لماذا تغاضت الولايات المتحدة عن المغامرات الخليجية في قارة أفريقيا؟

عادةً ما تضحي الإدارات الأمريكية بالمصالح الأفريقية نظراً لأهمية الشرق الأوسط بالنسبة لها - الأناضول
عادةً ما تضحي الإدارات الأمريكية بالمصالح الأفريقية نظراً لأهمية الشرق الأوسط بالنسبة لها - الأناضول
شارك الخبر
نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالاً، جاء فيه أنه على الرغم من انشغال الحكومات الغربية بدور الصين في أفريقيا، فإن التحول الجيوسياسي الأبرز الذي تشهده القارة اليوم هو تنامي نفوذ القوى المتوسطة في الشرق الأوسط. فالإمارات والسعودية وقطر لها مصالح تمتد من خليج عدن شرقاً إلى خليج غينيا غرباً. 

ووفقاً لكاتبي المقال، زوري لينتسكي، رئيس التحليل في مؤسسة "داندليون ووركس" ومايكل وولديماريام، مدير برنامج الدكتوراه في كلية السياسة العامة بجامعة ميريلاند، فإنه من الناحية العسكرية، يشمل النفوذ أرخيلاً يمتد عبر القارة من القواعد العسكرية الإماراتية واتفاقيات التعاون الدفاعي، أما اقتصادياً فيُقدّر حجم الاستثمارات في شرق أفريقيا بنحو 65 مليار دولار. 

وقد استثمرت الإمارات وحدها 47 مليار دولار في مشاريع تتعلق بالبنية التحتية والأمن والطاقة والتعدين والموانئ والزراعة، ما يجعلها رابع أكبر مستثمر أجنبي مباشر في أفريقيا بعد الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

اظهار أخبار متعلقة


وخلال زيارته للبيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على اتخاذ إجراء بشأن الحرب الأهلية السودانية، بعد نحو عام من تجنب ترامب الصريح للصراع.

وعقب الاجتماع، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو محادثات مع أعضاء الحوار الرباعي (كواد) -الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر- للتوصل إلى هدنة إنسانية.

إلا أنه فشل في إحراز أي تقدم ملموس، ويعود ذلك جزئياً إلى العلاقات العسكرية والاقتصادية الوثيقة التي تربط الولايات المتحدة بالإمارات. فإجبار أبوظبي على تغيير سياستها تجاه السودان سيكلف الولايات المتحدة خسارة كبيرة في رأس مالها الدبلوماسي مع شريك إقليمي رئيسي.

ويقول الكاتبان إن هذا، وللأسف، ليس بالأمر الجديد. فمنذ عهد باراك أوباما على الأقل، دأب رؤساء الولايات المتحدة على التنازل عن مغامرات السياسة الخارجية الخليجية في أفريقيا، بل وتمكينها.

ولأن الشرق الأوسط يُعتبر أكثر أهمية، عادة ما تضحي الإدارات الأمريكية بالمصالح الأفريقية، وهو ما وصفه جود ديفيرمونت بـ"ضريبة بيروقراطية" على السياسة الأفريقية. والنتيجة هي نهج سياسي يؤجج الصراع وعدم الاستقرار في جميع أنحاء القارة، ويقوض المصالح الأمريكية.

وبغض النظر عن الحزب السياسي في البيت الأبيض، فإن الولايات المتحدة غير راغبة وغير قادرة على إدارة التدخلات المزعزعة للاستقرار التي يقوم بها حلفاؤها في الشرق الأوسط في جميع أنحاء أفريقيا، والتصدّي لها.

والسبب بسيط: يولي صانعو السياسة الأمريكيون قيمة استراتيجية أكبر لعلاقاتهم مع دول الخليج من أي أولويات في أفريقيا. ولم تدفع أفريقيا الثمن فحسب، بل إن هذا النهج السياسي فشل في حماية المصلحة الأمريكية الأساسية المتمثلة في الاستقرار في جميع أنحاء القارة الأفريقية.

