من تضخيم السلطة إلى تهميش الأمة.. قضايا ملحّة لمراجعة فقه السياسة الشرعية

في الموروث من الفقه السياسي تضخيم كبير لمؤسّسة رئاسة الدولة، سواء من حيث المواصفات التي يُشترط توفّرها في الرئيس، أو من حيث الصلاحيات التي تفوّض إليه..
في الموروث من الفقه السياسي تضخيم كبير لمؤسّسة رئاسة الدولة، سواء من حيث المواصفات التي يُشترط توفّرها في الرئيس، أو من حيث الصلاحيات التي تفوّض إليه..
شارك الخبر
في إطار الورقة البحثية التي يقدّمها الكاتب والباحث التونسي الدكتور عبد المجيد النجار، المتخصص في الفكر الإسلامي، والتي تنشرها "عربي21" بالتزامن مع نشرها على صفحته في منصة فيسبوك، تتناول هذه الحلقة الجانب التطبيقي النقدي من مراجعة الفقه السياسي الإسلامي.

وتنتقل الورقة هنا من بيان دواعي المراجعة وأسسها إلى تفكيك عدد من القضايا المركزية التي شكّلت بنية هذا الفقه عبر التاريخ، وفي مقدّمتها تضخيم مؤسسة رئاسة الدولة، وتهميش دور الأمة في الاختيار والمحاسبة، وما نتج عن ذلك من اختلالات في الثقافة والممارسة السياسية. وتسعى هذه الحلقة إلى فتح أفق اجتهادي يعيد وصل الفقه السياسي بروحه المقاصدية، ويؤسس لتصوّر أكثر اتساقًا مع قيم العدل والشورى وسيادة الأمة.


2 ـ قضايا للمراجعة في فقه السياسة الشرعية

بناء على ما تقرّر من ضرورة لمراجعة الفقه السياسي، وبناء على الأسس الاجتهادية التي شرحنا بعضا منها آنفا يمكن مراجعة الكثير من القضايا التي تضمّنها الفقه السياسي وخاصّة منها تلك القضايا الأصول التي تشكّل البناء الأساسي لهذا الفقه، والتي تتفرّع عنها جملة كبيرة من التفاصيل والفروع. وإذ لا يسمح المجال في هذه الورقة بتفصيل ما ينبغي مراجعته من قضايا هذا الفقه السياسي، فإننا نعرض تاليا بعض النماذج من القضايا الهامّة التي يتعيّن فيما نقدّر البدء بمراجعتها لما تمثّله من أهمّية في البناء السياسي بصفة عامّة، وما تمثّله من أهمّية بالنسبة للواقع السياسي الذي عليه المسلمون اليوم بصفة خاصّة. وسنكتفي في هذه القضايا بالإشارة إلى أهمّ المفاصل فيها التي نراها جديرة بالمراجعة بحسب ما تقتضيه الأوضاع السياسية الراهنة.

أ ـ رئاسة الدولة

 في الموروث من الفقه السياسي تضخيم كبير لمؤسّسة رئاسة الدولة، سواء من حيث المواصفات التي يُشترط توفّرها في الرئيس، أو من حيث الصلاحيات التي تفوّض إليه، ويكاد يكون تاريخ الدولة الإسلامية قد بني في الواقع على ذلك. وإذا كان الشرع قد أحاط منصب الإمامة أو الخلافة بقسط مقدّر من المهابة بما كلّفه به من مهمّة حراسة الدين، وما فرض في حقّه من الطاعة، فإنّ الفقه السياسي كما يبدو لنا قد ضخّم من ذلك المنصب بما تجاوز به مقصد استتباب وحدة الأمّة على أساس العدل المنتج للعمران إلى ما يغري الرئيس بأن يمارس الاستبداد.

ففي الفقه السياسي تشترط في الترشّح لمنصب الرئاسة شروط كثيرة تنحو في مجملها المنحى الإيماني والأخلاقي والعلمي كما هو معلوم، وهو ما لخصه عضد الدين الإيجي مجاريا فيه من جاء قبله بقوله: " الجمهور على أنّ أهل الإمامة مجتهد في الأصول والفروع ليقوم بأمور الدين، ذو رأي ليقوم بأمور الملك، شجاع ليقوى على الذبّ عن الحوزة"، وقد ظلّت هذه الشروط تتردّد في مؤلّفات السياسة الشرعية منذ الماوردي إلى عصرنا الحاضر.

