانيا

باتت أصوات بارزة تمتنع عن إدانة العنف مع ترسيخ اليمين المتطرف مكانته في السياسة البريطانية- الأناضول
باتت أصوات بارزة تمتنع عن إدانة العنف مع ترسيخ اليمين المتطرف مكانته في السياسة البريطانية- الأناضول
شارك الخبر
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا لأستاذ الاقتصاد السياسي جامعة غولدسميث في لندن ومؤلف كتاب "انهيار بريطانيا الليبرالية"، ويليام ديفيز، قال فيه إن حشودا من الرجال الملثمين اجتاحت أجزاء من بلفاست، أيرلندا الشمالية، الأسبوع الماضي، وأضرموا النار في السيارات والمنازل. كان هدفهم الرئيسي الأشخاص الملونين، وكان الدافع وراء ذلك هجوما بسكين وجهت السلطات على إثره تهمة إلى لاجئ سوداني.

وقبل ذلك بنحو أسبوع، اندلعت أعمال شغب عقب نشر لقطات من كاميرا مثبتة على زي شرطي تُظهر جريمة قتل هنري نواك، الطالب البالغ من العمر ١٨ عاما، في كانون الثاني/ ديسمبر الماضي في ساوثهامبتون، وهي مدينة تقع جنوب إنجلترا. أظهر الفيديو أن الشرطة قيدت نواك بالأصفاد وهو يحتضر بعد أن طعنه رجل بريطاني المولد من السيخ، كذب على الضباط في مكان الحادث، مدعيا زورا أن نواك هاجمه بدافع عنصري.

وذكّرت هذه الأحداث بأحداث صيف سابق. في عام 2025، استهدفت حشود منازل مهاجرين ومركزا ترفيهيا كان يُستخدم كمأوى طارئ في باليمينا، أيرلندا الشمالية، بعد اتهام مراهقين بمحاولة اغتصاب؛ أنكر المراهقان التهم وتحدثا عبر مترجم روماني. وأُسقطت التهم لاحقا. وفي عام 2024، سُرعان ما صُوِّر هجوم مروع بالسكين على فصل رقص للأطفال في ساوثبورت على أنه نتيجة لانفتاح بريطانيا على طالبي اللجوء، على الرغم من أن المعتدي وُلد في ويلز.

وتكرر وقوع حوادث كهذه في بريطانيا بشكل مُقلق، مُتبعة نمطا يُثير القلق بشأن مسار الديمقراطية البريطانية. أولا، تنتشر الشائعات والادعاءات والأكاذيب على وسائل التواصل الاجتماعي - وخاصة على منصة X، التي يبدو أن مالكها، إيلون ماسك، مُكرس بشكل غريب لتأجيج الصراع العرقي في بريطانيا. سرعان ما تتشكل رواية حول الجاني والأسباب السياسية الأوسع: تجاوزات الهجرة والليبرالية، ودولة وقوات شرطة متعاطفة مع الجميع باستثناء البريطانيين البيض. يتبع ذلك العنف.

اظهار أخبار متعلقة


ومع ترسيخ اليمين المتطرف مكانته في السياسة البريطانية، باتت أصوات بارزة تمتنع عن إدانة العنف، أو تبرره، أو حتى تبدو وكأنها تشجيعه.

وقد انتقل حزب الإصلاح القومي المناهض للهجرة، بقيادة نايجل فاراج، بثبات من الهامش إلى التيار الرئيسي. وبثمانية نواب في البرلمان، يتصدر الحزب استطلاعات الرأي باستمرار، ويُتوقع له على نحو متزايد الفوز في الانتخابات العامة المقبلة. ووصف فاراج رد فعل "قادتنا" على مقتل نواك بأنه دليل على "ثقافة التمييز الطبقي في هذا البلد، حيث تُعتبر حقوق وامتيازات البيض أقل أهمية من حقوق وامتيازات الأقليات العرقية"، وحث البريطانيين على الرد بـ"غضب عارم".