ويقول الباحثان إن دول الخليج برزت خلال العقد الماضي كنوع من القوى المتوسطة، ومارست نفوذاً عسكرياً متزايداً وتحرراً من قيود النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. ويعود هذا الوضع الجديد، جزئياً، إلى السياسة الأمريكية.

لقد جعلت الولايات المتحدة من دول الخليج قوىً متوسطة، وهي التي شنت الحروب. أعادت هذه الصراعات تشكيل المشهد السياسي في مناطق واسعة من شرق وشمال أفريقيا.

فمنذ حرب العراق عام 2003، عملت الولايات المتحدة على بناء دول الخليج لتصبح قوى عسكرية مقابل مساعدتها في دعم إنتاج النفط والغاز واحتواء النفوذ الإيراني والحفاظ على وصول القوات الأمريكية وقواعدها الجوية وطلعاتها الجوية في جميع أنحاء المنطقة.

وفي البداية، حوّلت إدارة جورج دبليو بوش قطر والسعودية والإمارات إلى منصات انطلاق فعلية لبسط النفوذ الأمريكي خلال حرب الخليج الثانية. ومنذ ذلك الحين، دعم كل رئيس أمريكي تحويل دول الخليج إلى قوى عسكرية مستقلة تمتلك ترسانات تقليدية قوية.

وفي أعقاب حرب العراق، تضاعفت صادرات الأسلحة من الولايات المتحدة إلى السعودية والإمارات أكثر من ثلاث مرات، وفي أعقاب الربيع العربي عام 2011، تضاعفت صادرات الأسلحة الأمريكية إلى هذين البلدين بنسبة الضعفين.

ومع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، زادت صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الإمارات وقطر والسعودية مجدداً. كما شهدت صادرات الأسلحة الأمريكية ارتفاعاً ملحوظاً بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم عام 2020.

وخلال الفترة نفسها، أصبحت أفريقيا عنصراً أساسياً في السياسة الخارجية لدول الخليج؛ فعندما ارتفعت أسعار الحبوب بشكل حاد خلال الأزمة المالية العالمية، تضاعفت أسعار الأرز ثلاث مرات بين تشرين الثاني/نوفمبر 2007 ونيسان/أبريل 2008.

واستثمرت دول الخليج المتوسطة بكثافة في الأراضي الزراعية في حوض نهر النيل. وكان الهدف من هذه الاستثمارات حماية إمداداتها الغذائية الزراعية -التي تستورد ما يصل إلى 85 بالمئة منها- من الصدمات الخارجية.

وقد استهدفت هذه الدول شرق أفريقيا نظراً لموقعه الجغرافي، ومساحاته الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، ونجاح الإمارات في الحصول على امتيازات طويلة الأجل للموانئ على طول ساحل البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وأصبحت إثيوبيا والسودان والصومال وجيبوتي من أبرز الدول المستفيدة من استثمارات الخليج في الأراضي والثروة الحيوانية والإنتاج الزراعي. كما اشترت السعودية ما يُقدّر بنحو 500,000 هكتار من الأراضي في تنزانيا عام 2009، وبدأت قطر مفاوضات لاستئجار 40,000 هكتار من الأراضي في كينيا.

وقد حوّلت الاستثمارات الإماراتية هذه الدولة الخليجية إلى واحدة من أكبر مشتري الأراضي الأجانب في أفريقيا، ولا سيما في السودان.

وكانت هذه الروابط الاقتصادية من بين عدة عوامل مهدت الطريق لتصاعد التورط العسكري بين القوى المتوسطة في شرق وشمال أفريقيا، والذي لم يقتصر على دول الخليج فحسب، بل شمل أيضاً تركيا ومصر وإيران ودولة الاحتلال.

وأتاح الصراع الأهلي في شرق وشمال أفريقيا فرصاً لدول الخليج لممارسة قدراتها العسكرية المتنامية ونفوذها الاقتصادي في القارة. بدءاً من ليبيا، وعلى غرار ما حدث في إثيوبيا والسودان، استخدمت دول الخليج قدراتها المالية والعسكرية الهائلة لتشكيل الصراعات.