ولقد كان لهذه الشروط التي ينبغي أن تتوفّر في رئيس الدولة أثر بالغ في حجم الصلاحيات التي أوكلت إليه، وفي الطريقة التي يمارس بها الحكم، إذ بناء عليها فيما تتضمّنه من نقاء أخلاقي وقدرات ذاتية وعلمية تنزع منزع المثال الذي قد لا يكون متحقّقا في الواقع قد أوكل إليه التصرّف في شؤون الأمّة باجتهاده تصرّفا يشبه أن يكون مطلقا في نطاق ما هو مسموح به في الشرع، وليس في هذا الفقه من أحكام الشورى المقيّدة لتصرّف الرئاسة قدر ذو بال، وإن وُجد شيء من ذلك فإنّ الشورى المعلمة لا الملزمة كانت هي الصوت الأعلى فيه، وهو ما جرى الأمر عليه في واقع الحكم في الدولة الإسلامية طيلة تاريخها إلاّ في الأقلّ.

ويبدو أنّ الفقه السياسي الإسلامي كان ينحو في هذا الشأن المنحى المثالي المجرّد من جهة، ومنحى اتّقاء الفتنة والسطوة  من جهة أخرى، إذ كأنّ الشروط الإيمانية والأخلاقية المشروطة في الإمام اتُّخذت مبرّرا لتوسيع سلطته، واعتبرت ضمانا للالتزام بالعدل والابتعاد عن الاستبداد، فأُوكل الإمام إذن في تصرّفاته إلى تقواه وعلمه وقوّته، وانحسرت بذلك الأحكام الشرعية المقيّدة لتلك التصرّفات من خارج ذات الإمام مثل أحكام الشورى وما في حكمها.

وفي هذا الصدد يمكن في سبيل المراجعة العودة إلى نصوص الشرع وإلى واقع ما جرى به التاريخ، فقد جاءت الآيات القرآنية المقيّدة لتصرّفات الإمام بالشورى صريحة بيّنة كما في قوله تعالى: "وشاورهم في الأمر" آل عمران / 159) وفي قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" ( الشورى / 38)، وجاءت السيرة النبوية مطبّقة لذلك على وجه قطعي، إذ لم يكن صلّى الله عليه وسلّم يقطع برأي في الشأن السياسي إلاّ عن مشورة من أصحابه، وكثيرا ما كان يتصرّف بمقتضى رأيهم المخالف لرأيه، والتزم ذلك النهج الخلفاء الراشدون في عموم تصرّفاتهم، ثمّ بيّن التاريخ أنّ الإمام حينما يُوكل إلى شروط التقوى والعلم حتى وإن كانت متحقّقة فيه بالفعل دون الرقابة الخارجية من الأمّة فإنّ شهوة السلطان سريعا ما تسقط بالكثير من الرؤساء في مهاوي الاستبداد.

إنّ هذا التأصيل من جهة، وهذه العبرة التاريخية من جهة أخرى يدفعان إلى ضرورة أن يتّجه الفقه السياسي في شأن الرئاسة وجهة التأسيس للأحكام الشرعية التي تضمن أن يتصرّف رئيس الدولة في شؤون الأمّة تصرّفا شوريا، وذلك ابتداء من إضافة شرط من شروط اختياره متمثّلا في أن يكونالمرشّح للرئاسة مؤمنا بالشورى معروفا بممارسته الفعلية لها، ومرورا باستحداث المؤسّسات الأهلية التي يكون لها دور الشورى الملزمة له، والرقابة الدقيقة عليه، وانتهاء إلى أن يكون إخلاله بالشورى سببا كافيا لعزله عن منصب الرئاسة، وهو الأمر الذي لم يرد له ذكر في أحكام الفقه السياسي، سواء فيما يتعلّق بشروط التولية أو بأسباب العزل  ، والحال أنّ الاستبداد بالرأي هو السبب الأكبر لجلّ المفاسد التي تنشأ في ممارسة الحكم.

وكما كان لمنصب رئيس الدولة في الفقه السياسي من صلاحيات واسعة تميل إلى أن يكون مستبدّا بها دون مشورة الأمّة، فإنّ مبدأ الرقابة عليه في تصرّفاته ومحاسبته على أداء مهمّته لم يكن لها حظّ يذكر في هذا الفقه، وإذا ما كان لها ذكر فإنها تكاد تقتصر على المناصحة الوعظية التي تخلو من معنى الإلزام، فضلا عن أن تُختطّ لتلك المراقبة خطّة منظمة من هيئة معلومة أو مجلس محدّد، وإنما تُركت هذه المناصحة مرسلة في الأمّة، وإن تكن متّجهة إلى العلماء بالدرجة الأولى. ولمّا كان وضع الرقابة على هذا النحو من الضعف في الفقه السياسي، فإنّها لم يكن لها في الواقع تحقّق فعلي سوى بعض المأثورات من النصائح والمواعظ لهذا الإمام أو ذاك من رؤساء الدول الإسلامية .

