هل تتخلى الإمارات عن جوارها العربي مقابل توثيق تعاونها مع أمريكا و"تل أبيب"؟

رسخت الحرب خطا فاصلا بين الإمارات وبقية دول الخليج، ولا سيما السعودية- مجلس التعاون الخليجي
رسخت الحرب خطا فاصلا بين الإمارات وبقية دول الخليج، ولا سيما السعودية- مجلس التعاون الخليجي
شارك الخبر
نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالاً لأندرو ليبر، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة تولين والباحث غير المقيم بوقفية كارنيغي للسلام العالمي، تساءلا فيه إن كانت دولة الإمارات العربية المتحدة تستطيع العمل بمفردها؟.

وجاء في المقال أن سرباً من الطائرات المقاتلة شن في 8 نيسان/ أبريل هجوماً على مصافي نفط في جزيرة لافان الإيرانية، قبيل وقف إطلاق النار الذي كان من شأنه أن يوقف حملة جوية أمريكية "إسرائيلية" استمرت لأسابيع ضد إيران.

ولكن وفقاً لتقرير في صحيفة "وول ستريت جورنال"، لم تشارك أي طائرات تابعة للاحتلال أو أمريكا في هذه العملية. بل نفذتها الإمارات، الدولة الغنية بالنفط والواقعة قبالة إيران على طول الخليج العربي.

ورغم أن القادة الإماراتيين لم يؤكدوا مسؤوليتهم علناً عن الهجوم، إلا أن دوافع هذه الضربة والضربات السابقة كانت واضحة. فقد تحملت الإمارات أسابيع من هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، وسعت لردع أي عدوان إيراني آخر بإظهار قدرتها على الرد.

اظهار أخبار متعلقة


ووفقاً لمسؤولين أمريكيين، ردت السعودية أيضاً على الهجمات الإيرانية. إلا أن الخطاب المتشدد للإمارات خلال الحرب وحجم ردها ميزا ردها عن رد جيرانها. وخلال الحرب، أشاد المسؤولون الإماراتيون بصمود بلادهم، واستعدادها للتحرك واستقلاليتها على الساحة الدولية.

وشدد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، على ضرورة مواجهة إيران، التي وصفها بأنها "التهديد الرئيسي" للأمن الإقليمي. وأثنى على "نجاح الإمارات ونموذجها" في الصمود أمام الهجمات الإيرانية، مؤكداً أن البلاد "ستواصل التغلب على التحديات بثقة".

وخلال فترة وقف إطلاق النار، وبدلاً من التريث وانتظار نتائج المحادثات الأمريكية الإيرانية، انتقدت الإمارات العربية المتحدة دولاً أخرى في المنطقة لتقاعسها عن اتخاذ إجراءات سياسية أو عسكرية حاسمة ضد إيران في المرحلة الأولى من الحرب.

ثم، في 1 أيار/مايو، انسحبت أبوظبي من منظمة أوبك لفصل سياستها النفطية عن قرارات المنظمة. لطالما كانت الإمارات لاعباً إقليمياً مهماً، لكنها تسعى إلى الاعتراف بها كقوة رائدة تضاهي فرنسا أو اليابان، ولا تريد أن تعرقل الحرب في إيران هذا التحول.

بل على العكس، زادت الهجمات الإيرانية في الخليج من التزام القادة الإماراتيين باستراتيجيتهم التي اتبعوها قبل الحرب، وتراهن أبوظبي على أن توثيق العلاقات مع دولة الاحتلال، والابتعاد عن دول الخليج الأخرى والتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، سيسهم في تحقيق الأمن والنفوذ.

وأن التوسع الاقتصادي في أجزاء من أفريقيا سيساعد في تحقيق الازدهار. لكن على المدى البعيد، تخاطر هذه الاستراتيجية بعزل الإمارات عن بقية دول الخليج، وجعلها أكثر اعتماداً على شركاء أقوياء، مما يقيد خيارات الدولة بدلاً من تعزيز مكانتها.

وقال ليبر إن الإمارات سعت ولعقود من الزمن إلى استغلال موقعها كدولة ذات مؤسسات قوية في منطقة مضطربة لتعزيز مكانتها العالمية. فعلى الصعيد الأمني، تمثل ذلك في نشر قواتها العسكرية الصغيرة ذات الكفاءة العالية ومواردها المالية الضخمة لدعم حلفاء مثل اللواء خليفة حفتر في ليبيا.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تجلى ذلك في استخدام صناديق الثروة السيادية والشركات الوطنية الرائدة، مثل شركة موانئ دبي العالمية للخدمات اللوجستية أو شركة الذكاء الاصطناعي العملاقة جي42 لجذب التجارة وتدفقات رأس المال والتقنيات المتقدمة إلى أبوظبي ودبي. 