وفي كل حالة، ساهمت القوى الخليجية المتوسطة في تأجيج الصراعات التي دخلتها، مما أدى إلى تقويض الاستقرار المحلي والإقليمي، فضلاً عن مصالح الأمن القومي الأمريكي. وفي كل حالة، تساهل الرؤساء الأمريكيون مع المغامرات العسكرية الخليجية أو شجعوها.

وبحلول عام 2014، تحولت الحرب الأهلية الليبية بشكل متزايد إلى صراع بالوكالة، حيث وضعت الإمارات والسعودية في مواجهة قطر وتركيا. وشنت الإمارات غارات جوية من مصر ضد الجماعات المدعومة من قطر وتركيا، ومولت دخول مجموعة فاغنر الروسية في الصراع.

ويقول الباحثان إن هذا الدعم العسكري، الذي يعد انتهاكاً صريحاً لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، كان من المفترض أن يؤدي إلى مراجعة إلزامية للعقوبات، ومع ذلك، تغاضت إدارة أوباما عن تصرفات الإمارات، لأنها كانت بحاجة إلى دعمها لإتمام الاتفاق النووي الإيراني.

فقد كانت الإمارات قد وقعت للتو على اتفاقيات أبراهام، ووافقت على صفقة أسلحة بقيمة 23 مليار دولار مع الولايات المتحدة. بالنسبة لإدارة ترامب، تجاوزت هذه الاتفاقيات التطورات في ليبيا.

وينطبق منطق مماثل على حرب تيغراي في إثيوبيا. اندلع النزاع في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، عقب توقيع اتفاقيات أبراهام، وزُعم أن الإمارات العربية المتحدة نشرت طائرات مسيرة من ميناء عصب الإريتري لدعم السلطات الاتحادية في أديس أبابا.

وفي العام التالي، نفذت الإمارات ما لا يقل عن 90 طلعة جوية، مقدمةً دعماً عسكرياً واسع النطاق للقوات الإثيوبية لصد تقدم التيغراي.

ولم تعتبر إدارة ترامب أياً من هذا مشكلةً جوهرية؛ بل على العكس، رأى البعض في واشنطن أن دعم النفوذ الإماراتي في إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي عموماً من شأنه أن يعزز العلاقات الأمريكية الإماراتية واتفاقيات أبراهام، فضلاً عن كونه بمثابة حصن جديد في وجه الوجود الإقليمي الصيني.

وبذلت إدارة بايدن جهوداً أكبر للتصدي للتدخل العسكري الإماراتي في إثيوبيا، بحجة أن الصراع يقوض الاستقرار الإقليمي، وبالتالي مصالح الولايات المتحدة. ولكن عندما لم تغير الإمارات مسارها، استمرت الإدارة في التغاضي عنها.

ويشير الكاتبان إلى أن السودان ربما كان المثال الأبرز على تساهل الولايات المتحدة مع قوى الخليج في أفريقيا ودعمها لها؛ فأبو ظبي تربطها علاقات تاريخية طويلة الأمد مع السودان.

وعندما اندلع الصراع بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية عام 2023، بدأت الإمارات باستخدام قاعدة جوية تشادية لنقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع.

وطوال فترة النزاع، تورطت قوات الدعم السريع في العديد من الفظائع واسعة النطاق ضد المدنيين، مستخدمةً أسلحةً إماراتيةً نُقلت على متن طائرات إماراتية، ومستغلةً شبكةً من المطارات والقواعد العسكرية التي أنشأتها الإمارات في شمال ووسط أفريقيا، بما في ذلك ليبيا.

كما استخدمت الإمارات مجموعة فاغنر لنقل الأسلحة عبر مهبط طائرات في جمهورية أفريقيا الوسطى. وفي ظل تطبيع العلاقات بين الإمارات والاحتلال، ومحاولات تأمين وقف إطلاق النار في غزة، عرقلت إدارة بايدن أكثر من مرة أي جهد لكبح جماح الإمارات.