ورد حزب "استعادة بريطانيا" اليميني المتطرف بشكل أكثر وضوحا - والذي شكله النائب روبرت لوي، المنشق عن حزب الإصلاح، والذي حظي بتأييد  ماسك - على مقتل  نواك في منشور طويل على موقع X قال فيه: "كفى"، وأن إبقاء "الوحش" الذي قتله على قيد الحياة لا يخدم أحدا.

ومع تفكك الديمقراطية البريطانية التقليدية القائمة على حزبين، وتشتت الناخبين في خمسة أو ستة اتجاهات (قد يتصدر حزب الإصلاح استطلاعات الرأي، لكنه لا يحظى إلا بنحو 25% من التأييد)، انهارت الحدود التي كانت تميز يمين الوسط عن اليمين المتطرف. وكما يصف الكاتب دانيال تريلينغ في كتابه "إذا تسامحنا مع هذا"، فإن الأفكار والادعاءات العنصرية الصارخة، التي كانت مرفوضة تماما قبل عقد من الزمن، تنتشر الآن بين الصحف والسياسيين المحافظين وهم يكافحون لمواكبة خطاب التحريض الذي يروج له المؤثرون من اليمين المتطرف. ففي العام الماضي، على سبيل المثال، صرحت النائبة المحافظة الصاعدة كاتي لام لصحيفة التايمز اللندنية بأن على المقيمين الشرعيين "العودة إلى ديارهم"، مما سيجعل بريطانيا أكثر "تماسكا ثقافيا".

اظهار أخبار متعلقة


وذكر المقال أن "ثمة شعور مقلق في بريطانيا بأن اليمين وحده هو من يمتلك الزخم والقدرة على التأثير التي تنجح في هذا العصر الجديد من السياسة السريعة والمتشعبة. سواء في وستمنستر أو في الشارع، يبادر اليمين - بما فيه اليمين المتطرف - إلى وضع أجندة الأحداث، تاركا التيار الليبرالي السائد يدين أعمال العنف المتفرقة دون مواجهة المناخ السياسي والأيديولوجي الأوسع الذي يشجعها ويتغاضى عنها. ويبدو أن قلة فقط مستعدة، على سبيل المثال، للدفاع عن التقدم المحرز في جهود الحد من العنصرية في جهاز الشرطة على مدى الثلاثين عاما الماضية، وهي جهود يحمّلها اليمين مسؤولية وفاة  نواك".

وأضاف أن "عجز رئيس الوزراء كير ستارمر عن القيادة مشكلة معروفة. ويأمل خليفته الأرجح، عمدة مانشستر الكبرى، آندي بورنهام، في الفوز بمقعد في البرلمان هذا الأسبوع وتحدي قيادة  ستارمر. لكن إذا أصبح  بورنهام رئيسا للوزراء، فسيواجه المشكلة نفسها: كيف يتغلب على حالة الجمود التي اجتاحت المؤسسات الليبرالية".

وأكد أن "بريطانيا ليست غريبة على تحركات اليمين المتطرف أو العنف المنظم في الشوارع. ولبلفاست تاريخها الخاص والمميز. كان للجبهة الوطنية حضورٌ بارزٌ في سبعينيات القرن الماضي. وشكّلت شغب ملاعب كرة القدم آفة سيئة السمعة في ثمانينيات وتسعينيات القرن نفسه. وشابهت مسيرات "توحيد المملكة" الأخيرة - التي نظّمها المحرّض تومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون - جماهير كرة القدم الإنجليزية الثملة والعدوانية التي تلوّح بالأعلام، على سبيل المثال، في بطولة أمم أوروبا 2000 في بلجيكا وهولندا".

وأشار إلى أن "ما اختلف الآن هو الشعور بأهمية هذه العداوة للمهاجرين في السياسة البريطانية، على الرغم من أنه ليس من الواضح على الإطلاق أن سياسات اليمين المتطرف تحظى بتأييد أغلبية البريطانيين".

وقد بات صعود اليمين المتطرف في بريطانيا يبدو حتميا، وكأنه يمكن تأخيره أو إبطاؤه، لكن لا يمكن عكس مساره أبدا. ويحتاج معارضوه بشدة إلى قادة وحركات خاصة بهم إذا أرادوا إثبات قدرتهم على فعل أكثر من مجرد الاستسلام لليأس.
التعليقات (0)