تقرير إسرائيلي يوثق شهادات جنود على جرائم صادمة ارتكبت بغزة

أحد الجنود أُدخل إلى جناح للأمراض النفسية بعد يومين من كشفه لشهادته- جيتي
أحد الجنود أُدخل إلى جناح للأمراض النفسية بعد يومين من كشفه لشهادته- جيتي
شارك الخبر
تكشف شهادات لجنود إسرائيليين "معاناة نفسية" من نوع مختلف، لا تندرج فقط تحت اضطراب ما بعد الصدمة، بل تمتد إلى ما يُعرف بـ"الإصابة الأخلاقية" الناتجة عن أفعال ارتكبت أو مشاهدات شهدوها وتتعارض مع أبسط الأخلاق الإنسانية.

وتحدث عدد من الجنود لصحيفة "هآرتس" عن صراع عميق مع الذنب والعار والأسئلة التي لا تجد إجابات بسبب خدمهم في الجيش خلال حرب الإبادة.

وجاء في مطلع التقرير الإسرائيلي: "بعضهم قتل مدنيين في غزة؛ وآخرون اكتفوا بالمشاهدة، أو شهدوا إساءات وعمليات تستر جرت باسم الانتقام. والآن يحاولون التكيف مع شيء مختلف قليلاً عن اضطراب ما بعد الصدمة".

يوفال (اسم مستعار كما هي حال جميع الأسماء في هذا التقرير) يجلس وهو يقضم أظافره، وساقاه لا تكفان عن الحركة. الوقت ظهرًا في تل أبيب والشارع يعج بالناس. ينظر أحيانًا حوله بقلق، متفحصًا وجوه المارة. يقول: "آسف. أكبر مخاوفي هو ثأر".

ولم يولد يوفال في عائلة إجرامية، وليس مجرمًا. يبلغ من العمر 34 عامًا، نشأ في ضاحية رمات هشارون قرب تل أبيب، وأصبح مبرمج حاسوب. حتى وقت قريب كان يعمل في إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، لكنه لم يذهب إلى عمله منذ أشهر.

اظهار أخبار متعلقة


يقول: "كنت في الجحيم، لكنني لم أكن مدركًا لذلك." الجحيم الذي يتحدث عنه كان في خانيونس جنوب قطاع غزة، عندما كان جنديًا في كانون الأول/ ديسمبر 2023.

يقول: "كانت الغارات الجوية مستمرة طوال الوقت. تسقط قنبلة تزن طنًا غير بعيد عنك فترتجف من الداخل".

كانت وحدته تتقدم غربًا نحو مركز المدينة. "كان هناك قتال عنيف... تعمل كأنك على الطيار الآلي. لا تطرح أسئلة".

الأسئلة لم تأتِ إلا بعد أشهر، لتطارده. يقول: "ليس لدي إجابات جيدة؛ ليس لدي أي إجابات على الإطلاق. لا يوجد غفران لما فعلته. لا تكفير". 

وقع الحادث قرب شارع صلاح الدين، الطريق الرئيسي في غزة. رصدت إحدى الفصائل عبر طائرة مسيّرة "أشخاصًا مشبوهين". تقدمت وحدة يوفال بسرعة.

يقول: "كنت أطلق النار كالمجنون، كما يعلمونك في تدريبات الفصيلة في التدريب الأساسي." ويضيف: "ربما بطريقة ما أريد أن أموت، لأُنهي الأمر. لا أقتل نفسي لأنني وعدت أمي، لكنني أعترف أنني لا أعرف كم يمكنني أن أستمر".

عندما وصلوا إلى الموقع، أدرك أن الأشخاص لم يكونوا مسلحين. يقول: "عندما وصلنا إلى وجهتنا، أدركت أن هؤلاء لم يكونوا إرهابيين. كان هناك رجل مسن وثلاثة فتيان، ربما مراهقين. لم يكن أي منهم مسلحًا. لكن أجسادهم كانت مثقوبة بالرصاص؛ كانت أعضاؤهم تتدلى. لم أر شيئًا كهذا عن قرب من قبل.

أتذكر أن الصمت خيم؛ لم ينطق أحد بكلمة. ثم جاء قائد الكتيبة مع رجاله، وبصق على الجثث وصرخ: 'هذا ما يحدث لكل من يعبث مع إسرائيل، أيها الأوغاد.' كنت في صدمة، لكنني التزمت الصمت لأنني جبان". 

سُرّح يوفال بعد نحو ثلاثة أشهر. أخذ إجازة أسبوعين ثم عاد إلى عمله. يقول: "أقاموا لي حفلة عندما سُرحت، وصفقوا لي وسموني بطلاً. لكنني شعرت أنني وحش. لم أستطع تحمل ما قالوه لي. شعرت أنهم لا يدركون أنني لست شخصًا جيدًا؛ بل العكس".

حاول لأشهر أن يتمسك بوظيفته، هربًا من الثقل الذي يجثم على صدره، لكنه استسلم. الشعور بالعار ازداد سوءًا.

يقول: "أحاول ألا أغادر المنزل، وإذا خرجت أرتدي سترة بغطاء للرأس كي لا يتعرف عليّ أحد. حتى إنني تخلصت من المرايا. لا أحتمل النظر إلى نفسي. لدي خوف عميق من أن ينتقم مني أحد لما فعلته، رغم أنني أدرك أن هذا مستحيل. من في غزة يمكنه أن يجدني؟ ومن يعرف أنه أنا؟
ربما بطريقة ما أريد أن أموت، لأُنهي الأمر. لا أقتل نفسي لأنني وعدت أمي، لكنني أعترف أنني لا أعرف كم يمكنني أن أستمر".