وكان الدافع وراء ذلك هو أن الضغط على الإمارات بشأن السودان قد يفضي إلى عواقب غير مقصودة في جبهات أخرى. وبدلاً من ذلك، صنفت الإدارة أبوظبي "شريكاً دفاعياً رئيسياً" في أيلول/سبتمبر 2024، بعد عدة أشهر من بدء قوات الدعم السريع حصارها لمدينة الفاشر.

حيث شرعت في عملية ممنهجة لتدمير الإنتاج الغذائي الإقليمي بهدف تجويع المدنيين وإخراجهم من المدينة، مما مهّد الطريق لمجزرة تشرين الأول/أكتوبر 2025 التي راح ضحيتها نحو 10,000 شخص.

وواصلت إدارة ترامب الثانية سياسة التيسير والتسهيل، فعززت العلاقات مع الإمارات بتوقيع صفقات بمليارات الدولارات لتعزيز إمدادات المعادن الحيوية وتوسيع استثمارات الذكاء الاصطناعي المدعومة أمريكياً في الشرق الأوسط.

ورغم أن روبيو كاد أن ينتقد علناً التدخل الإماراتي في السودان في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، إلا أن ذلك لم يترجم إلى ضغط سياسي فعلي. وغني عن القول إن الإمارات، وإن كانت أكثر الجهات الخارجية زعزعةً للاستقرار في السودان، فهي ليست الوحيدة.

فقد اتبعت الولايات المتحدة نهجاً مماثلاً في تعاملها مع قوى إقليمية أخرى: السعودية وقطر ومصر، وقدمت هذه الدول مجتمعةً دعماً عسكرياً وسياسياً حاسماً للقوات المسلحة السودانية، مما مكّن قائدها من التمسك بموقفه المتصلب بشأن محادثات السلام.

وترى المجلة أن الاعتقاد السائد بأن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تفوق بكثير مصالحها في أفريقيا يستحق مزيداً من التدقيق. فالنموّ السكاني المتسارع في القارة الأفريقية وتكاملها الاقتصادي المتسارع، يجعلانها مؤهلة لكي تكون محركاً للنمو العالمي والابتكار في العقود القادمة.

كما أن أفريقيا تقع في قلب الجيل القادم من التنافس بين القوى العظمى على المعادن الحيوية والطاقة المتجددة والدور المتنامي الذي ستلعبه دول الجنوب العالمي في الشؤون الدولية.

اظهار أخبار متعلقة


وسيحتاج الرؤساء الذين سيخلفون ترامب إلى إعادة إحياء دور الولايات المتحدة القيادي في أفريقيا في مواجهة دول الخليج. يتمثل أحد الحلول في ربط مبيعات الأسلحة لدول الخليج بسلوكها في أفريقيا، ربما بالاستناد إلى مبادرات متوقفة حالياً طرحها عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين.

كحد أدنى، يمكن لوزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين وضع معايير رسمية لمراجعة تحركات دول الخليج في أفريقيا قبل أي مبيعات أسلحة جديدة، بدلاً من تجاهل سلوكها في القارة.

في الوقت نفسه، تحتاج الولايات المتحدة إلى الانخراط في أفريقيا بطريقة تعزز دورها الفاعل وقدرتها على إدارة النفوذ المتزايد لدول الخليج والشرق الأوسط عموماً.

كما يجب عليها إعادة الاستثمار في الشراكات الأفريقية، ولكن ليس بطريقة انتهازية كما في حالة جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وتعد زيادة الدعم للاتحاد الأفريقي لتيسير حل النزاعات، وتنشيط العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا، وربما من خلال اتفاقيات تجارية تفضيلية، آليات إضافية لتعزيز استقلالية الدول الأفريقية في مواجهة دول الخليج.

ويتطلب تغيير هذا الواقع أن تبدأ واشنطن في التعامل مع القارة كمنطقة ذات قيمة استراتيجية حقيقية، بدلاً من اعتبارها مجرد أداة يمكن التضحية بها في سبيل تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط.
التعليقات (0)