وقد كان الأمر كذلك أيضا بالنسبة لعزل الإمام، فهو أمر جرى فيه الفقه السياسي مجرى التضييق البالغ، واشترطت فيه اشتراطات مشدّدة أوشكت أن تضفي على هذا المنصب صفة القداسة، حتى لقد ذهب الماوردي إلى أنّ الإمام إذا أصابه مرض يُفقده عقله بصفة ملازمة كالجنون والخبل فإنه لكي يصبح سببا كافيا لعزله عن الإمامة ينبغي أن يكون غيابَ عقل مستديما  لا تتخلّله إفاقة.

ومن مظاهر التشدّد في عزل الإمام أنّ العزل لا يتمّ إذا ما جُرحت عدالته، أو انحرفت عقيدته بتأويل، وهو ما رواه الفراء ويبدو أنّه يوافق عليه، إذ يقول:" فإن كان جرحا في عدالته وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات، اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ". ولا يفوت في هذا المقام التذكير برأي القرطبي الآنف الذكر، الذي يجعل إخلال الإمام بالشورى مبررا لعزله، فهو رأي متقدّم جدا بالنسبة لما ساد في هذا الشأن في الفقه الشرعي.

ويبدو أنّ التشدّد في عزل الإمام على النحو الذي وصفنا من أهمّ أسبابه التحسّب لما قد يحدث عن العزل من الفتنة التي تضرّ بمصلحة المسلمين عموما؛ ولهذا فقد صيغ للعزل مقياس دقيق يطبق عليه، وهو أن العزل يتمّ ميزان المصلحة والمفسدة، فإذا ما كان يستجمع أسبابه، وكانت الفتنة الحاصلة منه أشدّ ضررا من ضرر إخلال الإمام  بالأمانة فإنه لا يجوز، وإذا كان العزل يسبّب فتنة ضررها أقلّ مما يسببه البقاء على الإمامة، فإن العزل يكون جائزا. ولكنّ هذا المقياس على مشروعيته فإنّه آل أمره إلى شيء من التناسي، ويكاد يكون قد استقرّ الحال في الفقه السياسي على التشدّد في العزل إلى ما يقارب المنع.

تقرّر في الفقه السياسي أنّ أمور الأمّة في الاختيار موكول إلى فئة قليلة من أفرادها تسمّى بأهل الحلّ والعقد، وهو مصطلح غير محدّد المعالم، وقد ينتهي مدلوله في بعض الأحيان إلى الرجل الواحد كما أشار إلى ذلك إمام الحرمين في موضع آخر من كتابه الغياثي حينما جعل الإمامة قد تنعقد للإمام بمبايعة رجل واحد إذا كان مطاعا في قومه قادرا على نصرة الإمام وحمايته، وفي ذلك يقول: " إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع مطاع في قومه، وكانت منعته تفيد ما أشرنا إليه [ من نصرة الإمام وحمايته ] انعقدت الإمامة".
وقد كان لهذا التضخّم في رئاسة الدولة من جميع أطرافها أثر في الثقافة السياسية للمسلمين، بل امتدّ هذا الأثر من رئاسة الدولة إلى كلّ رئاسة في المؤسسات الاجتماعية، وهو الأثر المتمثّل في الاستبداد بالرأي، وفي التشبّث بموقع الرئاسة، ويكاد يستوي في ذلك حملة الفكرة الإسلامية مع العلمانيين الذين لم تستطع العلمانية أن تحمل إليهم مع قيمها القيم السياسية التي أقرّها الفقه السياسي الغربي فيما يتعلّق برئاسة الدولة من حيث النيابة عن الشعب والتداول على السلطة والرقابة والمحاسبة، وهي القيم التي يلتقي فيها الفقه السياسي الوضعي مع المبادئ السياسية الإسلامية، ولكنّ الفقه السياسي الموروث فيما أحدثه من تشكيل ثقافي سياسي للعقول أدّى إلى هذا الوضع الذي عليه المسلمون في واقعهم السياسي، ولا إخال هذا الوضع يتغيّر إلا بمراجعة للفقه السياسي تؤدّي إلى تغيّر في الثقافة السياسية ليعود تصوّر مؤسّسة رئاسة الدولة إلى ما تقتضيه المبادئ الإسلامية...