وبعد يومين من حديثه للصحيفة، أُدخل يوفال إلى جناح للأمراض النفسية.

اظهار أخبار متعلقة


مايا، التي تعيش في وسط تل أبيب وتدرس الفلسفة، خدمت مئات الأيام كضابطة موارد بشرية في كتيبة مدرعات في الاحتياط خلال الحرب على غزة. تقول: "لا يوجد رابط بين حياتي اليومية وخدمتي في الاحتياط. إنهما عالمان مختلفان، بأشخاص مختلفين. وبصراحة، أتصرف أيضًا بشكل مختلف، وأتحدث بشكل مختلف. الأمر يشبه قليلًا دكتور جيكل والسيد هايد.

خلال الحرب، تعرضت لقتل أبرياء – أمور صادمة لو قرأت عنها في الصحيفة لصرخت، لكن في الاحتياط مرت عليّ وكأنها لا شيء".

وتروي حادثة في موقع عسكري جنوب غزة: "كنت جالسة في غرفة القيادة. فجأة لاحظ الجنود خمسة فلسطينيين يعبرون خطًا لم يُسمح لهم بتجاوزه، متجهين نحو شمال غزة.

عمّ الجنون المكان. كان هناك فوضى كبيرة. أعطى قائد الكتيبة أمرًا بإغراقهم بالنيران، رغم عدم التأكد من أنهم مسلحون. بدأت دبابة بإطلاق رشاشها عليهم. مئات الطلقات".

تقول إن أربعة منهم قُتلوا. "بعد ساعات قليلة، دفنتهم جرافة عسكرية في الرمال. وعندما سألت لماذا، قالوا إن ذلك كي لا تأكلهم الكلاب وتنشر الأمراض. أما الناجي فوُضع في قفص بالموقع، وقالوا علينا انتظار محقق من الشاباك".

وتضيف: "في الليل، ناداني بعض الجنود إلى القفص. كان الفلسطيني جالسًا هناك، مكبل اليدين ومعصوب العينين، وبدا أنه يتجمد من البرد.

فجأة أخرج أحد الجنود عضوه وبدأ يتبول عليه. قال له: 'هذا من أجل بئيري يا حقير، هذا من أجل نوفا.' لم يتوقف أحد عن الضحك. ربما ضحكت أنا أيضًا".

في اليوم التالي حضر محقق من الشاباك. "كان معه 10 دقائق وقال إنه مجرد شخص يحاول العودة إلى منزله في شمال غزة، ولا علاقة له بحماس، فأطلقوا سراحه".

لكن المشهد لم يفارقها. تقول: "شعرت بأنني منافقة، قذرة. كنت أستحم ثلاث مرات يوميًا؛ صورة عجزه لم تغادرني. أفكار تنهشني باستمرار – كيف وقفت هناك ولم أفعل شيئًا؟ كيف أنا، التي تتظاهر بالأخلاق وتتطوع مع اللاجئين وتشارك في الاحتجاجات، وافقت على ذلك؟ لماذا لم أقل شيئًا، وماذا يقول ذلك عني؟ ليس لدي جواب".

يتحدث خبراء عن تزايد حالات ما يسمى "الإصابة الأخلاقية"، وهي ليست مجرد اضطراب ما بعد الصدمة، بل جرح ناتج عن انتهاك عميق للقيم الأساسية.

يقول أحد القناصة: "عندما تطلق النار عبر منظار القنص، يبدو كل شيء قريبًا، كأنه لعبة كمبيوتر. لا تنسى وجوه الأشخاص الذين قتلتهم. يبقى ذلك معك.

منذ تسريحي، أتبول ليلًا في الفراش؛ أشعر أنني تُركت وحدي، وأن لا أحد يمكنه مساعدتي. قضيت شهرًا في المستشفى. حاولوا أن يشرحوا لي أنه يجب أن أتقبل الأمر، وأنك لا تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. سهل عليهم القول. هم ليسوا الأشخاص الذين يرون كلما أغمضوا أعينهم شخصًا يتلقى رصاصة في جبينه".

اظهار أخبار متعلقة


على المستوى الرسمي، لا تعترف وزارة الحرب بتشخيص "الإصابة الأخلاقية"، ويتم تصنيف الحالات غالبًا تحت اضطراب ما بعد الصدمة. لكن مختصين يؤكدون أن الفارق جوهري، وأن العلاج مختلف، إذ يتطلب العمل على تقبل الفعل ومصالحة الذات، وتعلم مسامحة النفس.

في المقابل، يخشى كثير من الجنود الإفصاح عما يشعرون به، خوفًا من وصمهم بالخيانة أو الضعف.
يقول أحدهم: "أحمل شعورًا ثقيلًا بالذنب، وأعتقد أن هناك كثيرين مثلي، لكنهم قرروا توجيهه إلى مكان آخر – إلى الانتقام".

وتبقى الأسئلة معلقة، بين صمت رسمي وروايات شخصية مثقلة بالعار، في مجتمع لا يزال منقسمًا حول معنى الحرب وحدود الأخلاق فيها.
التعليقات (0)