وفي مجال الدبلوماسية، تمثل ذلك في تقديم نفسها كأقرب شريك للولايات المتحدة وأكثرهم كفاءة في الخليج، مع تعزيز العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين، والعمل كقناة مالية لرؤوس الأموال الإيرانية والروسية الخاضعة للعقوبات.

ويرى المعلقون الإماراتيون أن الرهانات الاستراتيجية الكبيرة، حتى وإن كانت تنطوي على مخاطر تقلبات قصيرة الأجل، ضرورية لحماية الإمارات في منطقة تعاني من دول متداعية وهياكل قوى إقليمية عفا عليها الزمن.

على سبيل المثال، وصفت عالمة السياسة ابتسام الكتبي تدخلات الإمارات في السودان واليمن وغيرها بأنها "إدارة للتفكك لمنع الانهيار التام". وقد استندت إقامة العلاقات الدبلوماسية مع "تل أبيب" عام 2020 إلى منطق مماثل طويل الأمد.

وهو الأمر الذي أثار ردود فعل إقليمية غاضبة، ولكنه في الوقت نفسه منح الإمارات نفوذاً سياسياً في واشنطن، ورسخ علاقاتها مع أقوى جيش في الشرق الأوسط والدولة الوحيدة الحائزة على أسلحة نووية.

وقد مكنت الاحتياطيات المالية الضخمة أبوظبي من تجاوز الانتقادات الشعبية. ولا يُعد التطبيع مع الاحتلال السياسة الإماراتية الوحيدة غير الشعبية، فقد دعمت الإمارات قوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية تخوض منذ عام 2023 حرباً أهلية مروعة ضد الجيش السوداني.

وتبرر الدولة دعمها لقوات الدعم السريع بأنه وسيلة للحد من نفوذ الجماعات الإسلامية على القوات المسلحة السودانية، لكنها تأمل في نهاية المطاف في تشكيل حكومة سودانية صديقة تسهل وجوداً اقتصادياً وعسكرياً إماراتياً في القرن الأفريقي.

وفي الوقت نفسه، تستفيد أسواق الذهب في دبي من الوصول إلى المناجم التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. كما أثارت سياسة الإمارات استنكاراً دولياً واسعاً: فقد وصفها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في كانون الثاني/ يناير 2025، بأنها "دعم علني لكيان يرتكب إبادة جماعية".

كما تصدت دول أخرى للتدخل الإماراتي. ففي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عندما سعت ميليشيا مدعومة من الإمارات للسيطرة الكاملة على جنوب اليمن، اتهمت السعودية الإمارات علناً بتشجيع الميليشيا، وتدخلت عسكرياً لإعادة السيطرة على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

وفي دول مثل مصر وتنزانيا، اتهم باحثون ونشطاء شركة موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي بإزاحة النشاط الاقتصادي المحلي لصالح الإمارات.

ودفعت مخاوف مماثلة حكومة جيبوتي إلى إلغاء امتياز مدته 30 عاماً لشركة موانئ دبي العالمية في عام 2018، وطرد الشركة من البلاد وتأميم الميناء الذي كانت تديره بالكامل.

وتجاهل صناع القرار الإماراتيون إلى حد كبير الانتقادات الخارجية. فقد دافع علي النعيمي، عضو الهيئة الاستشارية شبه البرلمانية في الإمارات، عن الدولة باعتبارها الدولة الوحيدة المستعدة للتحرك "عندما يتردد الآخرون"، وأصر على أن سياساتها تمثل الفرصة الأخيرة والأفضل "لإعادة تعريف المنطقة".

ورغم أن الانتقادات الموجهة للسودان أثارت استياءً بالغاً دفع الإمارات إلى بذل جهود حثيثة لتجنب الإدانة في واشنطن والعواصم الأوروبية، إلا أن الدولة تمكنت من تجنب عواقب وخيمة لتورطها في الصراع من خلال مشاركتها اسمياً في عملية سلام تقودها الولايات المتحدة.