وقد كان الأمر كذلك أيضا بالنسبة لعزل الإمام، فهو أمر جرى فيه الفقه السياسي مجرى التضييق البالغ، واشترطت فيه اشتراطات مشدّدة أوشكت أن تضفي على هذا المنصب صفة القداسة، حتى لقد ذهب الماوردي إلى أنّ الإمام إذا أصابه مرض يُفقده عقله بصفة ملازمة كالجنون والخبل فإنه لكي يصبح سببا كافيا لعزله عن الإمامة ينبغي أن يكون غيابَ عقل مستديما  لا تتخلّله إفاقة، أما إذا كان غيابا تتخلله إفاقة " فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يُمنع من عقد الإمامة واستدامتها، ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل... فقيل يُمنع من استدامتها .. وقيل لا يُمنع من استدامة الإمامة"، ومعنى هذا الكلام أنّ الإمام إذا كان يغيب عقله بجنون عشر ساعات في اليوم والليلة يمكن فإنه يمكن أن يبقى مع ذلك إماما، ولا يعزل ليُستعاض عنه بغيره، وذلك رأي في منتهى الفساد فيما نقدّر.

ومن مظاهر التشدّد في عزل الإمام أنّ العزل لا يتمّ إذا ما جُرحت عدالته، أو انحرفت عقيدته بتأويل، وهو ما رواه الفراء ويبدو أنّه يوافق عليه، إذ يقول:" فإن كان جرحا في عدالته وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات، اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ". ولا يفوت في هذا المقام التذكير برأي القرطبي الآنف الذكر، الذي يجعل إخلال الإمام بالشورى مبررا لعزله، فهو رأي متقدّم جدا بالنسبة لما ساد في هذا الشأن في الفقه الشرعي.

ب ـ سلطان الأمّة

وإذا كان الأمر على هذا النحو من استبعاد الأمّة عن ممارسة حقّها في اختيار رئيس الدولة الذي هو أمر يهمّ كلّ فرد من أفرادها، فإنّ استبعادها عن ممارسة حقوقها في الاختيار الحرّ فيما هو أدنى من ذلك قد كان أوسع وأشمل، حتى أصبحت الأمّة في مجملها تكاد لا تظفر بحقّ في أن يكون لها رأي تختار به الرؤية التي تريدها منهجا لحياتها، وقد حُوّلت تلك الصلاحية لرئيس الدولة، أو لقلّة قليلة من أفراد المجتمع الإسلامي. وقد استحدث الفقه السياسي لتضييق سلطان الأمّة في إنفاذ إرادتها ثلاث وسائل فعّالة هي: أهل الحلّ والعقد، وتولية العهد، والشوكة.

أولا ـ أهل الحلّ والعقد

 تقرّر في الفقه السياسي أنّ أمور الأمّة في الاختيار موكول إلى فئة قليلة من أفرادها تسمّى بأهل الحلّ والعقد، وهو مصطلح غير محدّد المعالم، وقد ينتهي مدلوله في بعض الأحيان إلى الرجل الواحد كما أشار إلى ذلك إمام الحرمين في موضع آخر من كتابه الغياثي حينما جعل الإمامة قد تنعقد للإمام بمبايعة رجل واحد إذا كان مطاعا في قومه قادرا على نصرة الإمام وحمايته، وفي ذلك يقول: " إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع مطاع في قومه، وكانت منعته تفيد ما أشرنا إليه [ من نصرة الإمام وحمايته ] انعقدت الإمامة".

 وقد ظلّ هذا الرأي سائدا في فقه السياسة الشرعية إلى هذا العهد، متسرّبا إلى العقول ضمن الثقافة السياسية المتشكّلة بفكرة استبعاد الأمّة وحلول أهل الحلّ والعقد محلّها، ولو كان عددهم قد ينتهي إلى الفرد الواحد. وقد كنت أقوم بتجربة شخصية في هذا الشأن تتمثّل في اختبار أجريه على طلبتي في جامعات عربية وإسلامية مختلفة ومتباعدة في المكان، وذلك بأن ألقي عليهم بصدد تدريس مادّة النظام السياسي في الإسلام سؤالا عمّن هو صاحب الحقّ في اختيار رئيس الدولة، وقد كان الجواب في الغالب الأعمّ يأتي بأنّ صاحب هذا الحقّ في ذلك هم أهل الحلّ والعقد وليس عموم الأمّة، وذلك ما يدلّ على عمق التأثير للفقه السياسي الموروث في الثقافة السياسية للمسلمين.