كما مكنت الاحتياطيات المالية الضخمة للإمارات أبوظبي من تجاوز الانتقادات العامة مع مواصلة بناء علاقات اقتصادية مع مجموعة واسعة من الشركاء، بغض النظر عن المخاوف التي قد تكون لدى واشنطن بشأن علاقات الإمارات بالشركات الصينية أو الروسية أو أمراء الحرب الأفارقة.

فقد كانت إدارة ترامب سعيدة بمنح الإمارات العربية المتحدة إمكانية الوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة على وعد باستثمارات إماراتية مستقبلية في الولايات المتحدة - إلى جانب مدفوعات إماراتية فعلية للشركات المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

لكن الحرب مع إيران الآن تُشكك في الافتراض الذي تقوم عليه استراتيجية الإمارات بشأن احتواء صراعات المنطقة خارج حدودها. ورغم تقلبات التوتر بين أبوظبي وطهران، اعتاد حكام الإمارات على اعتبار أن الردع الأمريكي وقيمة دبي كصمام أمان للاقتصاد الإيراني كفيلان بحماية الإمارات من أي خطر.

إلا أن غالبية الضربات الإيرانية التي شنتها طائرات مسيرة وصواريخ على دول الخليج، والتي تجاوز عددها 6,000 ضربة، استهدفت الإمارات تحديداً، ملحقةً أضراراً بالبنية التحتية التجارية كالفنادق والمطارات ومراكز البيانات، فضلاً عن المواقع العسكرية الأمريكية.

اظهار أخبار متعلقة


وقد استخدمت القوات الإماراتية تكنولوجيا الدفاع الجوي الأمريكية -ومعدات مُعارة من الاحتلال- بفعالية كبيرة، مما حدَّ من الخسائر في الأرواح المدنية. ومع ذلك، فقد تضررت سمعة الإمارات كملاذ آمن في نظر المستثمرين والزوار.

ولا تزال الدولة قادرة على تصدير كميات كافية من النفط للحفاظ على استقرار مواردها المالية، لكن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى ازدحام الموانئ الإماراتية وإخلاء الفنادق الفخمة. وصوّر مسؤولون إماراتيون القصف الإيراني على أنه لحظة فارقة.

إلا أنه بدلاً من إجراء تغيير جذري في السياسة، كقطع العلاقات مع "تل أبيب" أو شن هجوم علني على إيران، ردت الإمارات على الهجمات بتكثيف عناصر أساسية من استراتيجيتها السابقة للحرب.

فعلى سبيل المثال، باتت الإمارات تتجاهل بشكل متزايد قيمة الدول العربية الأخرى كشركاء أمنيين. ففي نيسان/أبريل، انتقد قرقاش أعضاء جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لتقاعسهم عن إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج بشكل واضح.

وفي وقت لاحق، انتقد مجلس التعاون الخليجي لموقفه "الضعيف"، وتحديداً لعدم توحده في مواجهة إيران. ولم يخفِ القادة والمعلقون الإماراتيون استياءهم من نهج السعودية التصالحي تجاه إيران في خضم الحرب. 

وكان توقيت انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك" في نفس يوم انعقاد قمة التكامل الإقليمي التي استضافتها السعودية بمثابة تجاهلٍ واضحٍ ومؤشرٍ على اتساع الفجوة.

وقد تجنبت مصر مثل هذا اللوم العلني، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى نشرها سرباً من الطائرات المقاتلة في الإمارات مطلع أيار/مايو. مع ذلك، لا يزال القادة الإماراتيون يشعرون بخيبة أمل؛ لأنه على الرغم من الدعم المالي الذي تقدمه الإمارات لمصر.

فقد نأى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنفسه عن إسرائيل، وأعطى الأولوية للبحث عن مخارج دبلوماسية على حساب جهد إقليمي للتصدي لإيران. وقد رسخت الحرب خطاً فاصلاً بين الإمارات وبقية دول الخليج، ولا سيما السعودية؛ فلم تعد أبوظبي والرياض متفقتين بشأن التهديد الإيراني.

ورغم دعوتهما إلى مزيد من الوحدة الخليجية، فإنهما ترغبان في توحيد المنطقة حول استراتيجيات مختلفة تماماً: تفضل أبوظبي الأمن الجماعي واحتواء إيران بالقوة، بينما تفضل الرياض الدبلوماسية الجماعية سعياً إلى تسوية تفاوضية مع إيران.