حينما يتمحّض معنى أهل الحلّ والعقد للدلالة على عدد محدود من أفراد الأمّة قد ينتهي إلى الفرد الواحد، وحينما يخلو من أيّ معنى للنيابة الحقيقية عن مجموع الأمّة، فإنّ الأمر ينتهي إلى استبعاد الشطر الأعظم من الأمّة من مواقع الاختيار فيما هو شأن يهمّ جميع أفرادها مثل شأن اختيار رئيس الدولة وعقد البيعة له.
وأما تأويل أهل الحلّ والعقد بأنهم ممثلون لمجموع أفراد الأمّة، وكلاء لهم أو نوّاب عنهم، فهو تأويل من قِبل بعض الفقهاء السياسيين المحدثين يندرج ضمن المراجعة التي ندعو إليها، ولم نعثر له على أثر في التراث الفقهي.

وحينما يتمحّض معنى أهل الحلّ والعقد للدلالة على عدد محدود من أفراد الأمّة قد ينتهي إلى الفرد الواحد، وحينما يخلو من أيّ معنى للنيابة الحقيقية عن مجموع الأمّة، فإنّ الأمر ينتهي إلى استبعاد الشطر الأعظم من الأمّة من مواقع الاختيار فيما هو شأن يهمّ جميع أفرادها مثل شأن اختيار رئيس الدولة وعقد البيعة له.

وقد كان الأمر كذلك بالفعل كما قرّره أغلب فقهاء السياسة الإسلامية، ومن ذلك ما ذهب إليه الماوردي في بيان أهل المسؤولية في عقد الإمامة حيث قال:" خرج من الناس فريقان: أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمّة، والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريفين من الأمّة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم"، وذلك أيضا ما انتهى إليه إمام الحرمين إذ يقول: "ما نعلمه قطعا أنّ النسوة لا مدخل لهنّ في تخيّر الإمام وعقد الإمامة.. ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنّه ما كان لهنّ في هذا المجال مجال في منقرض العصور ومرّ الدهور.. ولا تعلّق له بالعوامّ الذين لا يُعدّون من العلماء وذوي الأحلام، ولا مدخل لأهل الذمّة في نصب الأيمّة". وهكذا فإنّنا نكاد ننتهي في تقدير مؤسّسة أهل الحلّ والعقد وما أُنيط بها من دور في الفقه السياسي إلى تقرير أنّها ليست إلاّ مؤسّسة استحدثها هذا الفقه ليسحب من الأمّة سلطانها في اختيار رؤاها واختيار من تعهد له بتنفيذها.

ثانيا ـ ولاية العهد

وقد أصبح هذا الحكم هو الأشهر في فقه السياسة الشرعية من حيث أصل التقرير الفقهي، وإذا كان قد انتشر فيه رأي ينتقد الحكم بشرعية ولاية العهد، فإنه يتبيّن عند التمحيص أنّه رأي لا يتّجه بالنقد إلى أصل الحكم، وإنما يتعلّق بأحداث جرى بها الواقع، وحصل فيها عقد ولايات للعهد جرت على إخلال بشروط الإمامة في العاهد بها أو في المعهود إليه، وهو ما يظهر جليا في تقرير إمام الحرمين حينما حكم بشرعية ولاية العهد في الأصل ثم قال:" ولم أر التمسّك بما جرى في العهود من الخلفاء إلى بنيهم؛ لأن الخلافة بعد منقرض الأربعةالراشدين شابتها شوائب الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحق في الإمامة مرفوضا، وصارت الإمامة ملكا عضوضا" .

وحينما يُسند حقّ اختيار رئيس الدولة المستقبلي، وعقد البيعة له إلى رئيس الدولة الحالي، فإنّ ذلك معناه أنّ هذا الحقّ سُلب من الأمّة جمعاء وأُسند إلى شخص واحد منها، وهو الإمام العاهد، وحينما يكون أهل الحلّ والعقد غير مخوّلين لتزكية هذا الاختيار، وغير مطلوب رضاهم عنه كما هو الرأي الغالب، فإنّه مهما يكن من كونهم لا يمثّلون الأمّة حقّ التمثيل كما شرحناه آنفا إلا أنّه يُعتبر إيغالا في سلبها سلطانها في هذا الأمر الذي يكاد يتوقّف عليه كلّ سلطان لها في أيّ أمر من أمور حياتها، باعتبار أنّ الحقّ في اختيار الإمام تكاد تتوقّف عليه كلّ الحقوق السياسية الأخرى.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم

خبر عاجل