تُضعف هذه الانقسامات النفوذ الدبلوماسي لدول الخليج، وتبقيها على هامش المفاوضات الأمريكية الإيرانية. وبالنسبة للإمارات، قد توفر العلاقات الوثيقة مع الاحتلال دعماً أمنياً قصير الأجل، لكن "تل أبيب" لا تستطيع تعزيز موقف الإمارات التفاوضي كما يفعل تكتل خليجي موحد.

علاوة على ذلك، من غير المرجح أن ينجح نموذج الإمارات لتعزيز مكانتها الاقتصادية العالمية في ظل شبح الحرب الدائم، وسيستمر مواطنو الدول ذات المؤسسات الضعيفة في التعامل المصرفي مع دبي.

ويشير انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك" إلى أن الدولة تخطط لزيادة دخلها من خلال توسيع إنتاج النفط. مع ذلك، سيصبح تحقيق النفوذ الدولي أكثر صعوبة إذا ما أدى التهديد بتجدد الهجمات الإيرانية إلى اندلاع حرب مباشرة بين البلدين.

ومع تراجع جاذبية الدولة للمستثمرين والعمال الأجانب، قد يلجأ المسؤولون والمديرون الإماراتيون إلى البحث عن ترتيبات اقتصادية استغلالية في مناطق تتمتع فيها الإمارات بنفوذ قوي، لا سيما في أفريقيا.

ومن خلال تقديم حوافز مالية أو مساعدات أمنية لقادة في الخارج، قد تسعى أبوظبي إلى تعزيز سيطرتها على الأراضي وسلاسل التوريد والمعادن النادرة وتدفق البيانات. إلا أن لهذا النهج حدوداً.

فأنشطة الإمارات في السودان لا تزال تثير استياءً دولياً واسعاً، وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على العديد من الشركات المرتبطة بالإمارات بسبب علاقاتها مع قوات الدعم السريع. كما أدت الشروط المجحفة إلى طرد شركة موانئ دبي العالمية من جيبوتي.

وفي وقت سابق من هذا العام، أدت وساطة الإمارات في إقامة علاقات رسمية بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال الانفصالي إلى طرد الصومال لشركة موانئ دبي العالمية أيضاً.

ورغم هذه النكسات، وما أحدثته الحرب من اضطراب إضافي في حركة الشحن عبر دبي، لا تزال الشركة متفائلة بشأن خططها للتوسع في أفريقيا.

لكن إذا استمرت الإمارات في سعيها للسيطرة السياسية عبر مشاريعها الاقتصادية في القارة، فقد تقوض أنشطتها الجهود الإقليمية لحل النزاعات وتثير ردود فعل دولية سلبية. ولا يزال مستقبل الحرب في الشرق الأوسط غامضاً، لذا يبقى من الممكن أن تغير الإمارات مسارها مجدداً.

فإذا تعثرت المفاوضات مع إيران واستؤنفت الحرب، فمن السهل تصور طائرات إماراتية تحلق علناً إلى جانب نظيراتها الإسرائيلية، في ظل لجوء الإمارات إلى استخدام القوة بشكل كامل لحل النزاعات الإقليمية.

اظهار أخبار متعلقة


في المقابل، إذا استبعدت إدارة ترامب احتمال تجدد الحرب ووقعت اتفاقاً مع طهران يسمح بالاستثمار الأجنبي في إيران دون عقوبات، فقد تحسّن أبوظبي علاقاتها مع جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، وقد تتسابق الشركات الإماراتية للاستثمار في إيران.

وبينما تتأرجح الولايات المتحدة وإيران بين الحرب والسلام، من المرجح أن تواصل الإمارات العربية المتحدة سعيها لتوثيق علاقاتها الأمنية مع دولة الاحتلال ومضاعفة جهودها لكسب ود الولايات المتحدة.

لكن في سعيها وراء الأمن، تُعرّض الإمارات نفسها لمخاطر لا داعي لها، إذ تُثير استياء جيرانها المباشرين، الذين قد يقررون في نهاية المطاف الاستغناء عنها.

إن التعاون الإقليمي هو ما سيرفع من مكانة أبوظبي العالمية على المدى البعيد. وبدونه، تواجه الإمارات مستقبلاً لا يرقى إلى مستوى الاستقلال الاستراتيجي الذي تتوق إليه، بل إلى مستوى التبعية للقرارات السياسية المتخذة في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.
التعليقات (0)

خبر عاجل